قبل ساعة، لم أستطع تقبّـل كلام كايدن، فاستيقظتُ في الفجر وهربتُ سرًا من قصر الدوق.
توجّهتُ مباشرة إلى “بيتي” في وسط المدينة، الذي اشتريته عندما كنتُ في العشرين… لكن…
“سأعود لاحقًا، يا عزيزتي.”
“هيا، سلّموا على أبيكم!”
“وداعًا، أبي!”
كان ربّ عائلة يغادر للعمل، وكما لو كان الأمر روتينيًا، كانت زوجته و أطفاله يودّعونه.
وقفتُ عبر الشارع و أنا أراقب المشهد بذهول.
“بيتي”، الذي كنتُ أنام فيه حتى قبل أيام، كان يعيش فيه الآن أشخاص غرباء.
من الصدمة، تجوّلتُ بلا هدف في شوارع فالتشتاين.
المحل الذي كان يبيع الأحذية بالأمس أصبح الآن متجرًا للألعاب السحرية. النّافورة أصبحت أكثر فخامة، و الشّوارع أنظف. حتى ملابس الناس بدت مختلفة قليلاً عن الأمس.
تغيّـر كلّ شيء في ليلة واحدة.
عضضتُ شفتيّ وألقيتُ نظرةً على تاريخ الصحيفة المعروضة على كشك قريب.
“…حقًا مـرّت عشرون سنة.”
لم يكن كايدن و السيّدة مارتشي يسخران مني. كانا يقولان الحقيقة.
وهذا جعلني أكثر حيرة.
‘أنا و الدّوق الأكبر… متزوّجان حقًا؟ لكنني من عامّة الناس!’
كان كايدن نبيلًا من بين النبلاء، دوق فالتشتاين الأكبر. أما أنا، فكنتُ من عامّة الناس، أتسوّل في الأزقة الخلفية.
حتى لو أصبحتُ سيّدة سيف و حسّنتُ حياتي، كنتُ أعرف جيدًا كيف يراني النبلاء.
‘ومع ذلك، دوق فالتشتاين الأكبر تزوّج من إمرأة من العامّة …’
التفتُّ خلفي، فرأيتُ قصر الدوق الضخم المهيب.
‘أنا سيّدة هذا القصر…؟’
كان هذا شيئًا لم أحلم به حتى في أحلامي.
‘و علاوةً على ذلك، أطفال لا أتذكّرهم…’
“هاه…”
خرجت تنهيدة لا إرادية.
أنا في الثانية والعشرين، و لديّ ثلاثة أطفال في سن المراهقة. قال كايدن و السيّدة مارتشي إنّني أنجبتهم، و هناك دليل الصور.
لكن لا شيء في ذاكرتي!
بعد إنهاء مهمة إبادة الوحوش، كنتُ أخطّط للعب و الراحة، فما هذه الكارثة؟ هل فعلتُ كلّ هذا؟ ولا أتذكّر شيئًا؟
فجأة، خطرت لي فكرة:
‘ ماريان التي يعرفها الناس الآن… هل هي حقًا أنا؟’
بينما كنتُ على وشك التفكير بجديّة،
غرغرة…
أصدرت معدتي صوتًا عاليًا.
“……”
فتحتُ عينيّ بنصف إغلاق و نظرتُ حولي. كان هناك متجر قريب يشوي النقانق. زاد صوت معدتي قوّة مع الرائحة الشهية.
‘التفكير لاحقًا، لنملأ المعدة أولاً.’
بللتُ شفتيّ و بحثتُ في جيب عباءتي، فوجدتُ بعضَ العملات الذهبية. كنتُ قد ارتديتُ ملابس كانت ملقاة في زاوية خزانة الملابس، وكان ذلكَ من حسن الحظّ.
‘حسنًا، سأشتري شيئًا للأكل… آه، البيرة أيضًا تبدو جيّدة.’
النقانق و البيرة يتناسبان معًا، أليس كذلك؟ لو سمعني كايدن، لقال إنّ البيرة في الصباح غير مقبولة… لكنني تساءلتُ فجأةً عما قد يقوله كايدن الذي مـرّت عليه عشرون سنة.
‘بدا… أكثر لطفًا.’
شعرتُ بحرارة في وجنتيّ و هززتُ رأسي بقوة.
“أمم، لنملأ المعدة، و نشرب كأسًا، ونتجوّل قليلاً… ثمّ نعود.”
تمتمتُ لنفسي و توجّهتُ نحو النقانق.
***
مرّ أسبوع بهذه الطريقة.
***
“هل وجدتَ أيّ أثر لماريان؟”
سأل كايدن بنظرةٍ مخيفة، فأجاب الفارس المتوتّر:
“قبل يومين، ورد تقرير عن امرأة تُشبهها في مكان قمار في إقليم سيردين…”
“و ماذا عن اليوم؟”
“أعتذر، سيدي.”
“هاه…”
تنهّد كايدن بعمق و هو يمرّر يده على شعره. كان مظهره يائسًا. بشرته شاحبة كمَنْ لم ينم منذُ أيام، و تحتَ عينيه هالات سوداء.
لكن نظرته كانت حادّة، فكان الفارس يراقبه بحذر و هو متوتر. ضغطَ كايدن على صدغيه و فكّـر:
‘ماريان… إلى أين ذهبتِ و ذاكرتكِ ناقصة؟’
اختفت ماريان.
عندما سمع الخبر أوّل مرّة، لم ينزعج كثيرًا.
في طفولتها، كانت ماريان تختفي كلّما تـمّ توبيخها أو شعرت بالإحباط، فظنّ أنّها لا بدّ أن تكون موجودة في مكانٍ ما في القصر.
بل شعـرَ بالبهجة، ولم يبدأ البحث عنها إلا في وقتٍ متأخّر من فترة ما بعد الظهر.
فتّـش في الغرفة العلوية في البرج، و في الشجيرات قرب مدخل الغابة الشمالية، و خلف التمثال الذي في الكنيسة، لكن حتى مع حلول الليل، وبعد تفتيش دقيق، لم يجد حتى شعرة واحدة.
أدرك أخيرًا أنّ شيئًا ما خطأ.
‘كان ذلكَ خطأي.’
غطّى عينيه بيده و لام نفسه.
لقد فاتـه الوقت المناسب للعثور عليها.
سيّدة سيف، أقوى و أسرع إنسان في العالم. هذه هي ماريان.
لحسنِ الحظ، لم تكن تخفي نفسها تمامًا، إذ تركت آثارًا هنا و هناك. لكن سرعتها في التنقّل جعلتها تبتعد عن فالتشتاين يومًا بعد يوم.
قبل أسبوع، ورد تقرير أنّها شوهدت في حانة في إقليم فالتشتاين. كان ذلكَ في المساء، واختفت دون أثر في الليل.
قبل أربعة أيام، ورد أنّها ساعدت في أعمال بسيطة في نزل في إقليم مجاور و حصلت على أجر. ضحكَ كايدن بسخرية عندما سمعَ ذلك.
قبل ثلاثة أيام، شوهدت في مطعم في إقليم آخر، وقبل يومين، في مكانٍ قمار في إقليم آخر.
كانت سرعتها في التنقّل مذهلة، حتى بدون استخدام دوائر النقل السحريّة.
‘دوائر النقل السحريّة تتطلّب التحقق من الهوية، لذا تجنّبتها. لكن عبور القارة بهذه السرعة…’
“هاه، ماريان…”
أمسكَ كايدن جبهته و تأوّه بألم. مواجهة ماريان المتمرّدة بعد وقتٍ طويل جعلت قلبه يعاني.
كان العزاء الوحيد أنّ وجهتها، بناءً على آثارها، هي العاصمة.
‘من حسن الحظ أنّ النطاق ضاق.’
رفعَ كايدن رأسه بعيون محتقنة.
“سأذهب إلى القصر الإمبراطوري لطلب تعاون الإمبراطور.”
“الدّوق الأكبر.”
حاول مساعده فيلت، بوجه قلق، منعه:
“ربّما لو انتظرنا قليلاً…”
“لقد انتظرتُ بما فيه الكفاية.”
أصدرَ كايدن أمرًا بوجه حازم:
“سأنشر إعلانات مطلوبين في العاصمة. استعـدّ.”
“سيدي…؟”
تجمّد فيلت لثلاث ثوان، ثمّ صرخ مذهولاً عندما فهم:
“ما هذا…! فكّر في سمعة عائلة الدوق!”
لكن عيون دوق الشمال، الذي لم يجد شريكته منذُ أسبوع، لم تكن طبيعيّة.
“السمعة و غيرها من الأمور لا تهمني الآن. أشعر أنّني سأموت. ضـع مكافأة مليار ذهبية على ماريان!”
“الدّوق الأكبر!”
صرخَ فيلت، لكن كايدن لم يكن يرى شيئًا أمامه الآن.
****
“مَنٔ يتحدّث عني؟”
حككتُ أذني بإصبعي الصغير و أنا أسير في شوارع العاصمة التي وصلتُ إليها للتو.
‘نافورة جديدة، مبانٍ جديدة كثيرة، وأرضيات حجرية تـمّ تجديدها.’
هذه كانت انطباعاتي بعد تجوّلي لأسبوع من فالتشتاين إلى العاصمة عبر عدّة أقاليم.
“عشرون عامًا… مدّة هائلة!”
في العاصمة، كانت المباني أكثر أناقة وفخامة. كان الناس يبدون سعداء و حيويين.
هل هذا هو العصر الذهبي؟
ألقيتُ نظرة على صحيفة عابرة، فوجدتُ أنّ الإمبراطور الحالي هو لوكاس. كان الأمير ماريوس هو ولي العهد، فلماذا أصبح الأمير الثاني إمبراطورًا؟ لم أفهم.
‘هل حدث نزاع بين الأمراء على السّلطة؟ لكن هذا غريب. لو حدث ذلكَ كنـتُ سأدعم ولي العهد…’
فكّرتُ للحظة، ثمّ أدركتُ:
‘آه، ليس لعامّية مثلي مكان في مثل هذه الأمور. كنتُ على الأرجح منغمسة في الشمال أقتل الوحوش.’
سخرتُ من نفسي و ابتسمتُ بسخرية.
لكن كان هناك شيء آخر غريب. قبل أيام، كنتُ معجبة بشدّة بالأمير ماريوس، لكن الآن لم أشعر بشيء تجاهه.
‘يبدو أن قوّة الزمن أنهـت حبّي الأول.’
بينما كنتُ أوافق بحزن خفيف، سمعتُ صوت امرأة شابة قريبة:
“يقولون إن الحلوى هنا لذيذة جدًا!”
“الكعك يبدو لذيذًا أيضًا!”
‘حلوى؟ كعك؟’
لمعت عيناي و أدرتُ رأسي بسرعة الضوء. كان موسم التواصل الاجتماعي، فبدت الفتيات النبيلات يرتدين فساتين جميلة في نزهة.
دخلن مقهى يتميّز بأجوائه الرائعة و يقدّم الحلويات. كانت النوافذ مفتوحة بسببِ الطقس الجيّد. ركّزتُ قوّة في عينيّ و ألقيتُ نظرة سريعة على قائمة الطعام في يد أحد الزبائن…
“آه، كعكة الشوكولاتة بأربعة فضيات؟!”
تفاجأتُ بشدّة. صدمتني الأسعار المرتفعة. قبل عشرين عامًا، كانت بفضيتين فقط، والآن تضاعفت!
‘ظننتُ أن الأسعار في فالتشتاين مرتفعة، لكن العاصمة أسوأ.’
التعليقات لهذا الفصل " 125"