كانت عيناه الزرقاوان، التي كنتُ أظنًها باردة دائمًا، تحملان دفئًا و هو ينظـر إليّ.
من هذه النظرة الغريبة، تمتمتُ دون وعي:
“هذا مبتذل…”
“……”
خلافًا لتوقعاتي بأن يـردّ بحدّة، أنزل عينيه بتعبير محبط قليلاً.
تفاجأتُ أكثر من هذا التّصرف.
كان دائمًا يظهر بملامح صلبة، يأمرني بفعل هذا أو عدم فعل ذاك، و يطالبني بالتّحدث بلطف، لكن هذا كان مختلفًا تمامًا.
‘كنتُ أتوقّع أن يقول إنّني وقحـة…’
شعرتُ و كأنّـه شخص آخر، فنظرتُ إليه بحذر. في تلكَ اللحظة، طرقَ أحدهم الباب.
“أعتذر عن المقاطعة.”
“آه، السّيد دورانتي.”
ظهر الرجل المرقّط حاملاً كومة من الأغراض. لاحظت السّيدة مارتشي ما يحمله وقالت: “فكرة رائعة!” و رحّبت به.
اقترب الرجل، وضـعَ بعض الصناديق على الطاولة الجانبية، ثمّ مـدّ لي كتابًا كبيرًا وقال:
“السّيدة ماريان، هل يمكنكِ النظر إلى هذا؟”
“ما هذا؟ كتاب؟”
“إنّه ألبـوم يحتوي على لحظات عائلة فالتشتاين.”
“ألبوم…؟”
مِلـت برأسي و أخذتُ الكتاب. نظرتُ إلى كايدن و السيّدة مارتشي، اللذين أومآ برأسيهما كما لو يطالبانني بفتحه.
تردّدتُ للحظة، ثمّ فتحتُ الغلاف…
“آه! ما هذا؟!”
ارتدّ جسمي من الصدمة.
“همم، صورة زفافنا في الصفحة الأولى. هل هذا الألبوم الذي أُعيـد تصميمه هذا العام؟ التكوين جيّد.”
تمتمَ كايدن بوجه راضٍ وهو ينظر إلى الصفحة الأولى.
لكنني لم أتمكّن من كبح دهشتي.
“ما هذا؟ لماذا يبدو حقيقيًا جدًا؟”
“حقيقي؟ آه، هذه ليست رسومات، بل صور فوتوغرافية. تطوّرت التكنولوجيا، فلم نعـد نحتاج إلى رسم الصور، بل يمكننا التقاط اللحظات كما هي. هذا الألبوم يحتوي على لحظاتنا الثمينة.”
“صور فوتوغرافية…؟”
“اقلبي الصفحة.”
قلّبتُ الصفحات، و رأيتُ مشاهد حيّـة ملتقطة.
في البداية، كانت الصور بالأبيض والأسود، ثمّ أصبحت ملوّنة تدريجيًا، مما زاد من واقعيتها. كانت دهشتي تخترق السماء، ليس فقط بسببِ الصور الملونة.
“الأطفال… يزدادون…”
“أليسوا لطفاء؟ إنهم أطفالنا.”
ابتسمَ كايدن بهدوء وهو يرى أطفاله يكبرون في الصور.
كان هذا المشهد غريبًا عليّ، فنظرتُ إليه بوجهٍ مندهش، ثمّ عـدتُ للألبوم، و كرّرتُ ذلك.
من رضيع يشبه البطاطس المحترقة إلى طفل ممتلئ. ثمّ بطاطس محترقة أخرى، وأطفال يكبرون بسرعة. و فجأةً، ظهرت بطاطس محترقة أخرى بشعرٍ أحمر.
مع كلّ صفحة، كان الأطفال الثلاثة يكبرون.
و في بعض الصور، كنتُ أنا و كايدن نعانق بعضنا بحنان أو نقبّـل بعضنا. في كلّ مرّة أرى ذلك، كانت عيناي ترتعشان .
كنتُ على وشكِ فقدان وعيي عندما ربّـت كايدن على ظهر يدي بخفّة.
“هذه صورة عائلية من ربيع هذا العام، في حفل دخول أصغر أطفالنا، بينيلوبي، إلى الأكاديمية.”
في الصّورة، كنتُ أحتضن فتاة ذات شعر أحمر بحنان، و كان كايدن يحيط بنا بذراعه الطويلة كما لو يحمينا، و بجانبنا كان هناك صبيان يشبهان كايدن تمامًا يقفان كالحرّاس.
“الطّفل الأطول على اليمين هو الأكبر، إيفان ، هو في الثامنة عشر ، في سنة التخرّج. ثيودور، الثاني عمره ستة عشر عامًا. و الصغرى، التي دخلت هذا العام، أربعة عشر عامًا. جميعهم في الأكاديمية الآن.”
استمعتُ إلى شرحه و أنا أنظر إلى الأطفال في الصورة كالمسحورة.
كانت البطاطس المحترقة قد كبـرت كثيرًا. التصقت عيناي بالفتاة ذات الوجه المشرق التي تحمل باقـة زهور.
‘هي… تشبهني…؟’
كان ذلكَ عجيبًـا.
فتاة ذات شعر أحمر تشبهني تمامًا.
“آه…!”
فجأة، شعرتُ بألـمٍ حـادّ في رأسي، فأغمضتُ عينيّ و وضعتُ يدي على جبهتي.
“ماريان؟ هل أنتِ بخير؟”
“السّيدة ماريان؟!”
اقترب كايدن القلق ليفحص وجهي، لكنّني صددتُ يـده بشكلٍ لا إرادي. رأيتُ تعبيره يتجمّد، لكنّني لم أكـن في حالة أهتمّ بها. كان رأسي يكاد ينفجر من الألم.
“آه…!”
“ماريان!”
عندما اجتاحني الألم و أظلمت رؤيتي، شعرتُ بجسمي يميل إلى الأمام. أمسكني كايدن. سمعتُ أصوات الناس القلقين، لكنّها بدأت تتلاشى تدريجيًا.
ثمّ جاء الظلام الدامس.
*****
“ربّما تلقّت الكثير من المعلومات دفعة واحدة، فأثّر ذلك على رأسها.”
عند تشخيص دورانتي، نظر كايدن إلى ماريان المستلقية على السرير وقال:
“عندما كنتُ سأستعيد ذاكرتي، شعرتُ بألمٍ شديد في رأسي أيضًا. هل تعتقد أنّ ماريان ستستعيد ذاكرتها قريبًا؟”
“فقدان الذاكرة حالة غامضة، فمن الصعب التأكيد، لكن بالمقارنة مع أعراضكَ سابقًا، يبدو أنّ هناك احتمالاً.”
“حسنًا… هذا جيّد.”
قال إنّه جيّد، لكن تعبيره لم يكن كذلك. كان يشعر بالأسف على ماريان الشاحبة المستلقية.
“الدّوق الأكبر، الوقت متأخّر، لكن ماذا عن العشاء؟ لا بدّ أنّكَ جائع…”
هـزّ كايدن رأسه و قال إنّه بخير ردًا على سؤال السيّدة مارتشي الحذر. شكرهما على جهدهما و طلبَ منهما العودة لأنّهما لا بدّ أنّهما متعبان.
عندما أغلقا الباب بهدوء و غادرا، بقي كايدن و ماريان وحدهما في الغرفة.
رتّـب شعرها الأمامي بحنان و تمتم:
“هكذا شعـرتِ عندما فقدتُ ذاكرتي…”
بعد عشرين عامًا من العيش معًـا، ظـنّ أنّه يعرف كلّ شيء عن ماريان، لكنّه اكتشف أنّ هناك المزيد ليتعلّمـه.
ماريان في الثانية و العشرين، التي فقدت ذاكرتها، كانت شخصًا مختلفًا تمامًا عن ماريان في عمر الثانية و الأربعين.
شعـرَ بالبهجة لرؤية ماريان الوقحة بعد وقتٍ طويل، لكن قلقها الخفي جعلَ قلبه يتألم.
في ذاكرته، كانت ماريان في الثانية و العشرين دائمًا متمرّدة و مثيرة للمشاكل. لكن ماريان التي أمامه الآن بـدت مختلفة، كانت كطفلة تتظاهر بالقوّة لأنّها لا تجـد مَنٔ تعتمد عليه.
بالطبع، من الطبيعي أن تكون قلقة بعد فقدان ذاكرتها فجأة. و مع ذلك، بدت أصغر و أضعف بكثير ممّا كانت عليه في ذاكرته.
‘لماذا لم ألاحظ ذلكَ آنذاك؟’
بالنّسبة لكايدن في السابعة و العشرين، كانت ماريان مجرّد مصدر إزعاج. بصراحة، لم يكن يراها كشريكة عاطفية. كانت دائمًا تثير المشاكل، فلم يكن هناك مجال لمثل هذه الأفكار.
كانت ماريان تواعد أشخاصًا آخرين، لكن ذلك كان تحتَ إشرافه.
كان قد تحـرّى خلفيّات عائلاتهم، و تأكّـد من عدم وجود شائعات غريبة، أو عادات سيئة، أو طلبات مالية… كلّ ذلكَ دون علم ماريان بالطّبع.
‘حتّى لو كانت سيّدة سيف، فهي لا تزال فتاة، و هناك الكثير من الأشخاص السيئين.’
سعـلَ كايدن دون داعٍ، محاولاً تبرير تصرفاته آنذاك.
‘مهلا… متى بدأتُ أنتبـه لماريان؟’
تساءل فجأة.
رآها لأوّل مرّة في الثالثة عشرة، و كان يراها مجرّد طفلة.
مع مرور الوقت، أصبحت مصدر إزعاج كبير.
‘كانت إزعاجًا هائلاً… لا، ليس هذا.’
ركّـز و حـاول تذكّر ماريان البالغة ثمانية عشر عاما، عندما أصبحت بالغة. لكن لم يكن هناك شعور خاصّ يتذكّره.
ثمّ تذكّـر ماريان في العشرين، عندما كانت متحمسة بشكلٍ خاصّ لأمر الأمير ماريوس. بما أنّها لم تستطع أن تكون مع الأمير، بدأت تواعد رجالاً يشبهونه.
شعرَ بانزعاج خفيف.
“…هل كان ذلكَ الوقت؟”
من المفارقة أنّه بـدأ ينتبه لها عندما كانت في أوج تمرّدها. كان ذلكَ مبكرًا أكثر ممّا توقّع، فشعر بالذنب قليلاً، و تمتمَ بخجل وهو يعبث بيد ماريان:
“سأكون أفضل.”
تمنّى أن تستعيد ذاكرتها قريبًا.
بصراحة، ردّ فعل ماريان المصدوم عندما سمعت أنّها تزوّجته و أنجبت ثلاثة أطفال كان مؤلمًا بعض الشيء. كذلك صدمته عندما صدّت يده قبل أن تنهار.
‘أفهم ذلك. في ذلك الوقت، كنّا كالأعداء.’
لكن…
“…ومع ذلك، لم يكن عليكِ أن تقولي إنّه مرعب.”
تمتمَ بصوتٍ منخفض وهو ينكز خدّ ماريان بإصبعه. كان خدّها المضغوط ظريفًا.
“ومع ذلك، كنـتِ لطيفة. ربّما لأنّني رأيتكِ هكذا بعد وقتٍ طويل.”
كان حاله ميئوسًا منه. شعرَ كايدن أنّه لا يستطيع العيش بدون ماريان الآن.
‘لأنّـكِ حيـاتي.’
ضحك بخفّة دونَ وعي وهو يمسح جبهتها. كان صوت تنفّسها الهادئ مريحًا.
تعمّـق الليل.
اضطر كايدن، الذي كان يراقب ماريان، إلى النهوض بناءً على طلب مساعده.
بصفته الدّوق الأكبر، كان مشغولاً، وكانت هناك الكثير من الأعمال.
التعليقات لهذا الفصل " 124"