كايدن، الذي يبدو أكبر بخمس أو ست سنوات ممّا أعرفـه، و السيّدة مارتشي ، التي أصبحت الآن تبدو كعجوز، و رجل غريب ببشرة مرقّطة و أذنين مدبّبتين.
منذُ ثلاثين دقيقة، عندما استيقظتُ، بدأوا يتحدّثون بكلامٍ غريب. يسألون عن حالي، و يقولون أنّـه أغمي عليّ فجأة و أنّني أخفتهم.
ارتبكتُ و قلتُ إنّني لم أفقد الوعي، و سألتهم لماذا أنا في قصر الدوق. نظرَ الثلاثة إليّ بوجوه حائرة. فشرحتُ:
“بالأمس، كنتُ أقامـر، ثمّ عدتُ إلى ‘بيتـي’ و نمـتُ. أنهيتُ مهمّة إبادة الوحوش، و كنتُ أخطّط للعب و الراحة. فلماذا أنا هنـا؟ هل أنـتَ، الدّوق الأكبر، مَنٔ جلبني؟!”
ما إن انتهيتُ من الكلام، حتّى شحبت وجوههم جميعًا. بدأوا يتهامسون و أنا أمامهم، و كان جوهر حديثهم أنّني شربتُ بالأمس، عن طريق الخطأ، شيئًا ظننتـه نبيذًا.
لكن هذا كان غريبًا. بالأمس، لم أشرب نبيذًا، بل كميّة هائلة من البيرة التي قدّمهـا لي أصحاب مكان القمار. شعرتُ بقلق غامض، وأمسكتُ بالغطاء بقوة.
“يبدو أنّ السّيدة ماريان فقدت ذاكرتها.”
أعلن الرجل المرقّط.
“مستحيل، حـدثَ هذا مرّة أخرى!”
أغمضت السّيدة مارتشي، التي أصبحت عجوزًا، عينيها و كأنّها تشعر بالدوار.
“ماريان، كم عمـركِ الآن؟”
سألني كايدن الأكبر سنًّـا. حاولتُ إخفاء توتّري و أجبتُ بصوت واثق:
“اثنان و عشرون عامًا، أليس كذلك؟ ألا تعرف عمري؟ لكن لماذا يبدو الجميع متخفّين بأعمار أكبر؟ و مَنٔ هذا الرّجل المرقّط؟ هل هو فيتو يرتدي قناعًا؟ لكنّ حجمه و طوله مختلفان قليلاً.”
عند هذا الكلام، أمسكَ الثلاثة برؤوسهم و تنهّـدوا. بدا أنّهم يشتكون من الصّداع، فكدتُ أغضب، لكن كايدن تحدّثَ بنبرةٍ ناعمة:
“ماريان، استمعي دونَ أن تنزعجي.”
شعرتُ بقشعريرة من نبرته التي لم أسمعها من قبل.
“أنـتِ الآن في الثانية والأربعين.”
“ماذا؟”
أصدرتُ صوتًا مذهولًا دونَ وعي بسببِ هذا الكلام المستحيل.
“أنا في الثانية والأربعين…؟”
نظرتُ إليهم بنظرةٍ مريبة.
مهما فكّرتُ، كان الأمر غريبًا. كيف يعقل أن يبدو أحدهم أكبر بخمس سنوات فقط، و آخر أكبر بعشرين عامًا؟ و مَنْ هو هذا الرجل المرقّط؟
“لم أكن أعلم أنّ الدوق الأكبر يعرف كيف يقول مثل هذه النكات.”
“أنا جـادّ. قد يكون من الصّعب تصديق هذا، لكن بالأمس، في مختبر دورانتي، شربتِ دواءً سحريًا كان في زجاجة نبيذ، ثمّ أغمي عليكِ و استيقظتِ للتو. و يبدو أنّكِ فقدتِ ذاكرتكِ بسببِ ذلك.”
كان كلامـه طويلًا و مضحكًا. عبستُ و نظرتُ حول الغرفة. لم تكن الغرفة التي أقمتُ فيها عادةً في قصر الدوق، بل كانت أكبر و أكثر فخامة. السرير كان أكبر و أنعـم.
‘ما الذي يخطّطون لـه؟’
كان كايدن و السيّدة مارتشي يتصرّفان بشكلٍ غريب. لم أفهم نواياهم، فأغلقتُ فمي. طلب الرجل المرقّط الإذن:
“سأغادر للحظة.”
حدّقتُ فيه بنظرةٍ ضيّقة وهو يغادر الغرفة. تنهّدت السيّدة مارتشي بعمق وقالت:
“سيّدة ماريان، انظري إليّ. ألـم أصبح عجوزًا؟ آه، الآن بعد أن قلتُ ذلك، أشعر بقسوة الزمن أكثر. أريد العودة إلى ما قبل عشرين عامًا.”
نظرتُ إليها بشكّ وقلتُ بسرعة:
“هل أنـتِ حقًا السّيدة مارتشي؟ السّيدة مارتشي تناديني ‘ آنسة ماريان’، و ليس ‘سيّدة ماريان’. ألستِ والدتها؟ لماذا تكذبين عليّ؟”
غطّى كايدن فمـه بيده و تمتم:
“هذه الوقاحة التي تخترق السماء تؤكّد أنّها عادت إلى سن الثانية والعشرين.”
وافقته السّيدة مارتشي :
“من المنعش رؤية السّيدة ماريان النشيطة بعد وقتٍ طويل.”
شعرتُ بالغضب من نظرات الحنين خاصتهما.
كنتُ متأكّدة أنّهما يخدعانني.
“كفى عن هذه النكات السخيفة. اغسلا وجهيكما.”
“ماريان، نحن لسنا متنكّرين. لقد مـرّت عشرون عامًا فعلاً.”
تحدّثَ كايدن بكلامٍ مضحك مرّةً أخرى، فلم أتحمّل و صرختُ:
“هذا يغيظني حقًا! توقّفا عن السخرية مني!”
“…ربّما ستصبح بينـي هكذا عندما تدخل سن المراهقة.”
مَنٔ هي بيني؟ و ما علاقة المراهقة؟
ارتبكتُ من هذه الكلمات الغريبة، لكن السّيدة مارتشي قالت شيئًا أكثر استحالة:
“نحن لا نسخر منـكِ. لقد تزوّجتِ من الدّوق الأكبر و أصبحتِ الدّوقة الكبرى. و أنجبتِ ثلاثة أطفال رائعين كالأرانب.”
“ماذااا؟!”
صدمتُ بشدّة حتّى اهتزّ جسدي. تمتمَ كايدن:
“…هذا الردّ مؤلم بعضَ الشيء.”
“السّيدة مارتشي تقول أشياء مخيفة!”
“ليس مخيفًا إلى هذا الحـدّ…”
بدا كايدن محبطًا، لكنني لم أكترث و ارتجفتُ.
أنا و كايدن متزوّجان؟ و أنجبنا ثلاثة أطفال؟ يا له من هراء!
“آه، مجرّد التفكير في الأمر مرعب! حسنًا، نجحتما في السّخرية مني. توقّفـا الآن!”
“مرعب!؟….أنتِ لا تصدّقين أبدًا.”
“بالفعل.”
نظر كايدن و السيّدة مارتشي إلى بعضهما بوجه متضايق.
“هذا لا يعقل. أنا و كايدن متزوّجان و أنجبنا ثلاثة أطفال… هاه، مجرّد قول ذلكَ مخيف.”
تغيّرَ وجه كايدن بشكلٍ واضح، لكن لم يهمني ذلك.
واصلتُ التعبير عن شكوكي:
“و الأهم، إذا كنتُ في الثانية و الأربعين، فهذا يعني أنّ الدّوق الأكبر في السابعة و الأربعين، لكنّه لا يبدو في منتصف الأربعينيات أبدًا!”
صحيح أنّه يبدو أكبر سنًّـا ممّا أعرفه، لكنّه لا يزال يبدو في أوائل الثلاثينيات. أليس من المنطقي أن يكون قد تقـدّمَ في العمر بسرعة خلال ليلة واحدة بدلاً من فقدان ذاكرة عشرين عامًا؟
شرحت السّيدة مارتشي بلطف:
“كلاكما سادة سيف، لذا الشيخوخة بطيئة لديكما.”
عبستُ:
“حتّى لو كان الأمر كذلك، كيف يمكن لشخصٍ في منتصف الأربعينيات أن يبدو في أوائل الثلاثينيات؟”
“هل أبدو في عينيكِ أنّني في بداية الثلاثينيات؟”
سأل كايدن بـوجهٍ مشرق، فشعرتُ بالغيظ و رددتُ:
“كنتَ في منتصف العشرينيات. هل يعجبكَ أن تكون عجوزًا فجأة؟ ذوقكَ غريب حقًا.”
“هم… هذا اللّسان الحادّ يبدو مألوفًا بشكلٍ جديد.”
نظر إليّ بوجهٍ مهتمّ، مما زاد من غيظي. شعرتُ و كأنّه يسخر منّي بمهارة.
“آه! حسنًا، أنا من عامّة الناس، أتحدّث بوقاحة ولم أتعلّم شيئًا! هل هذا كافٍ؟!”
صرختُ، فعبس كايدن بإحدى حاجبيه.
“ماريان، لسـتِ وقحة.”
“لقد قلتَ للتو شيئًا عني!”
“لم أقل ذلك… حسنًا، أنا آسف.”
“ماذا يعني … لماذا؟”
تفاجأتُ و تلعثمتُ.
“لماذا تعتذر؟!”
“أنتِ مرتبكة الآن، و كنتُ خفيفًـا في كلامي. أنا آسف.”
أذهلني تعبيره الجادّ. لم تظهر عليه أيّ علامة على السخرية.
شعرتُ و كأنّه ليس كايدن الذي أعرفه. أخيرًا، تفحّصته جيّدًا. كان مظهره الناضج يتماشى مع تصرّفاته الرزينة، و كانت ملامحه وهالته ألطف.
هذا جعلني أكثر حيرة.
‘ما هذا…؟ هل فقدتُ ذاكرتي حقًا؟’
ما إن خطرت هذه الفكرة حتّى بدأتُ أعضّ شفتيّ دونَ وعي.
‘إذا كنتُ فقدتُ ذاكرتي بالفعل، فماذا أفعل الآن؟ ماذا يجب أن أفعل؟’
أصبح ذهني فارغًا، ولم أستطع التركيز.
بينما كنتُ أعـضّ شفتيّ و أنا أنظر حولي بقلق، تحرّكت السّيدة مارتشي بهدوء و مـدّت لي مرآة صغيرة من على الطاولة. كانت تريد مني رؤية مظهري الحاليّ.
أخذتُ المرآة بتردّد…
“…ما هـذا؟”
هل أنا… أكبر قليلاً؟ كان التغيير طفيفًا، لكنّه ملحوظ.
‘…هل أصبحت زوايا عينيّ أكثر نعومة؟’
نظرتُ إلى نفسي في المرآة بعيونٍ مرتجفة، و مرّرتُ يدي على وجهي. كنتُ أنا، لكنّني شعرتُ وكأنّني لستُ أنا. ما هذا الشعور؟
“ماريان.”
ارتجفتُ من صوت كايدن الخافت و نظرتُ إليه بحذر. لكن نظرته…
التعليقات لهذا الفصل " 123"