عندما حملت ماريان بطفلها الأول، كان لدى كايدن حلمٌ واحد.
حلـم أن يُرزق بابنـةٍ تشبهـه و تشبه ماريان بنسبة متساوية.
كان يعلم أنّـه بما أنّه الطّفل الأول، لا ينبغي له أن يهتمّ بالجنس، و بالطّبع كان سيفرح بابـن أيضًا. لكن، كأيّ رجـلٍ على وشكِ أن يصبح أبًـا، كان لديه حلم رومانسيّ بامتلاك ابنـة!
“سيكون ولـدًا.”
تدخّل الدّوق الأكبر السّابق ليوبولد و هو يمـرّ. حاولَ كايدن الاعتراض بخفّة، قائلًا أنّـه ربّما هناك فرصة، لكن…
“كلّ أبناء عائلتنا كانوا أولادًا! توقّـف عن أحلام اليقظة و اذهب لجلـبِ شيء لذيذ لماريان!”
تلقّى توبيخًا بأن يتخلّى عن أحلامه الواهية مبكرًا.
لكن كايدن ظـلّ مصّـرًا، فكان يتردّد إلى الكنيسة. تمنّـى ابنـة. بالطّبـع، كان سيتقبّـل الابـن أيضًـا، لكن إن أمكن، تمنّـى أن تكون الابنـة هي أوّل مولود.
****
“وااااه!”
“تهانينا، الدّوق الأكبر! إنّـه ولـد!”
كان سعيدًا.
عندما حمـلَ طفله الأول، الذي يشبهـه تمامًا، شعـرَ بمشاعر جيّاشة. شعـرَ بالأسف تجاه ماريان التي عانـت، و فـاض حبّـه لها أكثر.
لكن في زاوية من قلبـه، كان هناك أثر خفيف، بحجم ذرّة غبار، من الخيبـة… لكن على أيّ حال، كان كايدن سعيدًا و كأنّه يمتلك العالم بأسره.
و بعد فترةٍ وجيزة، عندما خطّط هو و ماريان للطفل الثاني، ذهـبَ إلى الكنيسة بقلبٍ أكثر شغفًا و تمنّـى:
‘شكـرًا على إيفان، الطّفل الأول، لكن الآن أريد ابنـة. سيكون رائعًـا أن يكون لدينا ولـد و بنـت.’
ربّما كانت أمنيتـه متعجرفة قليلاً.
إذن ، هل كان هذا هو السّبب؟
****
“وااااه!”
“تهانينا! إنّـه ولـد!”
مرّةً أخرى، حمـلَ طفلًا يشبهه تمامًا. شعـرَ بانفعال جيّاش و سعادة حقيقيّـة.
… بالتّأكيد كان سعيدًا… لكن ذرتـيّ غبار من الخيبـة بدأتا تتراكمـان…
“يبدو مثل كايدن تمامًـا. ههه!”
“وااااه!”
في لحظة شعـرَ فيها بأمل واهٍ، أيقظـه صوت ماريان المشرق و بكـاء الطفل.
“لقد عانيتِ كثيرًا، ماريان. كان ذلكَ صعبًا، أليس كذلك؟”
“و مع ذلك، أنا سعيـدة.”
“وأنا أيضًا… سعيـد جدًّا.”
كانت ماريان مبلّلـة بالعرق و تبدو منهكة بعد الولادة، لكنّها كانت تبتسم بسعادة. ابتسمَ كايدن لها بحنان، شعـرَ بالأسف عليها.
في الواقع، عندما خطّطـا للأطفال أول مرّة، اتّفقا على إنجاب ثلاثة.
لكن بعد رؤية ماريان تعاني أثناء ولادة الطفل الأول، غيّـرَ كايدن رأيـه.
عندما بدأت آلام المخاض و سمـعَ صراخ ماريان من شدّة الألم، شعـرَ بقلبه و هو يتمزّق.
لذلك، بعد أن تعافت ماريان، اقترح بحذر أنّ طفلًا واحدًا قد يكون كافيًا. لكن ماريان تمتمت بوجه حزين:
“لكن الثّـاني قد يكون طفلة…”
ذابَ قلبه تمامًا عند هذا الكلام. لكن الطّفل الثاني كان ولـدًا أيضًا، فاستسلم نوعًـا ما.
‘يبدو أنّ عائلتنا لا تُرزق بالفتيات… الإحصائيات تقول ذلك.’
بقلب مثقل، اقترح بثقة أقوى أنّ طفلين قد يكونا كافيين.
“لكن المثل يقول أنّ الفرصة الثالثة ثابتة، ربّما يكون المولود الأصغر ابنـة…”
ارتجف كايدن عند رؤية عيني ماريان المتلألئتين تنظران إليه بحزن. لكنّه قـرّر أن يتماسك.
“كنتِ تعانين كثيرًا. لا أستطيع تحمّل رؤيتكِ بهذا الشّكل مرّةً أخرى.”
“لكن… أردتُ أن أرتدي فستانًا متطابقًا مع ابنتي، و أضع زينة شعر متطابقة، و ألعب لعبة الأميرات…”
ماريان و ابنتها تلعبان لعبة الأميرات؟
تخيّـلَ كايدن ماريان ترتدي فستانًا رقيقًا و تتجوّل في الحديقة مع ابنتهما. فارتجف فمه دونَ وعي.
مثلما كان لديه حلم رومانسيّ بامتلاك ابنـة، كان لدى ماريان حلم مشابه.
لكن… عندما تذكّـر صوت ماريان و هي تعاني أثناء المخاض، هـزّ رأسه بقلب ينزف و حاول تهدئتها:
“…سأشتري لكِ فساتين جميلة و زينة شعر.”
صمتت ماريان للحظة، ثمّ أجابت بابتسامة متكلّفة:
“لا بأس. على أيّ حال، أنا أرتدي فساتين جديدة في المناسبات مثل يوم تأسيس الإمبراطورية أو عيد ميلاد الإمبراطور…”
“ماريان…”
“لا ينبغي إنجاب طفل إذا لم يريده أحد الزوجين. في الواقع، لم تكن تريد الثّاني…”
“ذلكَ ليس صحيحًا، ماريان.”
قاطعها كايدن بسرعة قبل أن تسيء الفهم:
“كيف لا أريد ثمرة حبّنـا؟ كنتِ تبدين متعبـة جدًا، هذا كلّ ما في الأمر.”
“…حقًّـا؟”
“نعم. لم أتخيّـل أبدًا أن أراكِ تعانين هكذا. شعرتُ بالذنب و كأنّني السبب.”
“لم يكـن خطأكَ، كايدن. تعلم أنّ هذا طبيعيّ. بالطبع كان صعبًا، لكن…”
تردّدت ماريان، ثمّ تمتمت بصوتٍ خافت:
“…حتّى لو كان أمرًا صعبًا، أريد رؤية طفلنا.”
تدفّقت أجواء ورديّة حولهما. نظرا إلى بعضهما بعيون متلألئة، و اقتربَ وجهيهما__
****
مـرّ الوقت…
و ها هو يوم ولادة الطّفـل الأصغر.
كان كايدن يتجوّل أمام غرفة ماريان بوجـهٍ قلق. من داخل الغرفة، كان يسمع صوت ماريان وهي تعـضّ على أسنانها و تصرخ.
طمأنته القابلة بأنّ ماريان أقوى بكثير من معظم الأمهات، لكن…
“آآه!”
لم يستطع إلا أن يقلق عند سماع صراخها.
سيّدة سيف تعاني هكذا!
كان يشعر بالجنون بينما يعبث بشعره، عندما قال الدّوق الأكبر السابق، الذي كان يقف معه في الرواق:
“سيكون ولـدًا هذه المرّة أيضًا.”
ردّ كايدن بنظرة حادّة:
“جنس الطّفل ليس المشكلة الآن.”
“حقًا؟”
“……”
صمـتَ كايدن للحظة.
الجنس… لم يكن غير مهـمّ تمامًا.
عندما فكّر في ذلك، شعرَ بجسده المتوتّر يرتخي قليلاً.
بدأ الدّوق الأكبر السّابق يتحدّث دونَ أن يُسأل:
“لم يكن لـديّ أخوات، و لا لم يمتلك لا أبي و لا جدّي أخوات. أنا أنجبتُ باستيان فقط، و باستيان أنجبكَ أنـتَ فقط.”
سماع الحقائق المعروفة جعله يهدأ قليلاً. ربّما تعمّـد جـدّه إلى الحديث لتهدئة حفيده القلق.
تنفّس كايدن ببطء:
“ها…”
“تماسك. الطفل سيأتي قريبًا.”
“نعم.”
ما إن انتهى كلامه حتّى…
“واااااه!”
دوّى بكاء طفل قويّ. كان أعلى من بكاء الطفلين الأول و الثاني. هـرعَ كايدن لفتح الباب و دخل.
رأى ماريان مستلقية على السّرير الكبيرو هي تبدو منهكة. كانت الخادمات يعتنين بها، و السيّدة مارتشي تلـفّ الطفل الرضيع بقماط.
لاحظت السيدة مارتشي نظرته، و قالت بصوت مبتهج:
“تهانينا، أيّها الدّوق الأكبر.”
توقّفت للحظة، ثمّ أضافت:
“إنّهـا ابنـة!”
قالت شيئًا لا يُصدّق.
توقّفت أنفاس كايدن.
“ابنـة؟!”
اندفع الدّوق الأكبر السّابق، الذي دخـلَ بعده، و دفـعَ كايدن و صاح . كان يبدو كمَـنْ يواجه شيئًا مستحيلًا.
عندما أومأت السيّدة مارتشي مبتسمة، ارتجف الدّوق الأكبر السّابق.
“حفيـدتي… حفيـدتي! ابنـة في عائلة فالتشتاين!”
صـاح بفرح و اندفع خارجًا إلى الرواق، و هو يصيح:
“يا أجدادي! يجبُ أن أذهب إلى شاهًد القبر، لا، أولاً سأذهب إلى الكنيسة لتقديم الشكر!”
و ابتعد صوته تدريجيًا.
مع خروج الدّوق الأكبر السّابق، هدأت الغرفة قليلاً. اقتربَ كايدن من السرير ببطء.
انحنت الخادمات، اللواتي أنهين تنظيف المكان، و انسحبن.
سلّمته السيدة مارتشي الطفلة الملفوفة بحذر. مـدّ يديه المرتجفتين و حملها.
“…شعر أحمر…”
حـدّقَ في شعرها الأحمر الذي لفت انتباهه أولاً، ثمّ تفحّص عينيها المغلقتين، و أنفها البارز، و شفتيها الصغيرتين المتحرّكتين.
تمتمَ كايدن بصوتٍ مرتجف:
“ماريان… إنّها تشبهـكِ تمامًا.”
ضحكت ماريان بتعب:
“ألم أقـل لكَ؟ الثالثة ثابتـة.”
“نعم…”
“…كايدن؟ هل أنـتَ تبكي؟”
“إنّها… جميلـة جدًا.”
“كنـتَ تتمنّـى ابنـة بشدّة. ههه!”
شعرَ كايدن ببعض الإحراج، فمسح دمعة نزلت بسرعة.
كانت ولادة الطفلين الأول و الثاني مؤثّرة بالطبع، لكن هذا الحلم الذي تحقّـقَ بعد خمسة أجيال في عائلة فالتشتاين بدا كمعجزة.
“شكرًا لكِ . لقد عانيتِ كثيرًا.”
“هيّا، توقّفتَ عن البكاء بالفعل.”
بدت ماريان محبطة لأنّ دموعه توقّفت بسرعة.
ضحكَ بخفّة و جلسَ بالقرب من السرير.
“كيف حال جسـدكِ؟”
“أنا بخيـر.”
“لا تبدين بخيـر.”
“سأتعافى بسرعة.”
“…شكرًا. أنا أحبّـكِ.”
اتّسعت عينا ماريان، ثمّ أغمضتهما بنعومة.
“و أنا أحبّـكَ.”
“وااه!”
مع صوت الطفلة الحازم، تقاطعت أنظارهما.
“…هل تقول إنّها تحبّنـا أيضًا؟”
“يبدو كذلك.”
انفجر كايدن و ماريان بالضّحك. ابتسمت السّيدة مارتشي بارتياح لهذا المشهد العائليّ.
وسطَ ضحكات الوالدين السّعيدين، غطّـت الطّفلة بيني في نومٍ هادئ.
التعليقات لهذا الفصل " 122"