مـرّ أسبوعان منذ أن فقـدَ كايدن ذاكرته. بالنّسبة لي، بدت هذه الفترة و كأنها أبديّة.
لمـاذا؟
‘الأطفال يثيرون المشاكل يومًا بعد يوم، والعمل يتدفّق بلا توقّف، و كايدن يتدخّل بطريقةٍ غريبة في كلّ صغيرة وكبيرة…’
وعلاوةً على ذلك، غدًا هو اليوم الذي حدّده لوكاس لإخبار أفراد كبار العائلة بحالة كايدن.
كان هذا عبئًـا ثقيلًا بحدّ ذاته.
لم أكن منهكة جسديًا فقط، بل كنتُ مرهقة ذهنيًا أيضًا.
“ماريان، هل اليوم هو يوم مراجعة تدريب الفرسان؟”
سألني كايدن دونَ أن يدرك حالتي. نظرتُ إليه بوجه متعب.
“نعم… هل سترافقني اليوم أيضًا؟”
“أجل. لماذا، هل هذا يزعجكِ؟”
“…لا، هيّـا بنـا.”
اليوم أيضًا، ظـلّ كايدن ملتصقًا بي، لا يفارقني خطوة.
سأكون صريحة: لقد كان مزعجًا جدًّا مؤخرًا.
من الصّباح إلى الغداء، ثمّ العشاء، وحتّى قبل النوم مباشرةً، كان يتبعني باستمرار. وفوق ذلك…
“سيّدة ماريان! هل يمكنكِ مساعدتي مرّة واحدة فقط…”
“أنا مَنٔ سيفعل ذلك.”
“أ، أنا، أردتُ أن أتعلم من مهارة السّيدة ماريان الدقيقة في السيف…”
“هل تقول إنّني لستُ دقيقًا؟”
“لا، ليس هذا ما قصدته، الدّوق الأكبر!”
هكذا… كلّما اقتربَ مني أحد الفرسان ليطلب مني مراجعة تدريبهم، كان كايدن يظهر كالبرق، ويأخذهم بعيدًا قبل أن أتمكّن من قول كلمة.
في البداية، ظننتُ أنّه يحاول مساعدتي بطريقته.
“السّيدة ماريان، أنا…”
عندما حاولَ فارس شاب، كان يتبعني كثيرًا، الاقتراب مني، صرخَ كايدن بنظرةٍ مشتعلة:
“كلّ الفرسان، إذا كان لديكم أيّ سؤال أو صعوبة أثناء التدريب، تعالوا إليّ مباشرة! سأشرح لكم كلّ شيء بالتفصيل!”
كيف يمكن لأحد أن يتجاهل إعلانًا مدويًا من سيد سيف، مشحون بالهالة؟
منذُ أيام، وقفتُ متشابكة الذراعين أراقب إلى أيّ مدى سيذهب كايدن. ثمّ أدركتُ بيقين:
‘إنّه لا يطيق رؤيتي أتحدّث مع أيّ شخصٍ آخـر.’
عبستُ قليلاً.
و حتّى قبل ثلاثة أيام، كنتُ أحاول إقناع نفسي أنّني أتوهّم، و أنّ الأمر ليس كذلك.
لكن عندما فكّرتُ بهدوء، لم أستطع إلا أن ألاحظ:
‘مؤخرًا، الأشخاص الوحيدون الذين تحدّثتُ إليهم كانوا إمّا نساء أو دورانتي. لم أتحدّث تقريبًا إلى أيّ رجل.’
حتّى مع دورانتي، كان الحديث يقتصر على مناقشة تقدّم بحثـه بشأنِ ذاكرة كايدن. أمّا المحادثات الشخصيّة الأخرى، فقد قطعهـا كايدن كلّها.
غـدًا، يجب أن نخبر كبار العائلة بحالته. لكن لا يمكنني إخبارهم بهذا الوضع. قرّرتُ اتّخاذ إجراء قبل فوات الأوان.
“الدّوق الأكبر.”
ناديته بهدوء. التفتَ كايدن، الذي كان يراجع تدريب الفرسان، على الفور، بأذنيه الحادّتين لكونه سيد سيف.
“ما الأمر، ماريان؟”
اقتربَ منّي في لحظة. نظرتُ إليه مباشرةً و قلتُ:
“لنتحدّث قليلاً.”
“الآن؟”
“نعم، تعالَ معي.”
“…حسنًا.”
غادرنا ساحة التدريب، تاركين الفرسان يحدّقون بنا بدهشة.
توجّهنا إلى مكتبـه دون أن نتبادل كلمة واحدة. بدا أنّه شعرَ بالجوّ الجاد، فتبعني بهدوء.
“آه، سيّدي، سيّدتي، هل عـدتما مبكرًا؟”
عندما وصلنا إلى مكتب كايدن، رحّب بنا الخادم بعيونٍ متسعة. كان وجهه شاحبًا من الإرهاق، نتيجة تكديس كايدن للعديد من المهام عليه.
قلتُ للخادم المسكين:
“لا حاجة للضيافة. لا تـدع أحدًا يدخل لبعض الوقت.”
“حسنًا، تفضّلا بالحديث براحتكما.”
بدا الخادم مرتبكًا قليلاً، لكنّه فتحَ الباب بحركة لطيفة.
طقطقة.
“ماريان.”
ما إن أغلق الباب حتّى تحدّث كايدن. التفتُّ إليه.
“ما الذي يجري؟”
لقد عرفتُ هذا الرجل لأكثر من نصف حياتي. كان كايدن يتظاهر بعدم الاكتراث، لكنّني لاحظتُ تردّده الطفيف.
تحدّثتُ ببطء:
“في البداية، حاولتُ أن أفهمكَ.”
“…ماذا؟”
“كلّ مَـنْ حولك تغيّـر، و أنـا الوحيدة التي بقيت كما هي، لذا كنتَ تعتمـد عليّ أكثر. كنـتَ تتبعني لأنّـكَ قلق لذا يجبُ أن أكون أفضل. هكذا كنتُ أفكّـر.”
نظرَ إليّ كايدن بهدوء.
“لكن مع مرور الوقت، شعرتُ أنّ هناك شيئًا غريبًا.”
“……”
“لماذا تتدخّـل كلّما حاولتُ إجراء محادثة مع أحد؟”
“أنا…”
تردّد كايدن، و هو أمر نادر، و بدا مرتبكًا.
قلتُ بنبرةٍ هادئة:
“أعرف أنّكَ تمـرّ بوقتٍ صعب، لذا لم أقل شيئًا، لكنّني أيضًا مرهقة هذه الأيام.”
“هل تقولين إنّني أرهقـكِ؟”
تغيّرت نظرته إلى حـدّة. عبستُ قليلاً.
‘إذن، ألستَ كذلك؟’
كـدتُ أقولها، لكنّني كبحتُ الكلمات بصعوبة. إنّه شخص مريض، لذا يجب أن أتحلّى بالصبر و المثابرة.
“فكّـر في تصرفاتكَ مؤخرًا. ماذا تريد مني؟ دعنا نتحدّث.”
“……”
عبسَ كايدن و تجنّب نظراتي للحظة، ثمّ تحدّث:
“مَـنْ هو ذلكَ الرجل؟”
“أيّ رجل؟”
“الرّجل ذو الشعر الأسود الطويل والعينين الحمراوين.”
آه، تذكّرتُ أنّني وعدتُ بإخباره عن هويّة ملك الشياطين لكنّني نسيت.
كنتُ مشغولة جدًا، ولم أستطع ذكر هويّته أمام الخدم، فتأجّـل الأمر بشكلٍ طبيعيّ.
لكن لماذا يسأل عن ملك الشياطين فجأة؟ شعرتُ بالحيرة، لكنّني شرحتُ له:
“إنّه والـدي.”
“ماذا؟”
عبسَ كايدن و مـال برأسه.
“ما هذا الهراء؟ يبدو في مثل سنّنا، هل تمزحين معي؟”
شعرتُ بنبرة غضبٍ خفيفة في صوته. تنهّدتُ و قلتُ:
“لقد ذكرتُ هذا من قبل بشكلٍ عابر، قد يكون من الصّعب فهمـه، لكنّه ملك الشياطين. إنّه ليس إنسانًا عاديًا. ستفهم عندما تعود ذاكرتكَ…”
قاطعني كايدن:
“كفى، ماريان. قرأتُ في الصّحف أنّ الكوارث و حرب الوحوش كانت من تدبير رئيس السّحرة السابق فيليس، و ليس ملك الشياطين. كتبوا أنّ فيليس ادّعى أنّه ملك الشياطين، لكن لا يوجد شيء اسمه ملك الشياطين في هذا العالم.”
نظـرَ إليّ مباشرةً و حذّرني:
“لا تحاولي خداعي أكثر.”
فقدتُ كلماتي للحظة. لأنّ الصحف كتبت ذلك فعلاً.
في ذلكَ الوقت، كايدن الذي كان يملك ذاكرته جعل كلّ الأحداث المتعلّقة بظهور ملك الشياطين تُنسب إلى فيليس و وزّع ذلكَ على الصحف. لقد محـا أمر ملك الشّياطين عمدًا.
وأنا مَـنْ أعطيتُ تلكَ الصحف الممزوجة بالحقيقة و الكذب لكايدن بعد أن فقـدَ ذاكرته.
وضعتُ يدي على جبهتي بينما أشعر بالصداع.
“أنـتَ تعرف أفضل من أيّ أحد أنّ الصحف لا تحتوي دائمًا على الحقيقة فقط.”
“أعرف ذلكَ جيدًا. لكن هل تتوقّعين مني أن أصدّق أنّ ذلكَ الرجل هو ملك الشياطين، وهو حتّى يكون والدكِ؟ أيّهما يبدو أكثر هـراءً؟”
كان لكلامه وجهة نظر. لكن بالنّسبة لي، كنتُ أقول الحقيقة فقط، فشعرتُ بالحيرة.
“بما أنّـكَ فقدتَ ذاكرتكَ، قد لا تصدّقني، لكن…”
“و ماذا لو لم أستعـد ذاكرتي أبدًا؟”
اتّسعت عيناي و نظرتُ إليه. قال كايدن بعينين زرقاوتين حادّتين:
“قد يتعيّن عليـكِ العيش معي كما أنـا الآن. هل ستظلّين تبحثين عن ‘ذاتي’ المستقبليّة؟”
“……”
لم أستطع فتح فمي للردّ. كان وكأنّه يصرخ في وجهي لأواجه الحقيقة التي كنتُ أتجنّبها.
‘ماذا لو لم يستعـد كايدن ذاكرته أبدًا؟’
…شعرتُ بالخوف.
لم أستطع تحديد ما الذي يخيفني بالضّبط، لكنّ هذا الشعور اجتاحني.
رغمَ هذا ، لم أستطع قول ذلك لكايدن الحاليّ.
إنّه بالفعل في حالة حسّاسة بسببِ فقدان ذاكرته. لو قلتُ له إنّني خائفة أيضًا…
فجأة، قال كايدن شيئًا غريبًا:
“أخرجي ذلكَ الرجل.”
“ماذا؟”
“أخرجي ذلكَ الرجل من قصر الدوق. و اتركي أيضًا عملكِ مع فرقة الفرسان.”
“الدّوق الأكبر؟ ماذا تعني؟”
لم أفهـم، فسألتـه، فقال بصوتٍ ثابت:
“لا أطيق رؤيتـكِ تنظرين إلى رجالٍ آخرين ولو للحظة.”
“مـاذا؟”
ضيّقتُ عينيّ.
كان الموقف يبدو جديًا، لكنّني شعرتُ وكأنّ شيئًا تحطّـم بداخلي. استمرّ كايدن في الجديّة:
“انظري إلـيّ و إلى الأطفال فقط. هذا كلّ ما عليكِ فعلـه.”
التعليقات لهذا الفصل " 119"