استدعاني لوكاس على انفراد قبل أن يصعد إلى العربة المتّجهة إلى القصر الإمبراطوري. كنتُ أنا و كايدن وعدد كبير من خدم عائلة الدوق الأكبر نقف عند المدخل لتوديعه.
شعرتُ بأنظار الناس بينما كنتُ أقترب من لوكاس.
“نعم، جلالتك؟”
“قلتُ لكِ أن تناديني بسهولة.”
بـدت على وجه لوكاس نظرة استياء. ضحكتُ بخفّة.
“هناك الكثير من الأعين التي تراقب. بالمناسبة، ألم يكن لديكَ الكثير لتناقشه مع الدوق الأكبر؟ هل هذا مناسب؟”
على الرّغمِ من أنّ لوكاس تباهى كثيرًا بابنه، لا بدّ أنّ هناك أمورًا أخرى كان يريد مناقشتها.
لقد عمـلَ الاثنان معًا منذُ أن دُمّرت الإمبراطورية و حتّى الآن، أي ما يقرب من عشر سنوات، من أجل إعادة البناء و التطوير. و بفضلهما، كانت الإمبراطورية تعيش عصرًا ذهبيًا مبهرًا.
لا أعرف بالضّبط، لكنّ رابطة كايدن و لوكاس ربّما تكون أعمق ممّا أعرفه.
هـزّ لوكاس كتفيـه.
“لقد عملنا كثيرًا طوالَ هذه الفترة، لذا سأعتبرها استراحة. بالمناسبة، ماريان.”
“نعم؟”
أشارَ إلي لوكاس بيده لأقترب، فقمت بتقريب أذني. غطّى فمه بيده و همس في أذني:
“الدّوق رجل يغـار كثيرًا.”
فتحتُ عينيّ على وسعهما من هذا الكلام المفاجئ.
“ماذا؟ الدّوق الأكبر لا يغـار!”
“يبدو أنّه كان يخفي ذلكَ جيّدًا. لكن من الأفضل أن تكوني حذرة الآن.”
نظرتُ بحيرة بينه و بين كايدن الذي كان يقف على بُعـد. لسببٍ ما، بدت نظرة كايدن غير عاديّة.
‘إنّه سيّـد سيف قويّ، بالتّأكيد سمـعَ كلّ شيء…!’
شعرتُ بالعرق البارد يتصبّب. ضحكتُ بصوت عالٍ و قلـتُ:
“هههه! يا لها من مزحة ممتعة! جلالتكَ لديكَ حسّ فكاهيّ رائع! ههه!”
تمتمَ لوكاس بسرعة:
“همم، كلّما تحدّثتِ، تصبح نظرة الدوق أكثر شراسة. على أيّ حال، لقد أخبرتكِ، سأذهب الآن.”
قبّـل لوكاس ظهر يدي كعادته، ثمّ صعـدَ إلى العربة. فتحَ النافذة و لـوّح لي. قلتُ بسرعة وأنا أخاطب العربة التي بدأت تتحرّك:
“في المرّة القادمة، أخبرنا قبل أن تأتي!”
“حسنًا.”
ابتسمَ و هو يبتعد. كنتُ متأكّدة أنّه سيأتي متى شاء كما يحلو له… شعرتُ و كأنّ عاصفة قد مـرّت.
“حسنًا، شكرًا للجميع على جهودهم! ليعُـد كلّ واحد إلى أعماله!”
صِحتُ بصوتٍ عالٍ للخدم الذين كانوا موجودين، ثمّ اقتربتُ من كايدن. لكنّ تعبيره لم يكن جيّدًا.
“الدّوق الأكبر…؟”
ناديته بحذر، لكنّه اكتفى بالتّحديق بي.
يبدو أنّه سمـعَ ما قاله لوكاس و شعرَ بالانزعاج. إنّه شخص مميّـز بالنّسبة لي و لا يحتاج إلى الغيرة، فكيف له أن يشعر بالرضا بعد سماع مثل هذا الكلام؟
“…بدوتما مقرّبين جدًا. هل تنادينـه باسمه عندما لا يكون هناك أحد؟”
“آه، عندما كان أميرًا، درّبتـه على المبارزة بالسّيف لفترة قصيرة. كنتُ أناديه آنذاك ‘السيد لوكاس’. لكن الآن، فعل ذلك سيكون كارثة.”
بدت على وجه كايدن دهشة خفيفة لهذا الكلام غير المتوقّع.
“درّبتِـه كيفية المبارزة السيف؟”
في تلكَ اللحظة، ناداني أحد الخدم من بعيد:
“السّيدة ماريون! الآنسة بيني…”
يبدو أنّ بيني تتصرّف بعناد مرّة أخرى. لقد أوصيتُ الخدم أن ينادونني عندما يجدون صعوبة في التعامل معها.
“الدّوق الأكبر، سأذهب أولاً!”
ركضتُ بسرعة. سمعتُ كايدن يتمتم بشيء من الخلف، لكنّني لم أسمعه جيدًا وأنا أتحدّث مع الخادم.
****
تمتمَ كايدن، الذي تُرك وحيدًا:
“…كانت غيرة.”
****
حتّى مع فقدان كايدن لذاكرته، كان عليه أن يتعامل مع الجدول اليوميّ كعجلة تدور بلا توقّف.
عندما كان في السابعة و العشرين، كان دوقًـا أكبر أيضًا، لذا كان قادرًا على أداء مهامه الحاليّة بسهولة، لكن بسببِ فجوة التسع سنوات، كان عليّ اتّخاذ العديد من القرارات نيابة عنه.
هذا يعني أنّني أصبحتُ أكثر انشغالًا. و فوق ذلك…
“الدّوق الأكبر…”
“ما الأمر؟”
“…أليس لديك عمل؟”
“أنهيتُ الأمور العاجلة هذا الصباح.”
‘في مكتبي.’
واصلَ الحديث:
“أوكلتُ الباقي إلى الأخ الأصغر لفيتو، فيلت. إنّه يعمل جيدًا. أخبرتُ الخادم أن يساعده أيضًا.”
كان كايدن جالسًا على أريكة مكتبي يقرأ الصحيفة.
‘حسنًا… قراءة الصّحف القديمة مهمّة أيضًا. أمر مهمّ، لكن…’
ابتسمتُ بصعوبة و قلـتُ:
“ألا توجد لحظات قد يحتاجون فيها إلى ختمكَ الرسميّ؟”
“قلتُ لهم أن يحضروا الأوراق إلى غرفتي ليلًا.”
“ماذا؟ ألن تكون متعبًـا؟ ألا تنـام؟”
“أنـام جيدًا.”
عندما يتحدّث هكذا، لا أجد ما أقوله…
“همم، حسنًا. لكن ماذا عن قراءة الصحيفة في مكتبكَ؟”
حاولتُ تلطيف نبرتي و تحدّثتُ بسرعة، فنظر إليّ رافعًا حاجبًا:
“لماذا؟ هل وجودي بجانبكِ يزعجكِ؟”
“ههه، لا، بالطبع لا.”
نظرتُ إلى الأوراق بسرعة.
‘لماذا يتصرّف هكذا؟’
لثلاثة أيام، كان يتجوّل حولي و يحاول البقاء بجانبي طوالَ اليوم.
فلأشرح روتين يومنا:
في الصّباح، يشعر كايدن بي عندما أستيقظ، يطرق باب غرفتي المجاورة، و يأتي لتناول الإفطار معي. بعد الإفطار، يأتي إلى مكتبي للعمل الصباحيّ.
نتناول الغداء مع الأطفال، ثمّ يعود إلى مكتبي في الظهيرة ليقرأ الصحيفة. في الأيام التي تتضمّن تدريب الفرسان، يتبعني إلى ساحة التّدريب.
نتناول العشاء مع الأطفال، نقضي وقتًا معًا، ثمّ يذهب كلّ منّـا إلى فراشه.
غرفتي و غرفته يفصل بينهما جدار واحد، لكن بالنّسبة لنا بصفتنا سـادة سيف، هذا لا يعني شيئًا.
‘بمعنى آخر، أشعر و كأنّنا معًـا 24 ساعة يوميًا…’
لا أعرف إن كان يفعل ذلكَ بسبب القلق من فقدان ذاكرته، لكن بصراحة…
‘إنّه مزعج بعض الشّيء.’
على مـرّ السنين، كنا نقوم بأعمالنا كلّ في مكانه، و نتشارك الوقت فقط خلال الوجبات أو عند النوم.
حتّى في أيام زواجنا الأولى، كنّـا نرغب في قضاء اليوم كلّه معًا، لكن البقاء معًا أثناء العمل يسبّب إزعاجًا أكثر ممّا كنتُ أتوقّع.
أنا مشغولة أصلًا، و الآن تضاف تصرفات كايدن الغريبة إلى ذلك.
قبل يومين، التقيتُ بفارس الحراسة السابق الخاص بي بيديل، و لم نكمل حديثنا حتّى، لأنّ كايدن أصـرّ على المغادرة بسرعة بحجج واهية.
كذلك، عندما التقيتُ بدورانتي أو ملك الشياطين، كان يتدخّل في منتصف الحديث أو يقترح الذهاب إلى مكانٍ ما، وهي تصرفات لا تشبهه.
نظرتُ إليه خلسة.
كان كايدن يقلب الصحيفة بجديّة.
لم تظهر أيّ علامة على عودة ذاكرته. بحث دورانتي لم يحـرز تقدّمًا.
ربّما يزداد قلقي مع مرور الوقت.
‘هل هو يعتمد عليّ دونَ وعي بسبب قلقه؟’
شعرتُ ببعض الذنب عند هذه الفكرة.
‘لا يجب أن أشعر بالإزعاج، بل أن أكون أكثر لطفًا معه.’
****
فكّـر كايدن وهو يقلب الصحيفة:
‘هناك الكثير من الرّجال حول ماريان.’
كما يعرف كايدن، كانت ماريان تحـبّ الرجال الوسيمين، و ربّما لهذا السبب، كان هناك العديد من الرجال الجذّابين حولها.
‘الرجل المريب ذو الشعر الأسود و العينين الحمراوين، الإمبراطور لوكاس، ذلكَ المدعو بيديل الذي كان حارسها سابقًا، و حتّى الشباب في فرقة الفرسان الذين يتبعون ماريان…’
كان كايدن يشعر بالغيرة كلّما رأى ماريان تتحدّث معهم بأريحيّة. و في اللّحظة التي أدركَ فيها هذا الشعور بوضوح، فهـمَ الأمر.
‘أنا أحـبّ ماريان كثيرًا.’
في البداية، تساءل كيف انتهى بهما الأمر بالزواج، لكن حتّى بعد فقدان ذاكرته، أدركَ أنّه يحبّها أكثر ممّا كان يعتقد.
كلّما رأى ماريان تتحدّث مع رجل آخر، كانت تتسلّل إليه أفكار مظلمة:
‘أريد أن أحتفظ بماريان لنفسي و أخفيها لكي لا يتمكّن أحد غيري من رؤيتها.’
كانت هذه المرّة الأولى التي يشعر فيها بمثل هذه الأفكار الهمجيّة تجاهَ شخصٍ ما، فلم يعـد ينام جيدًا لانه كان يعاني من الذنب.
‘هل أنا أسوأ من الوحش؟ كيف يمكن لإنسان أن يفكّر هكذا؟’
لكنّه لا يزال يكره رؤية ماريان مع رجال آخرين. قالت إنّ مظهره هو ذوقها الآن، لكن مَنٔ يدري متى قد يتغيّر ذلك؟ ذوق ماريان الأصليّ كان الأسخاص الوسيمين الذين يمتلكون شعرً فاتح اللّون.
بعد تفكير عميق، توصّل كايدن إلى حلّ:
‘سأذهب أينما ذهبت ماريان.’
خاصّة في كلّ لحظة تلتقي فيها برجل، كان مصمّمًا على أن يكون موجودًا بطريقةٍ أو بأخرى.
لو علمت ماريان بما يدور في ذهنه، لكانت قد صُدمت، لكنّه احتفظَ بذلك لنفسه بحكمة.
نظرَ كايدن إلى ماريان من وراء الصحيفة. كانت جالسة على مكتبها، تنظر إلى الأوراق و هي تعـضّ شفتيها قليلاً، عـادةٌ كانت تظهر منذُ صغرها عندما تركّز.
كانت أشعة الشمس التي تدخل من النافذة تضيء شعرها الأحمر بلونٍ ذهبيّ. و ذرات الغبار العائمة تلمع حولها.
قلم الريشة الذي تمسك به، المكتب الذي تجلس عليه، الساعة التي تصدر صوتًا خافتًا.
التعليقات لهذا الفصل " 118"