نهضتُ من مكاني بسرعة. بما أنّ كايدن فقـدَ ذاكرته، كان عليّ أن أواجه الإمبراطور لوكاس بنفسي.
تحدّثتُ إلى ملك الشياطين بسرعة:
“سأذهب أولاً.”
“حسنًا.”
بينما كنتُ أغادر حديقة الصوبة، سألني الخادم وكايدن في الوقت نفسه:
“هل ستبلغين عن حالة الدوق الأكبر؟”
“لماذا جـاء الإمبراطور دونَ إخطار مسبق؟”
هل من المناسب إخبار لوكاس بأنّ كايدن فقـدَ ذاكرته؟
فكّرتُ للحظة ثمّ اتّخذتُ قراري:
“أعتقد أنّ إخباره سيكون أفضل. الدّوق الأكبر، الإمبراطور الحالي هو الأمير لوكاس…”
“أعرف ذلكَ من الصحف. لكن ما يهمّني هو لماذا يقتحم الإمبراطور المكان دونَ إخطار؟ هل أصبحت عائلة فالتشتاين ضعيفةً لهذه الدرجة؟ لا يبدو الأمر كذلك.”
التفـتُّ إليه بعد سؤاله الحادّ. كان تعبير كايدن متصلبًا تمامًا.
حسنًا، بالنّسبة له، هو الذي نسيَ كلّ الروابط التي بنـاها مع لوكاس، لا بدّ أنّ هذا الموقف مقلق للغاية بصفته سيّـد عائلة فالتشتاين.
شرحتُ له بطريقةٍ يمكنه فهمها:
“نحن على علاقة وديّـة مع الإمبراطور الحالي. لقد هزمنا معًا، الشيطان فيليس الذي كان يتخفّى تحت قناع رئيس السحرة، و جيش الوحوش.”
“…وديّـة؟”
“نعم. كانت معركة حياة أو موت، فنشأت بيننا رابطة الرفاق.”
لم يكن كايدن قد قـرأ كلّ الصحف بعد. و كثيرًا ما كانت الحقيقة تختلف عن محتوى الصحف.
بينما كنتُ أمشي، واصلتُ الشرح بسرعة:
“و مؤخّـرًا، قال إنّه يريد أن يجعل ابنه ليون صديق لعب لبيني.”
“هذا غير ممكن.”
ما إن انتهيتُ من الكلام حتّى رفضَ كايدن الأمر بشكلٍ قاطع. شعرتُ بالدهشة من ردّ فعله الذي كان متطابقًا قبل و بعد فقدان ذاكرته.
“سنفكّر في هذا لاحقًا. هل يمكنني إخبار الإمبراطور بوضعكَ الحالي؟ أعتقد أنّه من الأفضل إخباره.”
“لماذا؟”
“لأنّكَ كنتَ تناقش مع الإمبراطور قضايا و مشاريع مهمّة للإمبراطوريّة. إذا اختفيتَ فجأة أو تصرّفت! بشكلٍ غريب…”
“سيعتقد أنّ هناك شيئًا مريبًا.”
“نعم.”
“حسنًا. أبلغيـه. لكنّني سأواجهه معكِ أيضًا.”
“هل هذا مناسب لك؟ إن شعرتَ بالإزعاج، يمكنني الذّهاب بمفردي.”
“لا. سأذهب معكِ.”
نظـرَ إليّ بنظرةٍ حازمة. شعرتُ ببعض الحيرة لكنّني أومأتُ برأسي.
‘يبدو أنّه فضوليّ بشأنِ لوكاس الذي أصبح إمبراطورًا.’
****
“ماريان، أريد أن أسألكِ شيئًا.”
“آسفة، الدوق الأكبر. أنا مشغولة قليلاً الآن، هل يمكننا الحديث لاحقًا؟”
“…حسنًا.”
لم تكـد ماريان تسمع ردّه حتّى ركضت بعيدًا بسرعة البرق.
بينما كان كايدن يراقب شعرها الأحمر يختفي في نهاية الرواق، حاولَ تهدئة نفسه.
‘لا بدّ أنّها مشغولة… بما أنّني لستُ قادرًا على إدارة شؤون العائلة بشكلٍ طبيعيّ الآن، فإنّ على ماريان الاهتمام بالكثير من الأمور.’
بعد فترةٍ وجيزة، جـاء الخادم يخبره بزيارة الإمبراطور المفاجئة . سألَ عن مكان ماريان، وذهب للبحث عنها على الفور.
كانت ماريان في الحديقة مع ذلك الرجل. رجل وسيم ذو شعر أسود و عيون حمراء.
لم تخبره ماريان بعدُ عن هويّـة الرجل. و حين حاولَ سؤالها مباشرة، قالت إنّها مشغولة و غادرت بسرعة.
‘كانت مشغولة لأنّها كانت تتناول الشاي مع ذلك الرّجل.’
نظـرَ كايدن إلى الرجل بعينين مشتعلتين، لكنّ زيارة الإمبراطور المفاجئة جعلته يفوّت فرصة السؤال مرّة أخرى.
كان يشعر باستمرار أنّ شيئًا ما ليس على ما يرام.
بينما كان يمشي بسرعة مع ماريان، استمع إلى حديثها عن لوكاس.
كان عليه الانتباه لهذا الأمر أيضًا.
فزيارة الإمبراطور دونَ إخطار مسبق، حتّى لو كان هناك ودّ بينهما، كانت وقاحة واضحة.
‘و علاوةً على ذلك، يريد أن يجعل بيني صديق لعب لابنه؟ نواياه واضحة. و لستُ أدري لماذا، لكن…’
لم يكن يريد أن يترك ماريان و لوكاس يلتقيان بمفردهما.
سمـعَ أنّ السنوات مرّت و أنّ لوكاس استقرّ كإمبراطور و أنجب ابنًـا. ومع ذلك، كان هناك شعور مزعج يتحرّك في صدره، شعور يصعب تفسيره.
‘ألم يتزوّج من أميرة البلد المجاور؟’
حاولَ استذكار عنوان صحيفة قرأها بالأمس وهو يعبس.
‘هناك شيء مقلق. يجب أن أقابله.’
***-
“ماذا؟ الدوق فقـدَ ذاكرته؟”
نظرَ الإمبراطور لوكاس إلى كايدن بعينين متفاجئتين. ابتسمت ماريان بإحراج وشرحت الأحداث باختصار:
“نعم. تناول دواء سحريًّا معيبًا صنعته بيني عن طريق الخطأ. لهذا فقـدَ ذكريات تسع سنوات بين عشيّة و ضحاها. الدّوق الأكبر في حالة ارتباك الآن، لذا أرجو تفهّمكَ، جلالتك.”
“هذا مفاجئ حقًا…”
تناول لوكاس الشاي و هو يرمق كايدن. ردّ كايدن بتحيّة خفيفة.
كانوا يستقبلون الإمبراطور في غرفة الاستقبال. نظر كايدن إلى لوكاس بعينين متفحّصتين.
شعـر فضيّ لامع و عيون حمراء. كان من الواضح أنّ لوكاس في الثلاثينات من عمره الآن، لكنّه لم يختلف كثيرًا عن لوكاس في العشرينات الذي عرفه كايدن.
‘بل يبدو أنّه أصبح أكثر لمعانًا.’
شعرَ كايدن بالانزعاج. رؤية ماريان و لوكاس يتحدّثان بأريحيّة جعلته يرغب في فصلهما عن بعضهما بسرعة.
“جلالتك، أرجو ألا تخبر أحدًا عن حالة الدوق الأكبر الآن.”
“بالطبع. لا فائدة من نشر الخبر. إذن، يجب تأجيل المشاريع التي كنتُ أناقشها مع الدوق.”
“سنكون ممتنّين إن فعلتَ ذلك. لكن ما الذي جاء بـكَ؟”
“آه، لا شيء كبير…”
حاولَ لوكاس استدعاء خادم بشكل طبيعيّ، لكنّه أدرك أنّ ماريان أبعدت جميع الخدم، فقام بنفسه و أحضر شيئًا.
“أردتُ أن أريكما صورًا حديثة لابني.”
“آه… حسناً…”
نظرَ كلّ من ماريان و كايدن إلى لوكاس بعيون متجمّدة. بدأ لوكاس يتباهى بصورة طفل في إطار صغير:
“انظروا إليه. ابني يشبهني، عيناه متّقدتان بالفعل. آه، لا أتحدّث عن لون العينين، فقد ورثهما من الإمبراطورة. أتحدّث عن الذّكـاء الذي ينبع من عينيه.”
“واو…”
صفقّت ماريان بتعبيرٍ خـالٍ من الحياة. بينما تظاهر كايدن بالتّركيز على الصورة بوجه خالٍ من التعبير.
كان الطّفل بالفعل أجمل من أقرانه. شعر فضيّ و عينان بنفسجيّتان، مظهر يبشّـر بمستقبل واعد عندما يكبر.
لكن كايدن لم يكن راضيًا.
‘يبدو أنّه متشوّق لربط بيني بوليّ العهد.’
خلال الطريق إلى غرفة الاستقبال، سمعَ من ماريان أنّ السّلطة الإمبراطوريّة أضعف ممّا كانت عليه.
ربّما كان هذا أحد أسباب تصرّف لوكاس، لكنّه بدا أيضًا كـأبٍ فخور يريد التباهي بابنه بصدق.
“ألستما غير مهتمّين أكثر من اللازم؟”
عبسَ لوكاس وهو يرفع حاجبًا ويتذمّر. ردّت ماريان بوجه اجتماعيّ:
“نحن مشغولون جدًا هذه الأيام.”
“حسنًا، هذا صحيح.”
شعرَ لوكاس ببعض الإحراج، فوضع الإطار على الطاولة و سأل كايدن:
“بالمناسبة، هل يعرف الدّوق الأكبر السابق و والدا الدوق عن فقدانكَ لذاكرتكَ؟ وماذا عن الماركيز فرناندي؟”
“……”
“……”
ساد الصمت بين كايدن و ماريان، وكان هذا ردًا كافيًا. قال لوكاس بتعبيرٍ قلق:
“أتفهّم رغبتكما في عدم إقلاق العائلة، لكن من الأفضل إخبارهم. إذا تأخّرتما كثيرًا أو سمعوا الخبر من طرف آخر، قد يشعرون بالاستياء.”
“هل… يجب أن نفعل ذلك؟”
“… لا أعرف.”
لم يتوصّل ماريان و كايدن إلى قرار نهائيّ بشأن هذا الأمر، لأنّهما لا يعلمان متى ستعود ذاكرة كايدن.
نصحهما لوكاس:
“حدّدا مهلة. إذا لم تعـد ذاكرة الدوق بعد أسبوعين، أخبروا العائلة. و أما بالنسبة للعامّة ، فحدّدوا وقتًا أطول.”
“ما رأيكَ، أيّها الدوق الأكبر؟”
شعرَ كايدن أنّ هذا مناسب:
“سنفعل ذلك.”
“و ماذا عن طلب مساعدة ستيلا؟”
“ستيلا…؟”
بدت على وجه كايدن الحيرة عند سؤال لوكاس. أوضحَ لوكاس بسرعة:
“أتحدّث عن القدّيسة. ربّما قوتها المقدّسة يمكن أن تساعد.”
كان كايدن قد قرأ عن ظهور القدّيسة في الصحف، لكنّه لم يتذكّر اسمها تحديدًا.
التعليقات لهذا الفصل " 117"