الفصل الجانبي 13
“جدّي؟ لكن جدّي في الجنوب!”
“صحيح!”
هـزّ ثيو و بيني رأسيهما و أشارا إلى الفراغ في الاتجاه الذي يفترضان أنّه الجنوب. كان الجـدّ الذي عرفاه الأطفال هو باستيان، والـد كايدن.
أكّـد ملك الشياطين:
“هذا صحيح.”
“مـاذا؟”
“ليس الجـدّ؟”
نظرَ ثيو و بيني بين إيفان و ملك الشياطين بحيرة.
ابتلع إيفان لعابه و قال:
“أثبـت ذلك.”
“أثبـت؟”
“أثبـت أنّكَ حقًّـا جـدّنا.”
نظرَ ملك الشياطين إلى إيفان بهدوء بعد طلبه الجريء.
تذكّـر طَ لحظة من الماضي عندما طلب من ماريان إثبات أنها ابنتـه.
“إذا أردتِ إنقاذ حبيبكِ، أحضري دليلاً على أنّـكِ ابنتي إلى قلعة الماركيز فرناندي.”
“انتظر لحظة…!”
“يجب أن تكوني ابنتـي. و إلا، لن يختفي حبيبكِ فحسب، بل جميع البشر أيضًا.”
“أرجوك…!”
عينان مليئتان باليأس، يـد تمتـدّ بحرص، صوت مليء بالتّوسل.
كل شيءٍ كان واضحًا كما لو أنّه حدثَ بالأمس.
تمتم ملك الشياطين بهدوء:
“هكذا يتم ردّ الديّـن.”
تفاجأ إيفان بكلامـه المفاجئ.
“ماذا؟”
نظرَ ملك الشياطين نحو قصر الدّوق.
“يبدو أن ماريان تبحث عنكم.”
“أمي؟”
“أمي؟”
“ماما؟”
استدارت رؤوس الأطفال واحدًا تلوى الآخر. حاولوا رؤية قصر الدّوق خلف الغابة التي جاؤوا منها، لكن الظلام الدامس كان كل ما رأوه.
قال ملك الشياطين:
“من الأفضل أن تعودوا.”
“لكن…”
تردّد إيفان.
“أريد رؤية أمي…”
“بيني أيضًا…”
شعـرَ ثيو و بيني بالحزن فجأةً عند سماع أن ماريان تبحث عنهم.
“آه…”
“يا أطفال، سنذهب قريبًا…”
كان إيفان مضطربًا. كان الجوّ يزداد برودة، و وقت نومهم قد مـرّ منذُ فترة. كان يعتقد أن أخوته قد يبكيان في أي لحظة. في تلكَ اللّحظة__
“غرر…”
سُمع صوت وحش قريب. انتفضت شعيرات الأطفال. استدار الأشقاء الثلاثة ببطء نحو مصدر الصوت.
في الأدغال على يسارهم، كانت عينان صفراوان لامعتان لوحشٍ ما.
“وحش…!”
“إنه ذئـب.”
صحّـحَ ملك الشياطين كلام إيفان بهدوء.
“يبدو أنّـه جائع لدرجة أنه فقـدَ عقله ليظهر أمامي دونَ خوف.”
لم يسمع الأطفال كلامه.
ليست وحشًا، لكنه ذئبًـا.
ذئب مثل الذي يتربص بصاحبة الرّداء الأحمر…!
“وآآآ!”
انفجرت بيني في البكاء على الفور. تبعهـا ثيو وهو يختبئ خلف إيفان.
“آآآه! أخي!”
“وآآآ!”
“يا أطفال، اختبئوا خلفي!”
على الرّغمِ من بكاء الأطفال الصاخب، لم يهاجم الذئب على الفور. بدا و كأنه يحترس من الرجل، لكن إيفان، الذي كان في حالة ذعر، لم يلاحظ ذلك.
رفـعَ إيفان عصاه الدفاعية بيـدٍ مرتجفة. قال له دورانتي إن العصا تحتوي على تعويذة هجومية واحدة فقط، و هي لا تؤذي الإنسان.
“لذا، يا سيّد إيفان، عندما تكون في خطر، ركّـز على الهدف بدقّة و اضرب. الفرصة واحدة فقط.”
‘فرصة واحدة فقط.’
كـرّر إيفان ذلكَ في ذهنه و واجه الذئب بقلب ثقيل.
“هك…”
لكن عند رؤية الأنياب الحادة و الّلعاب المتساقط من فك الذئب، بدأت عينا إيفان تمتلئان بالدموع.
كـان خائفًا جدًا.
“لماذا تبكـون؟ هل أنتم جائعـون؟”
نظـرَ ملك الشياطين إلى الأطفال بوجـهٍ مرتبك. فتح إيفان فمه بصوتٍ مرتجف:
“ساعدنا… أرجوك.”
“آه.”
أومأ ملك الشياطين كما لو أنه فهـمَ أخيرًا.
“حسنًا.”
* * *
“سيّدي الدوق! سيّدتي ماريان! لقد اختفى السادة الصغار و الآنسة!”
صُعقنًا أنا و كايدن من هذا الخبر المفاجئ.
“ماذا يعني هذا؟ كيف يختفي أطفال كانوا نائمين بهدوء…؟!”
أسرعتُ بارتداء رداء و تفقّـدتُ غرف الأطفال واحدة تلوى الأخرى، لكن جميع أسرّتهم كانت فارغة. شعرتُ بأن ساقيّ لم تعودا تحملانني.
“ماريان…!”
أمسكَ كايدن بي بسرعة.
“حركوا جميع القوات للبحث عن الأطفال!”
صرخَ بنبرةٍ حـادّة.
لا أعرف كيف بحثنا في كل ركن من أركان قصر الدّوق. أتذكّر أن كايدن أوقفني وأنا أحاول الركض حافية القدمين و جعلني أرتدي حذائي.
كان وجهي مغطى بالدموع، و صوتي أصبح أجشّ من كثرة صراخي بأسماء الأطفال.
“سيد إيفان! سيد ثيودور!”
“آنسة! آنسة بيني!”
كان صوت خدم قصر الدوق يتردّد و هم يبحثون عن الأطفال. لكن لم يكن هناك أثر لهم.
“الجو بارد جدًا…”
“ماريان.”
بينما كنتُ واقفة في صدمة، غير قادرة حتى على مسح دموعي، وضعَ كايدن عباءة ثقيلة على كتفي. لاحظتُ الآن أنني كنتُ أركض برداء خفيف.
نظرتُ إلى كايدن بوجه مذهول. كنت أرتجف بشدة.
“ماذا نفعل…”
عانقني كايدن دونَ قول شيء. ذاب البرد الذي كان يجمّـد جسدي قليلاً بسبب دفء حضنه. ربّـت على ظهري و همس:
“لا تقلقي. سنعثر عليهم بطريقةٍ ما.”
“لكن، لا أراهم في أي مكان.”
خرجَ صوتي متقطعًا من كثرة البكاء.
“لقد أرسلنا جميع القوات، سنعثر عليهم قريبًا.”
حاول طمأنتي، لكنني كنتُ على وشكِ الجنون من القلق.
لقد رأيتُ بعينيّ أنهم كانوا نائمين في أسرّتهم، فكيف يمكن أن يحدث هذا؟
“ماذا لو كان شخص يحمل ضغينة ضدّ فالتشتاين قد خطـفَ الأطفال؟”
نظرتُ إليه بوجـهٍ خائف.
“ماريان، اهدئي أولاً…”
“كيف أهدأ؟ ماذا لو كان الأطفال مقيّدين و يرتجفون في عربة متذبذبة؟ الجو يزداد برودة…!”
“لقد عثرنـا عليهم!”
استدار رأسي تلقائيًا. صرخ أحد الفرسان بصوتٍ عالٍ:
“تـمّ العثور عليهم في الغابة الشمالية! إنهم يخرجون من المدخل الآن!”
ركضتُ دونَ النّظر إلى الخلف.
* * *
عندما سمـعَ كايدن خبر اختفاء الأطفال في منتصف الليل، قفـزَ مذعورًا. على الرّغمِ من أنه لا يتذكرهم، كان هناك إنذار خطر يدوي بجنون في ذهنـه.
“ما الوقت المتوقع لاختفائهم؟”
سألَ قائد الحرس بنبرةٍ حادّة، لكن الجواب كان قاتمًا:
“لقد ذهبَ الثلاثة إلى النّـوم مبكرًا، ولا أحد يعرف تحركاتهم منذُ السّاعة الثامنة مساءً حتى الواحدة صباحًا. نعتـذر بشدّة.”
لمدة خمس ساعات، لم يلاحظ أحد اختفاء الأطفال. سمعت ماريان الكلام بجانبه و انفجرت في البكاء صارخة:
“لا!”
كان صوتها كصرخة اليأس.
حاولَ كايدن الحفاظ على هدوئه و أمـرَ الحرس و فرقة الفرسان بالبحث في كل زاوية من قصر الدوق.
رأى ماريان تركض بـرداءٍ خفيف.
‘كانت حافية القدمين من قبل أيضًا.’
لاحـظَ وجود خادمة قريبة تحمل عباءة ماريان بوجه مرتبك، و هي قلقـة من ملابسها الخفيفة.
أخـذ كايدن العباءة بسرعة و وضعها على كتفيّ ماريان. بينما كان يحاول تهدئتها،
“لقد عثرنا عليهم!”
أخيرًا، جـاء خبـر أنهم عثروا على الأطفال.
ركضت ماريان مثل الريح، محمّلة بالهالة في قدميها.
تبعهـا كايدن بنفسِ السّرعة.
عندما وصلا إلى مدخل الغابة الشمالية، كان هناك حشد من خدم قصر الدوق.
خرجَ بعض الحراس و الفرسان أوّلاً من المدخل. ثم ظهرَ إيفان و ثيودور، تلاهما رجلٌ بشعرٍ أسود و عيون حمراء يحمل بينيلوبي في ذراعيه.
“إيفان! ثيو! بيني!”
“أمي!”
“آآه! أمي!”
“ماما!”
“هل تعلمون كم كنتُ قلقة؟!”
ركضت ماريان و عانقت إيفان و ثيو بقوّة. كان ثيو يبكي بشدة، لكن وجوه إيفان و بيني بـدت بخير. لم يبـدُ أن أيًا منهم مصاب.
كان ذلكَ مريحًا حقًا.
شعرتُ بالارتياح العميق، لكن…
“أنزلني! أنزلني! أريد الذهاب إلى ماما!”
“لا.”
“لماذا؟!”
كانت بيني تلـوّح بذراعيها و ساقيها القصيرتين في ذراعي الرجل. نهضت ماريان و واجهته.
فتحَ الرجل فمه ببطء:
“…ماريان.”
نظرا إلى بعضهما دونَ كلام. تدفّـقَ جـوّ غريب في الهواء.
‘…مَـنْ هذا الرّجل؟’
انفجر شعور بالانزعاج في صـدر كايدن.
التعليقات لهذا الفصل " 114"