لو كان دورانتي يعلم أنهم سيستخدمون هذا المصباح، الذي صنعه للعبة “اصطياد الخلد”، بهذه الطريقة، لما صنعـه أبدًا.
طقطقة.
مع صوت النقرة، أضـاء مدخل الغابة الشمالية. لكن الضوء لم يكن كافيًا لاختراق الظلام الدامس. كان يضيء فقط خمس خطوات أمام الأطفال.
“بيني… ستكون في المقدمة.”
تقدّمت بيني بشجاعة، لكن إيفان هـزّ رأسه.
“لا، أنا سأكون في المقدمة، بيني في الوسط، و ثيو في المؤخرة.”
“حسنًا، فهمت.”
“همف. كان يمكن لبيني أن تكون في المقدّمة…”
وقفَ الأطفال في صفّ واحد بعد تحديد الترتيب. لم يكن واضحًا كم سيستمر هذا النظام، لكنهم تقدموا.
قال إيفان بجدية:
“هل نذهب الآن؟”
نظروا إلى بعضهم البعض، أومأوا، ثم دخلوا الغابة المظلمة.
هوو- هوو-
زقزقة، زقزقة.
كلما سمعوا صوت بومة أو حشرات في الظلام، كان الأطفال يرتجفون من الخوف.
لو كان النهار، لكانوا فرحوا بوجود بومة قريبة، لكن في الغابة المظلمة، حيثُ كل شيء غارق في الظلام باستثناء ما يضيئه المصباح، كان الصوت يزيد من الرهبة.
همسَ إيفان بصوتٍ مشجع:
“يا أطفال، ألستم تشعرون بالبرد؟”
“أنا بخير.”
“بيني أيضًا.”
“أخبروني إذا شعرتم بالبرد. أحضرتُ مدفأة يـد صغيرة.”
كان الأطفال خائفين، لكنهم شعروا أيضًا بالحماس كمغامرين شجعان. و بينما كانوا يتحدثون بهمس، شعروا أنهم يستطيعون التّغلب على أيّ شيء معًا.
أووو~!
فجأة، سمعوا عواء ذئب من مكانٍ ما.
“ذئب… بشري؟”
نظـرَ ثيو حوله بوجهٍ مليء بالخوف. أمسكت بيني بحقيبة إيفان و هي ترتجف.
نظـرَ إيفان حوله بحذر، و هو يحرّك المصباح في كل الاتجاهات.
“لا تقلقوا، يا أطفال. لا يوجد أحد هنا.”
“لكن، ماذا لو اشتمّ ذئب بشري رائحتنا و جـاء إلينا؟ ماذا لو… أكلنـا؟”
“بيني صغيرة جدًا، لا يوجد ما يؤكل فيها…!”
لم يستطع ثيو و بيني إخفاء خوفهما. حاولَ إيفان وحده الحفاظ على رباطة جأشه، و أخرجَ عصا للدفاع من جيب الحقيبة الجانبي. كانت أيضًا من صنع دورانتي.
“هذا الطّريق آمـن. النّاس يأتون إلى هنا لجمعِ الأعشاب الثّمينـة.”
“لكن، أليس محظورًا في الليل؟ قالوا إن الوحوش المخيفة تتحرّك ليلاً!”
ردّ إيفان على تعليق ثيو بمنطقية:
“قال أبي إن نشاط الوحوش قـلّ منذُ حوالي سبع سنوات. قبل أن نولد، كانوا يذهبون لمحاربة الوحوش كثيرًا، لكنهم لم يعودوا يفعلون ذلكَ الآن. لذا، لا تقلقوا كثيرًا.”
شعـرَثيو و بيني بالارتياح الواضح.
“هوو!”
“ها، لحسن الحظ …”
“مَـنْ أنتم؟”
فجأةً، سمعوا صوتًا منخفضًا، فقفزَ الأطفال مذعورين.
أضـاءَ إيفان الطّريق أمامه بسرعة. كان هناك رجل طويل ذو شعر أسود طويل و عينين حمراء، ينضح بجـوّ غامض.
“وسيم…”
في خضمّ التوتر، لم تستطع بيني كبح تعليقها الصّادق. أخفاها إيفان خلف ظهره و صرخ بهدوء:
“مَنْ أنـتَ؟ اكشف عن هويتكَ!”
“همم.”
أمال الرجل رأسه و نظرَ إلى الأطفال، ثم اقتربَ منهم فجأة.
تفاجأ إيفان و رفعَ عصاه الدفاعية، و صرخَ ثيو بنبرةٍ قصيرة: “آه!”
بينما أعجبت بيني و أطلقت صوت إعجاب: “واو.”
“أنتم أطفال ماريان، أليس كذلك؟ لقد كبرتم كثيرًا.”
اتسعت عيون الأشقاء الثلاثة.
“هل تعرف والدتنا…؟”
سأل ثيو بنبرةٍ تخلّت عن بعض الحذر.
“ثيو! ألم نقل إنه يجب الحذر من الغرباء؟”
“آه!”
عندما وبّخـه إيفان، عـاد ثيو لينظرَ إلى الرجل بحدّة.
لكن الرجل لم يهتم و قال:
“الأولاد يشبهونه كثيرًا. لكن الفتاة فقط تشبـه ماريان.”
نظرَ بعينيه الحمراوين إلى بيني، التي أخرجت رأسها من خلف إيفان.
“بيني!”
عندما وبّخهـا إيفان، اختفى وجهها الصغير خلف ظهره.
“مَـنْ أنـتَ؟ لماذا تتجول في الغابة الشمالية ليلاً بمفردكَ؟”
رد الرجل على سؤال إيفان الحاد:
“هذا ما أريد سؤاله. هذا المكان ليسَ للأطفال الصغار مثلكم.”
“نحن فقط نبحث عن حجر يحقّق الأمنيات من أجل والدنا!”
صرخَ إيفان بقوة، لكنه كان خائفًا داخليًا.
كان الرجل رجلاً بالغًا ضخمًا، بينما هو و أخوته صغار و ضعفاء مقارنةً به.
وكان هناك شيء أغفله إيفان.
لقد كشفَ عن هدفهم من القدوم إلى الغابة بصراحة شديدة لشخصٍ غريب. حتى لو كان إيفان ناضجًا، فهو لا يزال في السابعة.
لم يدرك الطفل مدى خطورة ما قالـه. لو أراد الرجل، لكـانَ بإمكانه استغلال الأطفال الثلاثة بسهولة.
لكن الرّجل قال بحياد:
“حجر يحقق الأمنيات؟ لا يوجد شيء من هذا القبيل في هذا العالم.”
“مـاذا…؟”
“لا يمكن أن يكون ذلكَ صحيحًا…!”
“مستحيل…!”
تجمّـد الأشقاء الثلاثة بوجوهٍ مصدومة.
تحمّلوا البرد و الخوف، و وصلوا إلى أعماق الغابة الشمالية دونَ نوم، فقط ليُقال لهم إن “حجر الأمنيات لا وجود له”…!
أراد إيفان إنكار الواقع.
“لكن، في كتاب الحكايات، كان هناك بوضوح…”
“آه، كتاب الحكايات.”
قال الرجل كما لو أنه فهـم:
“تقصدون الكتب المصنوعة لتعليم الأطفال البشر بفعالية.”
“مصنوعة…؟”
تمتـمَ إيفان بصوتٍ مذهول.
نظـرَ الرّجل إلى الطفل الأكبر، الذي كان لا يزال في حالة صدمة، ثم عـادَ بنظره إلى بيني.
“…اشتقت إلى ماريان.”
تفاجأ الأطفال بكلامه المفاجئ. لم يستطع ثيو كبح نفسه و سأل:
“هل أنـتَ صديق أمي؟”
“ثيو!”
وبّخـه إيفان بعد أن استعاد رباطة جأشه، لكن الرجل لم يهتم.
“أريد أن أصبح صديقًـا لها.”
توقّفَ الأطفال.
كونه يريد أن يصبح صديقًا يعني أنه يريد أن يكون صديقًا بصدق! في عالم الأطفال، كانت هذه الكلمات بمثابة تصريح مرور مجانيّ.
لكن ثيو هـزّ رأسه بحزن.
“لكن، أعتقد أن أبي لن يحبّ ذلك.”
“لمـاذا؟”
نظـرَ الأشقاء الثلاثة إلى وجه الرجل. فتمتمت بيني:
“لأنّـكَ وسيـم. أبي لا يحب أن يكون هناك رجل وسيـم بجانبِ أمي.”
“أرى.”
رد الرجل بنبرةٍ ثابتة.
“لكن لا بأس.”
“لمـاذا؟”
“لأنّني والـد ماريان.”
“…..!”
اتّسعت عينا إيفان.
مال ثيو و بيني برأسيهما و هما يشعران بالإرتباك.
نظرَ إيفان إلى ملك الشياطين بشكّ، بعد أن خمّـنَ هويته.
“لكنكَ تبدو صغيرًا جدًا لتكون جـدّنا…”
لم يهتم ملك الشياطين، و استمر في مراقبة الأطفال بلا مبالاة.
تذكّـرَ إيفان محادثة أجراها مع أمّـه ذات مرة.
“أمي، عندما نزور قصر الدوق في العاصمة، نرى جدي و جدتي، أليس كذلك؟ لكن أين جـدّانا من جهة الأم؟”
“حسنًا… جدتكَ توفيت. حتى أنا رأيتُها في صورة فقط. و جـدّكَ…”
توقفت والدته لفترةٍ طويلة، و بـدت غريبة حتى في عيني إيفان الصغير.
عندما بدأ إيفان يشعر بالذنب لسؤاله، أجابت ماريان:
“جـدّكَ… يراقبنا سـرًّا من الشمال.”
“سـرًّا؟ لمـاذا؟ ألا يمكننا اللعب معًا؟”
“ههه. حسنًا، لا أعرف بالضبط.”
تذكّـرَ إيفان وجه والدته وهي تبتسم بتصنع. نظرَ إلى ملك الشياطين بحدة و سأل:
التعليقات لهذا الفصل " 113"