الفصل الجانبي 11
‘…يجب أن أجيب بحذر.’
فجأة، انقلب الموقف. شعرتُ بعرق بارد يسيل على ظهري. كان الجميع في الإمبراطورية يعرفون أنني كنتُ مهووسة بوليّ العهد في صغري.
حتى الصحف التي أحضرتها كانت مليئة بمثل هذه العناوين:
[حياة مزدوجة للمتهوّرة؟ تظاهرت بحب ولي العهد لإثارة غيرة الدّوق الأكبر؟!]
[هل تخلت المتهوّرة عن حبّـها لجمال ولي العهد الملائكي؟]
[ولي العهد الجميل الحاد الملامح مقابل الدّوق الأكبر المحارب البارد، مَـنْ اختارت المتهوّرة؟!]
‘لماذا هناك الكثير من هذه العناوين؟’
تصببت عرقًا بغزارة و حاولتُ تغطية تلكَ.العناوين بصحيفة أخرى. لكن الكمية كانت كبيرة جدًا، وكانت الكلمات تظهر باستمرار.
أنزل كايدن عينيه و رأى ذلك.
“هل تخليتِ عن ولي العهد ماريوس بسببِ عرض خطبتي؟”
شعرتُ أنه منزعج بشكلٍ خفي. أجبتُ بسرعة:
“ليس الأمر كذلك.”
“إذن؟”
“….”
كيف يمكنني أن أشرح ؟
لا يمكنني أن أقول إنني تذكّرت حياتي السابقة و فقدتُ مشاعري تجاه ولي العهد في لحظة.
حتى الآن، بعد مرور كل هذا الوقت، ما زلتُ أتساءل لماذا كنتُ معجبة بوليّ العهد بهذا الشّكل.
في أوائل و منتصف سنوات مراهقتي، كنتُ أعجب بـه فقط من بعيد.
لكن في أواخر سنوات مراهقتي، بدأت رغبتي فيه تنمو، و عندما بلغت العشرين، شعرتُ وكأنني سأفقد عقلي.
‘كنتُ أتوق للمس يده و لو قليلاً.’
هل كنتُ أفقـد صوابي لأنني لا أستطيع الحصول عليه؟ ما زلت لا أعرف.
ابتسمتُ بتصنّع و قلت:
“فقط… تخليتُ عنه بشكلٍ طبيعي.”
“لم تكوني تبديت و كأنكِ ستتخلين عنه بشكلٍ طبيعي.”
نظر إليّ بعينين متشككتين.
يبدو أنني في ذكرياته كنتُ معجبة بولي العهد بحماس شديد.
أشحتُ بنظري و تمتمتُ:
“قلب الإنسان مثل القصب، يتأرجح. و أذواقنا تتغيّـر…”
“إذن، أصبحتُ أنا ذوقكِ الآن؟”
“…لماذا أنـتَ واثـق جدًا؟”
شعرتُ بالغيظ من أسئلته المستمرة و تذمرتُ، فرد كايدن و هو يرفع حاجبًا:
“قلتِ للتو إنكِ تزوّجتِني بسببِ مظهري.”
“….”
شعرتُ أن تصرفات كايدن الآن تبدو طفولية بعض الشيء.
من خلال هذا الموقف الواثق المتعجرف، بدأتُ أفهم لماذا كنتُ أتشاجر معه كثيرًا في ذلكَ الوقت.
بالنّسبة لي عندما كنتُ في الثانية و العشرين، كان كايدن مثل جدار لا يمكن تجاوزه.
شعرتُ بالنقص بسببِ مهاراته المقدّمة في السيف، و كنتُ أغـار منه لأنه يملك كل شيء، و كان موقفه المتعجرف يثير أعصابي.
باختصار، لم أكـن أطيق رؤيته.
‘لا عجب أنني غادرتُ قصر الدوق.’
ضحكتُ بصوتٍ خافت.
“نعم، هذا صحيح. في ذلكَ الوقت، كنتُ أعتقد أنّكَ طويل جدًا و ضخم جدًا، فلم تعجبني…”
رأيته يضيّـق عينيه. ابتسمتُ له و قلت:
“لكن عندما أعدتُ التفكير، أدركتُ أن طولكَ و حجمـكَ كانا نقطتين مثيرتين. إنّهما يعطيان شعورًا بالأمان. و أنـتَ وسيم أيضًا، هذه حقيقـة.”
“…حقًا؟”
“نعم. ليس هذا فقط، أدركتُ لاحقًا أن توبيخكَ لي كان لمصلحتي.”
“….”
تذكرتُ اللّحظة التي أدركتُ فيها ذكريات حياتي السابقة.
عندما ضربني ترول على رأسي و فقدتُ الوعي، تذكرتُ حياتي السّابقة و أصبـتُ برهاب الدم.
كنتُ أفقد وعيي كلما رأيتُ الدم، فتذكرتُ كيف تسبّب كايدن في جلب طبيب من العاصمة وهو يقول إنّني مريضة.
ضحكتُ كأنّني أتنهّـد.
“كنتَ دائمًا لطيفًا معي، لكنني لم أدرك ذلك. وعندما فتحتُ قلبي قليلاً، أصبحتَ ألطـف معي.”
بعد ذلك، حدثت أمور كثيرة. عندما ظهرَ ملك الشياطين و كـاد العالم أن يواجه النهاية، قلتُ إنني سأموت بشرف، لكنه قال إنه سيموت لحماية مَنٔ يحـبّ.
أنزلتُ عينيّ قليلاً و ابتسمتُ بهدوء.
“كل هذه الأشياء تراكمت، فأصبحتُ مفتـونة بـكَ.”
نعم، لقد خسـرتُ.
قد يكون كايدن في السابعة و العشرين مزعجًا بعض الشّيء، لكن دعينا لا نرفع جدار الكبرياء بعد الآن.
إنّـه الشّخص الذي كان مستعدًا للموت من أجلي، فما الضرر في فقدان ذاكرته مؤقتًـا؟
“ما زلتُ أحبّـكَ كثيرًا.”
شعرتُ براحة كبيرة بعد أن اعترفتُ بصراحة، و ابتسامة مشرقة ظهرت على وجهي تلقائيًا.
“أنا أحبّـكَ، أيّها الدوق.”
حدّق كايدن بي بدهشة. كان وجهه يبدو كما لو أنه تلقى ضربة، فأملتُ رأسي متسائلة.
‘هل من الغريب جـدًا أن أقول إنّني أحبّـه؟’
حسنًا، بالنّسبة له الآن، ربّما يكون ذلك صحيحًا.
هززتُ كتفيّ و حاولت تلطيف الجو:
“هل تـمّ حلّ كل تساؤلاتـكَ الآن؟”
صمت للحظة، ثم تحدّثَ ببطء:
“…نعم.”
* * *
“أنا أحبّـكَ، أيّها الدوق.”
شعرتُ و كأن الزّمن توقف.
كان يسمع صوت عقرب الثّواني من مكانٍ ما، لكن في تلكَ اللحظة، توقّف الزّمن بالنسبة لكايدن تمامًا.
لا يتذكر كايدن ما الذي تحدّثَ عنه مع ماريان بعد ذلك، أو كيف تناولا الطّعام معًا.
كل ما دار في ذهنه كان صورة ماريان وهي تبتسم بإشراق و تقول ” أنا أحبّـك”.
كانت صورتها تلك محفورة كوشم في عقله.
حـلّ اللّيل دونَ أن يدرك. لم يعرف كيف مـرّ اليوم.
استلقى على سريره.
سمـعَ صوت ماريان وهي تتقلّب في الغرفة المجاورة و هي تستعد للنوم.
يبدو أنها لن تنام مع الأطفال الليلة.
شعرَ كايدن بشعورٍ غريب. كانت ماريان على الجانب الآخر من الحائط. هذه الحقيقة كانت بطريقةٍ ما لا تُطاق.
غطّى وجهه بيديه و فكّـر:
‘سأفقد عقلي.’
كان قلبه ينبض بشدّة.
* * *
“نتسلّل زحفًا.”
“حتى تظهر الغابة الشمالية.”
“وحوش… ستواجهنا وحوش.”
همس إيفان و ثيو و بيني بأصوات منخفضة جدًا وهم يغنّـون.
في ساعة متأخّـرة من اللّيل عندما ينام الجميع، كان الأشقاء الثلاثة من عائلة فالتشتاين على بعد خطواتٍ من الغابة الشمالية.
لم يكن الخروج من قصر الدوق أمرًا سهلاً على الأطفال.
كان التحدي الأكبر هو:
كيف يتغلّبـون على النعاس الذي يهاجمهم ليلاً؟
اقترحَ إيفان حلاً رائعًا:
“علينا أن نأخذ قيلولة طويلة اليوم.”
شرب الأطفال كوبًا من الحليب الدافئ و ناموا على الفور.
نامـوا مبكرًا و استيقظوا متأخرًا، فكانوا في المساء بعيونٍ متيقظة، قادرين على البقاء مستيقظين حتى الليل.
لكن لم يكن ذلكَ كافيًا بعد. بعد أن تناولوا العشاء بكثرة، بدأوا يتثاءبون على الفور.
“آه… أكلتُ كثيرًا، بيني تشعر بالنعاس.”
“ثيو نعسان أيضًا.”
“أمي، سنذهب للنّوم مبكرًا الليلة.”
عندما أظهر الأطفال علامات النعاس، شعرت ماريان و الخدم بالحيرة قليلاً من تصرفاتهم غير المعتادة، لكنهم قبلوا الأمر.
في هذا العمر، عادةً ما ينام الأطفال بمجرّد أن يضعوا رؤوسهم على الوسائد.
تظاهر الأطفال بالنوم مبكرًا، و انتظروا الليل بقلوب خافقة. لكن ثيو و بيني أخذا غفوة بالفعل للحظة.
حـلّ الليل المتأخر.
تسلل إيفان بهدوء، و أخذَ الحقيبة والملابس التي أعـدّها مسبقًا، و أيقـظَ ثيو و بيني واحدًا تلو الآخر.
كانت غرفهم في نفس الطابق، مما جعل من السهل التّحرك دون أن يلاحظهم الخدم.
“ثيو، استيقظ و ارتدي ملابسكَ.”
“حسنًا… حسناً.”
استيقظ ثيو بسرعة و ارتدى ملابسه بنفسه، لكن:
“بيني، استيقظي.”
“أوو…”
“إذا كان الأمر صعبًا، هل يجب أن أذهب أنا و ثيو فقط؟”
“…بيني ستذهب أيضًا…”
كانت بيني لا تزال في الثالثة، فكان على إيفان مساعدتها.
بعد الاستعداد، تسلّلَ الأطفال خارج قصر الدوق دون أن يراهم أحد.
في الحقيقة، كان الحظّ حليفهم.
غـابَ حارس الدورية فجأةً بسببِ آلام في بطنه، و في اللّحظة التي شعرت فيها إحدى الخادمات بشيء غريب و استدارت، ظهرت قطة و صرفت انتباهها…
حتّى الحارس عند مدخل الغابة الشمالية غاب للحظة ليبحث عن البديل الذي تأخّـر عن الوردية.
بفضل سلسلة من الصدف و الحـظ، وصلَ الأطفال إلى مدخل الغابة الشمالية.
التعليقات لهذا الفصل " 112"