سأل الأطفال: “لماذا لا ينام أبي معنا؟” فأجابت ماريان أنّ رأسه يؤلمه، و حذّرتهم من إخبار أيّ شخصٍ آخر.
وافقَ كايدن في نفسه على ذلك.
‘لا فائدة من معرفة الآخرين. أنا بحاجةٍ إلى وقت للتّأقلم.’
نظرت ماريان إلى الطّفلة الصغرى ثمّ هدّأت الأطفال بلطف ليناموا.
تفاجأَ كايدن قليلًا عندما قالت: “هيّا ننام.”
‘ماريان أصبحت أمًّـا؟ و زوجتي أيضًا؟’
كان شعورًا لا يمكن تفسيره.
سرعان ما سُمع صوت أنفاس الأطفال الهادئة. بفضل كونه سيّد سيف، كان بإمكانه سماعها إذا ركّـز.
كانت اللّيالي التي يتذكّرها كايدن دائمًا هادئة. لكن هذه الليلة كانت أكثر صخبًا، و مع ذلك، لم يجد ذلك سيئًا.
بينما كان يبتسم دونَ وعي ويستعدّ للنوم، سمع…
“هاه…”
تنهيدة عميقة من ماريان. شعرَ.كايدن فجأةً بعدم ارتياح.
‘…إذا فكّرتُ بالأمر، لا بدّ أن ماريان تشعر بالإحباط أيضًا. زوجها فقـدَ ذاكرته فجأة.’
كان فقدانه للذاكرة محيّرًا بالنّسبةِ له، لكنّه بالتأكيد محيّر لـمَنْ حوله أيضًا، خاصّة ماريان، التي يجب أن تشعر بالعجز لأنّ والد أطفالها نسي كلّ شيء.
رأى جهود ماريان للحفاظ على رباطة جأشها من أجل الأطفال، فشعرَ بالقلق عليها.
‘يجبُ أن نتحدّث عن كيفيّة التعامل مع الأطفال.’
أغمض عينيه و هو يشعر بالضيق، لكنّه شعر بفراغ غريب في جانبه، فتقلب طويلًا قبل أن يستسلم للنوم.
*****
في اليوم التالي،
نظرَ كايدن إلى كومة الصحف التي جلبتها ماريان، و التي تغطّي حوالي تسع سنوات، و لم يجد كلمات للتعبير.
وضعت ماريان يدها على قمّة الكومة و قالت بوجهٍ شاحب:
“فكّرتُ كيف يمكنني إخباركَ بمـا حدثَ خلال السنوات الماضية بطريقةٍ فعّالة و موثوقة، فجاءتني فكرة. اخترتُ الصحف التي تحتوي على أخبار تتعلّق بنا من بين الأرشيف.”
“…الكميّة هائلة.”
نظرَ إليها بنظرة متعبة. هزّت ماريان كتفيها.
“إنّها تسع سنوات، لذا لا مفرّ من ذلك. بما أنّك الدّوق الأكبر، كانت الأخبار عنكَ تظهر باستمرار. قد يكون الأمر شاقًا، لكن قراءتها ستساعدكَ. إذا كان لديكَ أيّ سؤال، اسألني و سأشرح لك.”
تفاجأ كايدن بأسلوب ماريان المنطقي. الفتاة التي كان يعرفها لم تكن لتفكّر بهذه الطريقة.
‘الزّمن مخيف حقًّـا.’
أومأ ببطء و سأل:
“طريقة جيّدة، لكن مَنٔ يتولّى شؤون الإقطاعية في هذه الأثناء؟”
“حسنًا… ركّز فقط على الأمور المهمّة الآن. وقراءة الصحف ستساعدكَ في شؤون الإقطاعية أيضًا… أرجوك.”
كان في عيني ماريان نظرة ملحّة. شعرَ كايدن أنّ معرفة ما حدثَ خلال السنوات الماضية قد تكون مفيدة، فأومأ موافقًا.
‘فكرة ذكيّة… هل هذه ماريان حقًّـا؟’
ظلّ متشككًا وهو ينظر إليها.
لم تختلف شؤون الإقطاعية كثيرًا عمّا كان يعرفه.
تفاجأ بحجم بعض المشاريع، لكن كلّ ما عليه فعله هو اتّباع ما أنجزه كايدن في السادسة و الثلاثين.
بعد إنهاء المهام الرئيسيّة، جلسَ كايدن مع ماريان على أريكة المكتب لقراءة الصحف.
بالأحرى، كانت ماريان تعمل على مهامها بينما يقرأ كايدن الصحف و يسألها عندما يحتاج إلى توضيح.
لم يصدّق كايدن ذلك أيضًا.
“أنتِ تديرين جميع شؤون فرقة الفرسان؟ حتّى الأعمال الورقيّة؟”
كسيّدة سيف، كان من الطبيعي أن تكون التدريبات سهلة بالنّسبة لها. الفرسان لن يجرؤوا على تحدّيها، و لديها الكثير لتعلّمهم.
‘لكن الأعمال الورقيّة؟ و ماريان؟’
غرق في الحيرة.
ماريان التي يعرفها لم تكن تجيد كتابة التقارير. بـل، بصراحة… قد تغضب لو سمعت هذا، لكنّها لم تكن تجيد الكتابة عمومًا.
ماريان التي يعرفها كانت ستصرخ: ” هل أنتَ لا تثق بي؟!” أو ترمي الأوراق قائلة: “إذا كنتَ لا تثق بي، افعلها بنفسك!”
‘ثمّ كنتُ سأوبّخها، وكانت ستركل الأرض بغضب و تغادر القصر إلى صالة قمار أو حانة.’
نظرَ إلى ماريان خلسة. كانت تختار أول صحيفة له بتـروٍّ. مظهرها كان كما في الثانية و العشرين، لكن تصرّفاتها الناضجة بدت غريبة.
‘ربّما تكتب التقارير بشكلٍ سيء.’
نظر إلى الأوراق و فحصها.
“…إنّها مثاليّة.”
خرجت الكلمات تلقائيًا.
حتّى خطّها السيء أصبح أنيقًا.
كان عليه أن يعترف: ماريان التي كان يعرفها لم تعد موجودة.
“أليس كذلك؟ لا داعي للقلق.”
“…حسنًا.”
أعادَ إليها الأوراق وهو في حالة ذهول.
“لكن، يا ماريان.”
“نعم؟”
“الجميع تقدّموا في العمر، فلماذا نبدو نحن كما نحن؟ هل لأنّنا سادة سيف؟”
“آه، ذلكَ لأنّني ابنة ملك الشياطين، و لأنّك، أيّها الدّوق الأكبر، تلقّيت جزءًا من جوهره.”
“ماذا…؟”
لم يفهم كايدن كلمة واحدة. عندما أصدر صوتًا مذهولًا، بدت ماريان في حيرة و مدّت له صحيفة.
“حدثت أمور كثيرة. لـمَ لا تبدأ بقراءة الصحف؟ سيكون من الأفضل أن تتعرّف على الخلفيّة أولًا.”
“…حسنًا.”
أخذَ كايدن الصحيفة بتردّد.
شعرَ بشيءٍ مزعج دون أن يتمكّن من تفسيره، لكنّ هذا الشعور تبدّد بمجرّد رؤيته لعنوان الصحيفة.
“القدّيسة ظهرت؟”
“نعم، القدّيسة ستيلا. بما أنّكَ لا تتذكّر، سأخبرك: قبل ستّ سنوات، تزوّجت من مساعدكَ فيتو و أنجبا ولـدًا.”
“ماذا؟ فيتو؟”
اتّسعت عيناه من الصدمة. ابتسمت ماريان وكأنّها تتذكّر تلك الأيّام.
“لقد أغرمت ستيلا به بشدّة. قالت إنّه أثّـرَ فيها بقيادته و مساعدته للناس خلال كارثة. قرّرت أنّه يجب أن يكون لهـا! مضحك، أليس كذلك؟”
ضحكت ماريان و كأنّ الأمر مسلٍ للغاية.
“كان فيتو يقول: ‘كيف لي أن أكونَ مع قدّيسة؟’ و يهرب يمينًا و يسارًا، لكنّه لم يصمد طويلًا. سرعان ما وقـعَ في حبّها.”
كانت ابتسامتها المرحة تشبه ماريان التي يعرفها. ابتسمَ كايدن دونَ وعي و قال:
“لهذا لم أرَ فيتو. ظننتُ أنّه في إجازة.”
“ههه، إنّهما يعيشان في قصر الدّوق الأكبر بالعاصمة. على أيّ حال، فيتو من عائلة الدّوق الأكبر، لذا يساعد الدّوق السابق، و ستيلا تعمل في المعبد الرئيسي بالعاصمة.”
“حسنًا.”
أومـأَ كايدن و تناولَ الصحيفة التالية. تفاجأ بعنوان آخر و سأل ماريان بسرعة:
“هل تقدّمتُ لكِ بخطبة في وسط العاصمة خلال احتفال التّأسيس؟!”
“آه، تلكَ المرّة.”
ضحكت ماريان و هي تعبس قليلًا.
“كايد… أقصد، الدّوق الاكبر، لقد تقدّمتَ لي لأنّك لم ترغب في قبول عرض الأميرة كارولين. سبقتَها بخطوة. كنتُ مذهولة حقًا. بصراحة، أردتُ أن ألكمـكَ…..احم، لا شيء.”
هزّت رأسها و هي تتذكّر تلكَ اللحظة. قرأَ كايدن الصّحيفة للحظة ثمّ سألَ بجديّة:
التعليقات لهذا الفصل " 109"