الفصل 12
—
حين أغمضتُ عينيّ وأسندتُ ظهري إلى مسند الكرسي، قالت إحدى الخادمات بقلق:
“آنستي… يبدو أن الوضع خطير فعلًا؟ هل سيصبح الطعام نادرًا حقًا؟”
يبدو أنهنّ أدركن الأمر أخيرًا.
“نعم، إلى حدٍّ ما.”
ومع إيمائي برأسي، لمعت عينا خادمة أخرى وتدخّلت بحماسة:
“لكن لدينا ما نقوله أيضًا! الخيول التي جلبها فرسان العميد!”
كان هذا صحيحًا.
فرقة ألفيرس أحضرت معها عددًا من الخيول.
“كنتُ أظنّها بلا فائدة، لكن ربما علينا بيعها بسرعة. كما قالت الآنسة داليا، إن اشترينا أبقارًا حلوبًا سنحصل على الحليب…”
“مستحيل.”
قطعتُ كلامها بحزم.
إن كانت تباهي داليا صحيحة، فهاروين ستنهار بسبب الأبقار الحلوب لا محالة.
“لكن… صحيح أننا بحاجة إلى مزيد من الغذاء.”
فتحتُ عينيّ بعد أن انتهيتُ من التفكير، وقلتُ بنبرة حاسمة:
“علينا الاستعداد لاستعادة شارع جيزيل. هيا بنا.”
“ماذا؟ إلى حقل البطاطس مرةً أخرى؟”
“لا.”
على غير توقّع، كان فيليب متمرّسًا في زراعة البطاطس، لذلك أمكن ترك ذلك الحقل لفرقة البطاطس.
“سنذهب إلى إيرينتا.”
البلدة الجميلة التي تعانق النهر، والتي كان عمّي يطمع بها بشدّة.
“فتصمدون شهرًا، تأكلون الأسماك الصغيرة فقط؟”
لم يكن ما يُؤكل من النهر يقتصر على الأسماك الصغيرة وحدها.
وللانتقال من مجرّد الصيد والجمع إلى مستوى أبعد، كان لا بدّ من تحضيرات مسبقة كثيرة.
“علينا اصطحاب بعض الفرسان السريعين. لنمرّ بساحة التدريب أولًا.”
—
وهكذا قضيتُ فترة بعد الظهر كلّها على ضفاف نهر إيرينتا.
وبعد أن أصدرتُ للفرسان عدة توجيهات، كنتُ في طريق العودة إلى قصر الماركيز.
“كحّ… كحّ.”
كان هناك شيخٌ بملابس رثّة يجلس عند حافة النهر، وقد ألقى صنّارته في الماء.
“لماذا لا يعلق أيّ سمك؟ مرّت ساعات طويلة…”
كان واضحًا أنه يتمتم بصوتٍ مسموع عن قصد.
“آه… كيف لا أصطاد سمكةً واحدة؟”
وكان الدلو الفارغ إلى جانبه متّسخًا أيضًا.
تراجعت الخادمات إلى الخلف باشمئزاز.
لكنني توقّفتُ ورددتُ عليه:
“ألا يبدو غريبًا ألّا تصطاد سمكة واحدة؟”
“أليس كذلك؟ آه… يبدو أنكِ آنسة من بيتٍ كريم.”
أجاب الشيخ بفرح.
أملتُ رأسي وسألته:
“هل خلطتَ الطُّعم بعشب بوزيون، مثلًا؟”
“بوزيون؟ ما هذا؟ أعرف عشب جيون.”
“آه، هو نفسه. عشبٌ تكرهه الأسماك بشدّة. لا يحبه سوى المارانغو.”
عبست الخادمات اللواتي تبعنني. لم يَرُق لهنّ أن أتبادل الحديث مع شيخٍ عامّي قذر كهذا.
لكنني ابتسمتُ في داخلي.
‘هذا هو بارون فورمان إذًا.’
أولًا، لو كان من أهل هذه المنطقة، لما اصطاد بهذه الطريقة في هذا الفصل.
ثانيًا، كنتُ أبدو بملامح باردة وخطى متعالية، نموذج النبيلة المتغطرسة. لم أكن شخصًا يسهل على عامّي أن يبدأ معه الحديث.
وثالثًا، بعدما تيقّنتُ من غرابة الأمر، ألقيتُ الطُّعم مباشرةً.
“نطق حرف ‘فو’ يجب أن يكون أطول قليلًا. أسماء الغرب تُلفظ أقرب إلى اللغة القديمة.”
لم يكن هناك شيء اسمه عشب بوزيون.
وكما قال الشيخ، الاسم الصحيح هو ‘عشب جيون’.
كنتُ فقط أريد سماع نطق حرف ‘فو’ من فمه.
‘يحاول الإخفاء، لكن اللهجة الغربية واضحة تمامًا.’
شيخٌ من الغرب يكلّمني، وهو يخفي هويته بمهارة.
لا شكّ أنه بارون فورمان، الخبير بأعمال الاستخبارات.
“آه… لم أكن أعلم ذلك. شكرًا لكِ على الإيضاح.”
انحنت أطراف عيني الشيخ قليلًا.
وفجأة، بدا لي أن عينيه تشبهان عيني ليوبولد.
ثم سأل بارون فورمان:
“لكن، من تكونين أنتِ يا آنسة؟”
وقبل أن أُجيب، اندفعت الخادمات إلى الأمام.
“انهض فورًا وقدّم التحية! إنها الآنسة بريسا من بيت ماركيز سيرس!”
“أما زلتَ واقفًا؟ اعتذر فورًا عن وقاحتك، واشكر الآنسة على سعة صدرها!”
“حتى لو كنتَ من العامّة، كيف تجهل الأدب إلى هذا الحد؟”
كان توبيخًا حادًّا كالصقيع.
اتّسعت عينا بارون فورمان، فنهض على عجل وانحنى بعمق.
“أ، أتشرف بلقائكِ!”
“انحنِ أكثر!”
ومع صراخ الخادمة، انحنى أكثر.
“أنا أوليفر هانسون، جئتُ لأستضيف عند قريبٍ لي في شارع جيزيل!”
كانت حركاته المتذلّلة ولهجته الريفية مقنعة تمامًا.
راقبتُ المشهد وفكّرتُ:
‘نعم… الجميع يكافح من أجل لقمة العيش.’
كان يتقن دور العامّي بإتقان، لإخفاء هويته.
لا بدّ أنه كان يعرف من أكون أصلًا.
أعجبتني تلك الجديّة.
‘من أجل البقاء، ينحني حتى لطفلة أصغر منه بنصف قرن…’
نظرتُ إليه بعينٍ مشفقة، بصدق.
—
‘خادمات من أصل ليينتي… إنهنّ مجنونات فعلًا.’
تنهد بارون فورمان في داخله.
كان عميلًا استخباراتيًا لدوق نوجِن، وإن كان قد تقاعد منذ سنوات.
‘لم أفعل هذا منذ زمن طويل… على الأقل لم أنكشف.’
متى كانت آخر مرة تنكّر فيها كعامّي؟
ومع ذلك، خداع طفلة نبيلة لم يكن بالأمر الصعب.
لكن المشكلة لم تكن هنا.
من مجريات الأمور، بدا أنه عالق في الوسط. كان ينوي البقاء ثلاثة أيام فقط والعودة.
‘ما هذا العناء في هذا العمر!’
كان فورمان محبطًا بحق. لم يتوقّع أن يقع في مأزق كهذا.
“ألا تشعر بالملل؟ ما رأيك أن تخرج قليلًا في رحلة قصيرة؟”
قبل فترة قصيرة، استدعاه دوق نوجِن، هيلبيري، وهو صهره.
أجاب فورمان بأسلوب نبلاء الغرب:
“هاها، أن أكون عين دوق نوجِن شرفٌ بسيط لي دائمًا، لكنني كبرتُ في السنّ…”
كان مستعدًا لرؤية الأمور فقط، لا للمشاركة في شيء كـموجة وحوش.
ضحك هيلبيري وقال:
“وماذا لو كان الأمر يتعلّق بمرشّحة لتكون دوقة؟ ليوبولد أرسل لها باقة زهور سرًّا قبل فترة.”
وهكذا وصل سرّ ليوبولد إلى جدّه من جهة الأم.
على أيّ حال، من ستكون شريكة ليوبولد؟
كان ليوبولد وريث آل نوجِن، لكنه أيضًا حفيده الذي يعزّه كثيرًا.
أن يفعل الصبي شيئًا خلف ظهر جدّه؟ بالطبع سيُكتشَف.
وفجأة، اشتعل الفضول.
“إذًا، سأذهب لأراها بعيني المتواضعة. من تكون؟”
رفع هيلبيري حاجبه قليلًا، ثم أجاب بصوت منخفض:
“بريسا سيرس. آنسة بيت ماركيز سيرس.”
لم تعد وريثة سيرس، بل مجرد آنسة ماركيز عادية.
سكت فورمان لحظة، ثم قال فورًا:
“سأنطلق حالًا.”
وهكذا صعد بارون فورمان إلى بوابة النقل بحماس.
كانت المنطقة الوسطى آمنة نسبيًا من الوحوش، فلم يصطحب مرافقين.
وبصفته عميلًا سابقًا، ما إن وصل حتى فهم الوضع العام بسرعة.
وحين همّ بالعودة إلى الغرب عبر البوابة ليقدّم تقريره:
“أووووه… أووووه…”
كان كل من يستخدم البوابة يهبط وهو يتقيّأ.
وعندما سأل المشرف، قيل له إن البوابة غير مستقرة لدرجة لا تناسب كبار السن، بل إن برج السحر يناقش تعليق استخدامها.
وفي تلك الأثناء، انتشرت الأخبار بسرعة عن ظهور موجات وحوش في أنحاء الإمبراطورية.
كانت المنطقة الوسطى محاطة بحدود جبلية مع إقطاعيات أخرى، وبدأت الوحوش تظهر عند تلك الحدود.
وهكذا ظهرت أول مشكلة حقيقية في الإمدادات الغذائية.
‘الوسط ازدهر تجاريًا لغياب الوحوش، لكن إنتاجه من الحبوب ضعيف. أي إنه غير مكتفٍ ذاتيًا!’
وهكذا علق بارون فورمان في الوسط.
المترجمة:«Яєяє✨»
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"