1 - العودة من حافة النصل
أهلاً يا رفاق! لقد حصلت مؤخراً على هذه الرواية الجديدة بالتعاون مع شيري
في الواقع، قامت عدة فرق بترجمتها سابقاً، لكن آخر تحديث كان في شهر فبراير، أي منذ أكثر من سنة كاملة
شعرتُ أنه من المؤسف أن نرى هذه الرواية مهملة يغطيها الغبار، لذا قررتُ أنا و شيري التعاون لترجمتها بأنفسنا.
وبالمناسبة، على الرغم من توفر الفصول الأولى بمجهود فرق أخرى، إلا أنني قررتُ البدء من الفصل الأول لوجود بعض التغييرات في الأسماء والمصطلحات و ايضا حبي للكتابة لانني ان وضعت الترجمة فقط لن يكون ذو حيوية و ذا مشاعر حقيقية لذاااا انا متحمسة جداا.
على أية حال، أتمنى أن تستمتعوا بقراءة الفصل الأول!
الفصل الاول
اعتلى “إيان” عرش الإمبراطورية في سنٍّ غضة، وقبل أن يبلغ سن الرشد، كان نصله قد نُحر.
بهاتين الجملتين فقط ستُخلد حياة الإمبراطور “إيان فيروسيون”.
فمن سيذكر إمبراطوراً شاباً جاء واختفى كالريح في زمن الاضطرابات؟
دخل رجلٌ إلى السجن الأرضي وأمسك بـ “إيان” من شعره.
كان وجهه غارقاً في الدماء، لكن نظراته ظلت حادة كما كانت دائماً. — “إيان، يا خالي.”
كان اسم الرجل “كروني”.
وبسبب شجرة عائلته المتداخلة، كان يكبر “إيان” بعشرين عاماً، مما يجعله ابن أخت (أو أخ) “إيان”.
ومع كل هزة يهز بها شعر “إيان”، كانت قطرات الدم الممزوجة باللعاب تتساقط من فمه.
— “كيف انتهى بك الأمر هكذا؟ لقد أخبرتك يا خالي، أنت تفتقر لفضائل الإمبراطور وكان عليك رفض هذا المنصب. لو أنك استمعت إليّ حينها، لما حدث شيء من هذا.”
اكتفى “إيان” بالتحديق في “كروني” بصمت. ويبدو أن تلك النظرة أزعجت “كروني”، فصفع وجه “إيان” بقوة.
“صفعة!”
— “حتى الصعلوك الأخرق يجب أن يعرف أين يضع قدميه قبل أن يمد بساطه! ذلك السحر! ما العظيم فيه على أي حال؟!”
تنهد “إيان” في داخله.
السحر، تلك القوة المقدسة والعظيمة التي يمكن اعتبارها أثراً خلفته الآلهة في هذا العالم.
ولهذا السبب تحديداً تمكن “إيان” من اعتلاء عرش الإمبراطورية.
— “خالي، انظر! سحرك الفاخر لا يستطيع حتى إيقاف خطواتي، أليس كذلك؟”
“دبّ! دبّ!” (صوت وقع الأقدام)
كان ذلك حقيقة.
فبفضل “أغلال ختم السحر” التي تقيد أطرافه، لم يعد “إيان” الآن سوى بشري عادي في التاسعة عشرة من عمره وحتى لو استطاع كسر الختم، فقد كان قدره محتوماً والموت يتربص به.
— “حتى لو كنتَ واحداً من بين عشرة آلاف، الساحر النبيل الأول أو ما شابه! كل هذا لا قيمة له أمام هذا النصل.”
“شحذ..”
استلّ “كروني” سيفه أخيراً.
ومهما كانت تهمة الخيانة الموجهة للإمبراطور المخلوع، فإن إنهاء حياته في سجن أرضي كهذا… أطلق “إيان” أخيراً ضحكة خافتة من فرط الذهول.
— “أتضحك؟”
— “أجل، إنه أمر مضحك يا كروني. لم نتغير، لا أنا ولا أنت. هل ما زلت تحسدني لأنني ساحر؟”
تصلبت ملامح “كروني” عند سماع كلمات “إيان”.
وكما هو حال كل شيء نادر، تزداد قيمته، وكذلك كان حال السحرة.
ففي إمبراطورية “باريل” بأكملها، كانوا نادرين لدرجة أن عددهم قد لا يصل إلى المئة.
ومن هنا، كان ظهور ساحر من عائلة نبيلة سابقةً هي الأولى في تاريخ الإمبراطورية.
— “أتذكر.. حين كنتُ طفلاً، أستخدم السحر دون دراية، قلتَ لي: ‘السحرة ثمينون، لكن معظمهم من عامة الشعب. إذا تم اكتشاف أمرك، فستُطرد من القصر. لذا اخفِ الأمر’.”
— “إيان.. ليس هذا وقت هذا الكلام.”
— “أليس مضحكاً؟ بالطبع، بما أن عامة الشعب أكثر عدداً بكثير من النبلاء، فإن معظم السحرة ينحدرون منهم.”
— “أغلق فمك!”
— “لماذا، هل أنت محرج؟”
— “قلتُ لك اخرس!”
“طاخ!”
أظلمت الرؤية أمام “إيان”.
كان ذلك بسبب قوة قبضة “كروني” التي استقرت على عينيه مباشرة.
سقط “إيان” ممدداً على الأرض، وشعر بألم ثقيل حين داس “كروني” على قفاه.
— “ما يهم هو أنني أقف هنا الآن، وأنت ملقى على الأرض. هذا هو الشيء المهم الوحيد.”
وجه “كروني” طرف سيفه نحو حنجرة “إيان”، مستعداً لقطع قصبته الهوائية دون أدنى تردد.
وفي تلك اللحظة، حدثت جلبة في الخارج.
— “سيدي كروني، لقد وصلت لتوّها رسالة عاجلة من الدوق ‘هيرون’.”
— “أهي بتلك الأهمية التي تستدعي المقاطعة؟”
— “أعتذر بشدة، ولكنها تبدو كذلك.”
نقر لسان “كروني” بنبرةٍ تفيض بالحنق والضيق، وهو يرفع قدمه الغليظة عن قفا “إيان”.
ألقى نظرةً أخيرة شزرة على جسد “إيان” الهامد الذي بدا وكأنه جثة بلا حراك، ثم انصرف بخطوات ثقيلة مغادراً القبو الموحش.
— “سيدي.. إيان.”
اخترق الصمتَ صوتُ حفيفٍ معدني مألوف، تبعه نداءٌ واهن.
كابد “إيان” مشقةً لفتح جفنيه المثقلين، ولم يسعفه وهنه حتى لالتفاتةٍ بسيطة.
وحين استجمع بقايا بصره وزاغ بنظراته، رأى “ناوم”، وزير السحر، وهو يعالج أغلاله بدموعٍ تنهمر على وجنتيه.
— “سيدي إيان، أتوسل إليك.. استعد وعيك، أرجوك!”
— “ناوم.. ما الذي.. ما الذي يحدث هنا؟”
— “ليس هذا وقت الشرح، عليك الفرار من هذا الجحيم، عليك أن تحيا! سيدي إيان، استجمع قواك بكل ما أوتيت من عزم.”
لكن أغلال “حجر الختم” لم تكن لتلين بسهولة.
تسللت خيوط القمر الشاحبة عبر كوةٍ صغيرة في السقف، لتسلط ضوءاً باهتاً على يدي “ناوم” اللتين بدت أطراف أصابعهما مهترئةً ومدميّة من شدة المحاولة.
— “توقف يا ناوم..”
— “سيدي؟”
— “أريدك أن تتوقف.. كفى.”
— “ماذا.. ماذا دهاك؟! ما الذي تقوله؟”
ارتسمت على ثغر “إيان” ابتسامة واهنة قبل أن يغمض عينيه مجدداً، وفي تلك اللحظة، طافت بمخيلته ذكريات دخوله الأول لوزارة السحر، كشريطٍ من نور في عتمة موته.
— “أنا مدينٌ لكم.. بفضلكم جميعاً، تحولتُ من مجرد ممارسٍ بسيط للسحر إلى ساحرٍ يشار إليه بالبنان، بل واعتليتُ عرش الإمبراطورية وعلى الرغم من قوري وعجزي الذي أورثني هذا المصير، يجب عليكم أنتم أن تنجوا.. أن تواصلوا المسير وتحموا إمبراطورية ‘باريل’.”
— “كلا، هذا محال! لا قيمة لوزارة السحر بلا وجودك يا سيدي. لذا، أرجوك، تمسك بالحياة واقتبس من سحري ما يعينك.. فموتك يعني نهاية كل شيء.”
“إذا مِتُّ، انتهى كل شيء”.. كانت تلك في الحقيقة أمنية “إيان” الخفية؛ فقد أثقلت السنين الثلاث التي قضاها على العرش كاهله، وحطمت روحه، وأذاقته من الآلام ما فاق طاقته على الاحتمال.
إلا أن “ناوم” لم يستسلم لليأس؛ بل أمسك بذقن “إيان” برفق وأجبره على تفرّس ملامحه.
— “تذكر ذلك المبنى الملحق التابع لوزارة السحر، القابع بجوار القاعة المركزية في القصر الإمبراطوري الثاني.. أتذكره؟ المكان الذي كنت تلوذ به كلما غلبتك الدموع عند دخولك القصر أول مرة.”
— “لم أبكِ إلا مرةً واحدة..”
— “ومع ذلك، تظل الحقيقة واحدة.”
“لماذا بكيتُ حينها؟”.. قطّب “إيان” حاجبيه محاولاً النبش في ركام ذكرياته الضبابية.
في تلك اللحظة، اعتلت ملامح “ناوم” رعدةُ خوفٍ وهو يلتفت نحو مدخل السجن؛ فقد استشعر اقتراب “كروني” الذي أنهى مهامه وعاد ليجهز على فريسته.
— “فكّ الحاجز السحري وتوارَ عن الأنظار بسرعة!”
— “لا أستطيع.. سيدي إيان، عليك أن تسلك ذلك الدرب. إذا ذهبت إلى هناك، ستجد مخرجاً للنجاة.”
— “ماذا تعني بذلك؟”
لم يجبه “ناوم” إلا بصمتٍ مطبق، بينما استحال وجهه شاحباً كئيباً، ليس بسبب عتمة السجن، بل من فرط القلق الذي يعتصر قلبه.
أحس “إيان” بحواسه تتلاشى، فتشبث بآخر ما تبقى له من قوة بطرف رداء “ناوم”.
— “ناوم، لقد سألتك.. أجبني!”
— “لقد مزجتُ دمي بجوهر السحر..”
— “ناوم!”
— “قالوا إنهم سيفتحون لك باباً للفرصة إذا ذهبت إلى هناك وانتظرت الجواب لا أدرى لِمَ ذلك المكان تحديداً، ربما لقصورٍ في قدراتي.. المهم الآن أن تسرع!”
إن قوة السحر، بطبيعتها، تضاد نواميس الكون؛ فإذا ما اختل توازن القوى ولو قليلاً، سقط المرء في هاويةٍ لا قاع لها.
الكنيسة أسمت ذلك “الجحيم”، أما السحرة، فدَعَوه “لعنة الخلود”.
— “هل قمتَ بليّ عنق الزمان والمكان؟!”
— “لم يكن أمامي خيارٌ آخر يا سيدي، لذا..”
— “لماذا.. لماذا فعلت ذلك؟!”
“صرير..” (صوت فتح الباب)
انبعث صوت متهكماً من عتبة الزنزانة:
— “كنت أعلم أن هذا سيحدث. حتى لو استأصلتُ كل هؤلاء الصعاليك في وزارة السحر، فلا فائدة تُرجى ما دام هناك وزيرٌ مثلك يظهر في طريقي، أليس كذلك؟”
كان المنشود هو “كروني” بذاته، يتبعه رجلٌ استبدلت فيه المبادئ بالأطماع، فكان المرشح لخلافة “ناوم” في رئاسة وزارة السحر.
كزّ “ناوم” على أسنانه في غضب مكتوم، وشرع ينفث سحره في الأثير؛ فتشكلت عند أطراف أنامله تموجاتٌ مضطربة، ورسمت في الفضاء أنماطاً دائرية لم يتألق نورها كما عهدها من قبل، إذ كانت طاقة “حجر الختم” الرابض على معصم “إيان” تخنق كل بصيصٍ للسحر في المكان.
صرخ “إيان” بصوتٍ مبحوح
— “ناوم! أرجوك.. لا تفعل! ستقتل نفسك!”
لكن “ناوم” أجابه بنبرةٍ وادعة رغم هول ما يقوم به
— “سيدي إيان.. لا بأس. الفرص دائماً ما تجد طريقها إلينا، والحكام لا تطرح سؤالاً إلا وقد أودعت معه الجواب.”
“وووش!” (دويّ اشتعال السحر)
اندلعت الدائرة السحرية بلهبٍ قانٍ كالجمر، لكن العجب أن تلك النيران لم تتوجه نحو “كروني”، بل كانت تنهش جسد “ناوم” ذاته، محولةً يده إلى وقودٍ لذاك السحر المحرم.
— “آاااارغ!” (صرخة ألم ممزقة)
— “كلا! ناوم.. توقف! اتركني ومتّ بسلام!”
رفع “إيان” رأسه المنهك وصرخ بكل ما أوتي من رمق؛ لم يعد يكترث لحياته التي تلاشت، بل لم يطق صبراً على رؤية الأحبة وهم يحترقون فداءً له.
الآن فقط، وبعد أن شارف على النهاية، أدرك “إيان” المعنى الحقيقي للسيادة؛ إن ثقل التاج لم يكن يوماً في الذهب والمجوهرات، بل في أرواح المخلصين الذين يحملونه عنه، وكان هو من يرزح تحت وطأة فدائهم، لا العكس.
— “آه..!”
حتى “كروني” نفسه ارتدّ مذعوراً، يحمي وجهه بيده اليسرى من لفح النيران المستعرة، ولولا الدرع الذي نصبه الساحر الخائن خلفه، لكان وجهه أثراً بعد عين.
— “تباً لهؤلاء السحرة الملاعين!”
في تلك الأثناء، شعر “إيان” بوعيه يغيب مجدداً تحت تأثير الحرارة اللافحة؛ استحال كل شيء حوله إلى بياضٍ ناصع، وتلاشت آلامه في أثيرٍ بعيد، حتى لم يعد يسمع سوى رنينٍ معدني يتردد في أذنه.
“كلانج!” (صوت اصطدام المعدن اي السيف)
لامس نصلُ سيفِ “كروني” عنق “إيان”..
هكذا كانت نهاية سنواته الثلاث فوق العرش الإمبراطوري.
كان يظن أنه قدّم لـ “باريل” أعز ما يملك، لكنه رحل مخلفاً وراءه مخلصين يُحرقون، وعنقاً مهيأةً للنحر.
همس “كروني” بكلماتٍ نضحَت بالقسوة
— “إيان.. إياك أن تولد ثانيةً في حياتك القادمة.”
مع تلك الكلمات المسمومة، انطوى عالم “إيان” في سكونٍ مطبق، سكونٍ ظنه ماهية الموت.. ولكن، ما لبث أن انقشع الضباب عن مشهدٍ لم يتوقعه.
— “شوكة.. وسكين؟”
ليس هذا فحسب، بل كان يمسك بهما مقلوبتين في يديه! رفع “إيان” رأسه ببطء شديد وعلى الرغم من أن جسده بدا ثقيلاً وكأنه يحمل أوزار الجبال، إلا أنه كان أخفّ من عذاب أيامه الأخيرة، شعورٌ يجعله يكاد يطير خفةً.
— “إيان.”
ارتفع صوتٌ من الجهة المقابلة، ليرى امرأة غريبة تنظر إليه بتعجّب وازدراء.
حديقة غنّاء فسيحة، أحواض زهورٍ نُسقت بعناية، ومائدة عامرة بأطايب الطعام تفترش الأرض أمامه.
وحين استعاد شتات وعيه، أدرك أن العيون المحيطة بالمائدة كلها مصوبةٌ نحوه.
— “آه..”
تمتم في نفسه
“لا يبدو أنني في الجحيم.. فهل هي الجنة إذن؟”
لكن المشهد لم يكن يختلف كثيراً عن ملامح حياته السابقة، بل بدا أقل شأناً وفخامةً مقارنةً بأروقة القصر الإمبراطوري.
— “لماذا يتصرف هكذا؟ إيان، ألقِ التحية على الضيوف.”
— “يبدو أنه يستعرض نقص تهذيبه أمامنا.”
— “تشيل، راقب كلماتك!”
— “إيان، تماسك واستعد رشدك.”
كان الفتى السمين الجالس بجانب المرأة ينفث كلماتٍ فظة، لكن “إيان” لم يعرْه اهتماماً؛ فقد أسكرته الرائحة الزكية للطعام التي دغدغت حواسه الخاملة منذ مدة.
لم يكن يذكر متى كانت آخر مرة ذاق فيها زاداً وهو حبيس ذاك القبو المظلم.
— “لا أدري ما هذا.. لكنه يكاد يفقدني صوابي.”
كانت غريزة الجوع هي التي نطقت على لسانه دون وعي.
وبحركةٍ فطرية تفيض بالرقي، عدّل “إيان” من وضعية أدوات الطعام في يديه، واتخذ هيئةً مهيبة في جلسته، ثم شرع في تقطيع قطعة اللحم وتناولها ببراعةٍ وسرعةٍ أذهلت الجميع، وبأناقةٍ لم يعهدوها فيه قط.
— “ممم..”
كانت حركاته رصينة ومهذبة، لا تليق أبداً بمن كان قبل لحظات يمسك بالشوكة كأنه يقبض على خنجر.
حتى تمتمات إعجابه بالطعم كانت خفيضة، وقورة، وبعيدة كل البعد عن الابتذال.
تسمّرت العيون نحوه؛ المرأة المقابلة له، الكونت، والكونتيسة -زوجة أبيه-، وأخوه غير الشقيق.. جميعهم كانوا يراقبونه بأعينٍ جاحظة، لا تصدق أن هذا هو “إيان” الذي يعرفونه
و هنا نهاية فصلنا يتبع قريبا
تعليق عن ارائكم فانا ساقرئها و شكرااا
Chapters
Comments
- 1 - العودة من حافة النصل منذ 5 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"
آرائكم رجاء🫂❤️