بصفتها مضيفة وقت الشاي، بدأت سيارا تتحرك بنشاطٍ منذ ما قبل حلول الموعد.
لم تكن تقبل بأي خطأ. تفقدت بنفسها الطاولات والكراسي في الحديقة التي سيقام فيها حفل الشاي، ورتبت أزهار الموسم بعنايةٍ وجمال.
وبعد أن دققت طويلًا في كل شيء، بدّلت ثيابها إلى فستان الحفل.
كان الفستان أبيض ناصعًا، تزينه جواهر صغيرةٌ تتلألأ كالنجوم، بينما انسدل شعرها اللامع كالخيوط الذهبية، وزيّنته بدبوسين مرصعين بالجواهر.
وما إن انتهت الخادمة المخصصة من وضع المكياج بعناية، حتى أطلقت الخادمات صيحات إعجابٍ وهن ينظرن إلى سيارا الجميلة. فابتسمت برضا أمام ردود أفعالهن.
بعد قليل، وصلتها أخبارٌ تفيد بأن الآنسات المدعوات بدأن يصلن واحدةً تلو الأخرى وتم توجيههن إلى مكان الحفل.
“وصلت الآن الآنسة هارنا جورن.”
“حقًا؟”
نهضت سيارا فور سماعها خبر وصول هارنا التي كانت تنتظرها.
وعلى عكس بقية الآنسات، اعتادت أن تستقبل هارنا بنفسها، وكان هذا ما تنوي فعله هذه المرة أيضًا.
ما إن خرجت إلى الحديقة حتى وقعت عينا سيارا على شعرٍ بلون برتقاليٍ نادر. ومع اقتراب هارنا خطوةً خطوة، تصلبت ملامح سيارا تدريجيًا.
كانت ترتدي فستانًا أحمر، لكن لم تكن هناك تلك الجواهر الفاخرة ولا الدانتيل المبالغ فيه الذي اعتادت عليه.
“الآنسة جورن يليق بها الفستان الفاخر. لا بد من هذا القدر ليبرز جمال وجهها، أليس كذلك؟”
عضّت سيارا شفتها بخفة، فهي التي كانت تحرّك هارنا من الخلف لتلبس دومًا الفساتين الباذخة.
الفستان البسيط الضيق الذي أبرز قوامها المثالية كان يليق بهارنا على نحوٍ لافت. وعلى عنقها، بدل القلادات الضخمة، كانت تلمع قلادةٌ فضية صغيرة.
تفحّصت سيارا هارنا من رأسها حتى قدميها، ولم تجد بدًا من الاعتراف، ولو قليلًا، بأنها تغيّرت.
فقد كان من تسليتها الدائمة أن تسخر في داخلها من هارنا المتأنقة كالمهرج.
‘ليس بعد. تغيّر الذوق في الفساتين لا يعني أن الإنسان تغيّر.’
ثم ارتدت ابتسامةً مصطنعة وتقدمت نحو هارنا.
“شكرًا لحضوركِ، آنسة جورن!”
عند التحية المشرقة، التفتت هارنا التي كانت تتأمل الحديقة ونظرت إلى سيارا بملامحها المعتادة المشوبة بالضيق.
‘كما توقعت.’
تنفست سيارا الصعداء قليلًا وهي ترى الوجه الذي تعرفه جيدًا.
“شكرًا على الدعوة.”
“هاه؟”
ثم تفاجأت سيارا من الكلام غير الرسمي وسألت بدهشة.
“….شكرًا لكِ، آنسة فورون.”
“آه، نعم. من هنا تفضلي. كل شيءٍ جاهز، وقد وصلت معظم الآنسات وهن بانتظارنا يا هارني.”
“لنذهب.”
وبطبيعيةٍ تامة، أضافت هارنـ”ـي” في نهاية كلامها، فتبعت هارنا سيارا التي سارت أمامها.
***
‘لم يُكشف أمري، أليس كذلك؟’
كيف تجرأتُ على الظن بأن آنسة الماركيز يمكنها التحدث بلا تكلفٍ إلى آنسة كونت في مجتمع طبقي كهذا؟
رغم أنني أتبعت كلامي سريعًا بصيغةٍ مهذبة، إلا أن قلبي ظل ينبض بقوة طوال الطريق، مستحضرة عيني سيارا المتسعتين كالأرنب المذعور.
‘انتبهِي!’
وصلنا إلى المكان حيث جلست آنساتٌ أنيقاتٌ باستثناء مقعدي ومقعد سيارا.
وما إن لاحظننا حتى نهضن للتحية، فتبادلت معهن السلام وجلست.
“يبدو الجو مختلفٌ قليلًا اليوم، آنسة جورن.”
“أحقًا؟”
ابتسمت بخفةٍ لمديح آنسةٍ لا أعرف اسمها، وتأملتُ فنجان الشاي أمامي.
كان فخمًا وباهظ الثمن واضحًا من النظرة الأولى. فلمست حافته بإصبعي السبابة، بينما شعرتُ بنظراتٍ موجهةٍ نحوي.
رفعتُ رأسي قليلًا فرأيتُ آنسةً واحدة. كان وجهها شاحبًا كأنها خائفة، تراقبني بقلق.
‘من تكون؟’
لو كان الحفل يقتصر على المقرّبات فقط لما بدت بهذا الانزعاج. بل إنها لم تكن منزعجةً فحسب، بل بدت قلقةً حد الارتعاش.
أملتُ رأسي وحدّقت بها دون مواربة. وما إن شعرت بنظري حتى خفضت رأسها بسرعةٍ وارتجف جسدها.
هل كانت مرعوبةً مسبقًا بسبب السمعة السيئة لهارنا؟
“آه، يبدو أنكِ ترين آنسة جورن لأول مرة. إنها الآنسة فيوني ديرلاين، ابنة البارون، وقد جاءت إلى العاصمة حديثًا. دعوتها خصيصًا لتتعرف على الجميع.”
قدّمت سيارا آنسة البارون، مؤكدةً كلمة “خصيصًا” بنبرةٍ ذات مغزى.
فأومأتُ برأسي بتعالٍ، ممثلةً دور هارنا.
“آسفة! أعتذر!”
‘فجأة؟’
لكنني لم أرتبك. فهذه ليست أول مرةٍ يحدث.
ابتسمت بتكبرِ وسألتها.
“عمّ تعتذرين؟”
“لأن شخصًا وضيعًا مثلي تجرأ على حضور حفل شايٍ يجتمع فيه أصحاب المقام الرفيع.”
“آنسة ديرلاين.”
“نعم؟”
رغم أنني لم أضايقها، كانت فيوني على وشك البكاء.
فاقتربت منها وابتسمتُ ابتسامةً حاولتُ أن تكون لطيفة.
“أنا لا أحب الأشخاص الذين يبكون.”
“آسفة….هِق!”
“لذا لا تبكي. وجهكِ الجميل سيصبح قبيحًا.”
كتمت فيوني دموعها بصعوبةٍ عند سماع كلامي، فناولتها منديلًا كنتُ أحمله. ثم عدتُ إلى مقعدي وكأن شيئًا لم يكن.
و حدقت بقية الآنسات في المشهد وهن فاتحات أفواههن بدهشة. حتى سيارا كانت تنظر إليّ، وقد اختفت ابتسامتها لتحل محلها ملامح جامدة.
جلست وأنا أهزّ كتفي تجاههن. فلا بد أن هذه كانت صورةً جديدة لهارنا لم يرينها من قبل.
ففي العادة، كنت سأسخر من فيوني الخائفة وأتسلّى بإيذائها. لكنني لم أعد هارنا السابقة. سأعيش ممثلةً دورها، نعم، لكنني أرفض ضرب الناس بلا سبب.
تبدد الجمود الذي خيّم على الأجواء بفضل الخادمات اللواتي ظهرن في الوقت المناسب وهن يحملن أباريق الشاي. و ملأن الفناجين ثم انسحبن.
وأنا أرتشف الشاي، ألقيتُ نظرةً خفيفة على فيوني، فرأيتها تمسح دموعها المتجمعة بحذرٍ بالمنديل.
و شعرت بالشفقة عليها، لكنني خشيتُ إن تحدثتُ إليها أن تنفجر بالبكاء مجددًا، فآثرتُ الصمت.
‘على كل حال، هذا الشاي لذيذٌ حقًا. ترى، هل يمكنني أن أسأل لاحقًا عن نوعه؟’
“همهم، بالمناسبة، لم يتبقَ سوى شهرين على حفل القصر الإمبراطوري.”
“صحيح. بما أنه احتفال ميلاد جلالة الإمبراطور، علينا الاستعداد له بعنايةٍ مسبقًا.”
لتغيير الأجواء التي أصبحت متوترة، بدأت آنستان بالحديث.
كنتُ أعرف جيدًا حفل القصر الإمبراطوري الذي يُقام احتفالًا بميلاد الإمبراطور. فهو اليوم التاريخي الذي يشهد اللقاء الأول بين البطل كاردن والبطلة ماي في الرواية.
وبينما كنتُ أفكر فيما ينبغي عليّ فعله عندما ألتقي بماي في الحفل، انتقل حديث الآنسات تدريجيًا إلى الفساتين الرائجة والحلي.
وأنا أستمع إلى أحاديثهن دون أن أشعر بمرور الوقت، وجدت أن فنجان الشاي الذي كنتُ أرتشفه قد فرغ.
بدت الخادمة التي كانت تنتظر قرب الطاولة وكأنها لاحظت الفنجان الفارغ، فتقدمت نحوي. ومن ملامح وجهها المتوترة وهي تنحني للتحية، شعرتُ بشيءٍ غير مريح.
‘أشعر أن مصيبةً على وشك الحدوث.’
راقبت يد الخادمة المرتجفة بقلق، ثم وبردة فعلٍ سريعة، سحبت الكرسي إلى الخلف مبتعدةً عن الطاولة. وفي اللحظة نفسها، سكبت الخادمة عديمة الخبرة الشاي بغزارةٍ باتجاهي.
لحسن الحظ، لم يتناثر عليّ سوى بضع قطرات. وعندما لطخت قطراتٌ صغيرة الفستان بلونٍ داكن، اقتربت فيرا ومسحته بمنديل.
الخادمة التي كانت تراقب المشهد بوجهٍ مصدوم، ركعت فورًا على العشب المبتل وانحنت برأسها حتى الأرض.
“لـ، لقد ارتكبت ذنبًا يستحق الموت. أعتذر، آنستي.”
‘لا يصل الأمر إلى ذنبٍ يستحق الموت.…’
فلا أحد يتقن عمله منذ البداية.
عندما رأيتُ الخادمة راكعة، تذكرتُ أول مرةٍ توليت فيها دور البطولة.
رغم أنني مثلت طويلًا كممثلةٍ طفلة وفي أدوارٍ ثانوية، إلا أن ضغط لقب “البطلة” جعلني أتوتر بشدة.
تكررت اللقطات الخاطئة، وكنتُ أعتذر مرارًا لزملائي. حينها، وقد بدا أن المخرج لاحظ شدة توتري، اقترح استراحةً قصيرة.
و بينما كنتُ ألوم نفسي داخل السيارة، اقتربت مني ممثلةٌ كبيرة وربتت على كتفي، قائلةً أنه من الطبيعي أن أرتبك في أول دور بطولة.
قالت لي أن تكرار الأخطاء لا بأس به، فلا داعي للقلق، ومنحتني تلك الكلمات الشجاعة لأركز مجددًا على التصوير. وبالطبع، بعد ذلك نادرًا ما أخطأتُ.
غاص وجهي قليلًا في ذكريات الماضي قبل أن يتلاشى ذلك الشرود.
لكنني الآن أمثل دور هارنا، ولا يمكنني تجاهل هذا الخطأ ببساطة. فلو فعلتُ، لانكشف أن هارنا لم تتغير قليلًا فحسب، بل أصبحت شخصًا آخر.
فوقفتُ أمام الخادمة الصغيرة بملامح شرسة تقول: ‘أنا غاضبةٌ جدًا!’
وعندما رأت سيارا هارنا تنهض من مكانها وقد تشوهت ملامحها بسبب خطأ الخادمة، ابتلعت ابتسامة داخلها.
‘كما توقعت.’
كانت قد شعرت بالقلق قليلًا عندما لم تتفاعل هارنا مع طُعم فيوني سابقًا، لكن هارنا استجابت للطُعم الثاني.
‘رغم أنه من المؤسف أنها لم تُصب بماء الشاي.’
أخفت سيارا أفكارها بإتقان ونهضت لتقف بجانب هارنا.
“آنسة جورن، أنا آسفة حقًا. آن خادمةٌ لم يمضِ على دخولها سوى أسبوعٍ واحد، ويبدو أنها لا تزال غير ماهرة. إنه تقصيري أن أسمح لها بخدمة آنسةٍ مثلكِ.”
قالت كلمات الاعتذار وهي تراقب هارنا بنظرة مترقبة.
‘يا ترى، أي مزحةٍ مسلية ستفعلين اليوم؟’
تذكرت سيارا كيف صنعت هارنا جرحًا طويلًا على وجه آنسة بارونٍ أحضرتها كلعبةٍ في حفلة شاي سابقة، وتطلعت بشغفٍ إلى الشر القادم.
واليوم، لم تكن الضحية حتى نبيلة، بل خادمة. طفلةٌ ارتكبت خطأ جسيمًا بتلويث فستانها، ولو قليلًا.
ثم تحركت يد هارنا.
‘هل ستبدأ اليوم بالضرب؟’
و رفعت سيارا يدها إلى فمها متظاهرةً بالدهشة، بينما ارتسمت ابتسامةٌ على شفتيها.
***
“انهضي. لا يمكنني مسامحتكِ لأنكِ لوثتِ فستاني.”
رغم برودة الصوت وحدّة النظرة، كانت اليد التي أمسكت بيد الخادمة وساعدتها على النهوض لطيفةً للغاية.
‘ماذا تفعل؟’
كادت سيارا تفشل في ضبط تعابيرها وهي ترى تصرفات هارنا الغريبة المفاجئة. و تماسكت سريعًا وراقبت بصمت.
“فيرا.”
نادَت هارنا خادمتها الواقفة خلفها. وعندما تقدمت فيرا، أشارت هارنا بإصبعها نحو الخادمة الصغيرة التي كانت تنظر بقلقٍ بين وجهها ووجه سيارا.
“أزيحي هذه الطفلة من أمامي. مجرد رؤيتها يثير غضبي.”
عبست وأدارت رأسها، فبادرت فيرا بسرعةٍ إلى اقتياد الخادمة التي أخطأت بعيدًا.
“آنسة جورن؟”
نادتها سيارا وهي مذهولةٌ بعد أن رأت هارنا ترسل الخادمة بسلامٍ دون أي ضربٍ أو إهانة. وعند هذا النداء، ابتسمت هارنا وأمسكت بيد سيارا.
“لا بأس. حتى لو أخطأت الخادمة، فلن ألوم المضيفة، آنسة فورون. يكفي أن نكون أكثر حذرًا في المرة القادمة، أليس كذلك؟”
“آه….”
ابتسمت هارنا ابتسامةً واسعة وهي تطمئن سيارا، ثم عادت وجلست في مكانها.
وفي تلك الأثناء، كانت خادماتٌ أخريات سريعات الحركة قد نظفن المكان بعناية، ووضعن فنجانًا جديدًا مليئًا بالشاي الدافئ.
فارتشفت هارنا الشاي بهدوءٍ وكأن شيئًا لم يحدث.
طقطقة-
وبينما كانت تراقب المشهد، أخذت سيارا تطحن أسنانها بصمت، وقبضت على طرف فستانها بإحكامٍ دون أن تُظهر ذلك على ملامحها.
____________________
الحين ذي وش تبي بالضبط 🤡 لاهي المستفيده ولا هي الخسرانه يعني ليه لازم تخلي هارنا شريره؟ مجنونه
المهم حتى هارنا ذي رقعت هارنا الاولى سوت اشياء واااجد عشان كذا ادعم تكملين ذا التمثيل يضحك😂
خساره كان ابي اشوفها بالفستان الاحمر شكله واو انت الي في الغلاف وردي بس☹️
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"