“من تجرأ على فعل هذا؟”
حاول كاردن أن يعانقني مجددًا، لكنه ما إن رأى التعبير الحازم على وجهي الذي يقول أن ذلك مستحيل، حتى نهض بلا قوة.
ثم اتجه نحو الباب بخطواتٍ توحي بأنه لن يغفر أبدًا لمن تجرأ على مقاطعة وقتنا، وفتح الباب.
“سيدي الدوق، حان وقت المغادرة. آنسة جورن أيضًا يجب أن تعود، فلنحدّد موعدًا آخر لاحقًا.…”
“ترين.”
ما إن فُتح الباب حتى ظهر ترين، متجنبًا نظرات كاردن، وأرسل إليّ نظرة استغاثة.
ولم أكن لأفوّت هذه الفرصة، فتقدمتُ إلى جانب كاردن،
“دوق، لقد تأخر الوقت اليوم، فلنؤجل الأمر إلى مرةٍ قادمة.”
“هارنا، حتى قلبكِ جميل.”
لمحتُ من طرف عيني حدقتي ترين المرتجفتين وهو ينظر إلى كاردن. فحتى بالنسبة له، كان تصرف كاردن غريبًا بلا شك.
أمسك ترين بذراع كاردن، ومع ذلك لم يستطع كاردن أن يرفع عينيه عني حتى اللحظة الأخيرة، مواصلًا تمثيل دور العاشق الكامل.
“يا جنيّتي الجميلة هارنا، عندما نلتقي مرةً أخرى ستكون لحظةً أعمق-كخ!”
“نعتذر، سننسحب أولًا.”
غطّى ترين فم كاردن على عجل وانحنى معتذرًا، ثم غادر المكان مسرعًا.
ولوّحتُ بيدي بخفة وأنا أنظر إلى تلك العينين البنفسجيتين اللتين ظلّتا تحدقان بي بشفقةٍ حتى النهاية.
وحين عمّ الصمت كأن عاصفةً قد مرّت، ترنحتُ دون وعي.
“آنستي!”
أسرعت فيرا نحوي وأسندتني، فاتكأتُ عليها وأطلقتُ زفرةً طويلة.
إن لم يكن كاردن قد جُنّ فعلًا، فلا بد أنه ممثلٌ لا يقل مهارةً عني.
***
ظلّ كاردن ينظر بعينين ممتلئتين بالأسف إلى المكان الذي اختفت فيه هارنا، حتى غابت تمامًا عن ناظريه.
وحين أصبح الابتعاد عنها أمرًا لا يُحتمل، كانت قد اختفت كليًا.
وفي تلك اللحظة، عاد وعي كاردن الذي كان يُسحب جرًّا على يد ترين.
“هل أُصبتَ فعلًا في رأسك؟ أقسم أنني شككتُ في أذني! جنيّتي؟ واو، لم أكن أعلم أن سيدي الدوق قادرٌ على قول مثل هذه الكلمات! لقد غمرتني قشعريرةٌ حقيقية!”
لم يكن ترين يدرك أن النظرة الواقعة في الحب قد زالت من عيني كاردن، فانهال عليه بسيلٍ من التوبيخ.
وبينما كان يستمع، نفض كاردن يد ترين.
“حتى لو قلتَ أنكَ ستعود إلى الآنسة جورن، فسأمنعكَ مهما كلف الأمر!”
“لن أعود.”
“ماذا؟”
توقف ترين مذهولًا حين أدرك متأخرًا التغير في نبرة صوت الدوق، بعد أن كانت مليئةً بالتكلف والعاطفة.
ثم وضع كاردن كلتا يديه على رأسه، وهو يستعيد ما حدث.
“سيدي الدوق، هل أنتَ بخير؟”
“لا. لنعد أولًا.”
تجاهل نظرة القلق في عيني مساعده، واتجه مسرعًا نحو العربة. بينما كانت كلماته وتصرفاته تتردد في رأسه بلا توقف.
‘لا بد أن أحدهم عبث بجسدي.’
قبض كاردن يده بقوة.
كان عليه أن يتجنب لقاء هارنا لفترة، وأن يعرف في تلك الأثناء ما الذي حدث له بالضبط.
***
انتشرت شائعةٌ في العاصمة. شائعةٌ تقول أن هارنا، المعروفة بطبعها العنيف والقاسي، قد تغيّرت وكأنها شخصٌ آخر.
انتقلت الشائعة سريعًا عبر التجار الذين شهدوا تغيرها، وعبر الخدم والخادمات العاملين في قصر الماركيز جورن.
وكانت الخادمة آرين، التي طُردت بعد تلقيها مجوهرات، تروي لكل من تراه أن بفضل هارنا استطاعت البقاء إلى جانب أمها المريضة، محدّثةً الجميع عن طيبة قلبها.
وهكذا انتقلت الشائعة من عامة الناس إلى طبقة النبلاء.
تلقت سيارا الخبر الذي لم يعجبها، فضربت الطاولة عدة مرات، وضاقت عيناها الزرقاوان الشبيهتان بالبحيرة.
فكرت طويلًا، ثم شدّت الجرس وأمرت الخادمة بإحضار بطاقة دعوة.
و كتبت سيارا دعوةً لحفل شاي بخطٍ جميل، ثم ختمت الظرف بالشمع.
[إلى الآنسة هارنا جورن]
و ابتسمت ابتسامةً خفيفة وهي تنظر إلى الاسم المكتوب على الظرف.
“لنرَ إن كانت الشائعات حقيقةً أم كذبًا.”
***
بعد عودتي إلى المنزل، عيّنتُ فيرا خادمةً خاصةً بي.
نظرت رئيسة الخدم إلينا بالتناوب بعينين متفاجئتين. و حدّقتُ بها بصمت، فأدركت خطأها وانحنت سريعًا، لكن مزاجي كان قد تعكّر بالفعل.
‘كأنني هدّدتُ فيرا لتصبح خادمةً خاصةً لي!’
نفختُ بضيقٍ ودخلت غرفتي.
‘سأعامل فيرا معاملةً تجعل الجميع يحسدها!’
و جلستُ على الكرسي وأنا أعبس بشفتيّ، فعادت إلى ذهني اعترافات كاردن ونظراته.
‘لا يعقل أنه يحبني فعلًا، أليس كذلك؟’
بدأتُ أحلل تصرفاته غير المفهومة.
ومهما كان السبب، كان عليّ أن أتجنبه حتى أفهم نواياه بوضوح. فأنا، على أي حال، لا أملك مشاعر نحوه كما كانت هارنا الأصلية، لذا لن يكون تجنبه مشكلة.
أخذتُ حمامًا قصيرًا لأخفف عن جسدي المتعب، ثم تمددتُ على السرير.
كنتُ قد مشيت كثيرًا بعد زمنٍ طويل، وشعرتُ أنني سأنام فور إغماض عيني. وقبل أن أغفو تمامًا، سمعتُ طرقًا مرتين على الباب.
فأخرجتُ رأسي فقط من تحت الغطاء،
“فيرا، ادخلي.”
كنا قد اتفقنا سرًا أن تطرق فيرا الباب مرتين لأعرف من الطارق.
و دخلت فيرا وألقت التحية بأدب، ثم اقتربت مني.
“ما الأمر؟ لا بد أنكِ متعبة، ارتاحي.”
“وصلت دعوة. تذكرتُ أنكِ قلتِ أن دعوة الآنسة سيارا يجب إحضارها فورًا.”
مدّت فيرا إليّ ظرفًا بلونٍ ورديٍ فاتح. فتوترتُ بلا سبب أمام أول دعوةٍ أتلقاها، وترددتُ في فتح الظرف.
‘لن تكون مبارزة، أليس كذلك؟’
تخيلتُ لوهلة فتياتٍ نبيلات يتقاتلن بالسيوف، ثم فتحت الظرف بشجاعة وأخرجت الرسالة.
كانت مكتوبةً بخطٍ دائري لطيف، تفيد بإقامة حفل شاي بعد يومين في بيت الكونت فورون، مع طلب الحضور.
‘سيارا فورون.’
قرأتُ الاسم في نهاية الرسالة.
‘من كانت؟ بما أن هارنا كانت تهتم بها، فلا بد أنهما كانتا مقربتين.’
وبينما أحاول تذكر اسم سيارا، سألتني فيرا التي كانت تنتظر.
“هل ستكتبين الرد؟”
“نعم.”
قدّمت لي فيرا ورق الرسائل والظرف اللذين أعدّتهما مسبقًا.
و بصراحة، لم أرغب في الذهاب. فالتوتر خوفًا من انكشافي، والتعامل مع أشخاصٍ لا أعرفهم، كان أمرًا مرهقًا.
لكن إن أردتُ العيش كنَبيلة تُدعى هارنا، فكان عليّ التأقلم مع مثل هذه الأمور.
حدّقتُ طويلًا في الورقة، ثم تذكرت كتاب الإتيكيت الذي قرأته سابقًا، وكتبت الرد. و ختمت الرسالة بالشمع وسلّمتها إلى فيرا.
“أرسليها جيدًا.”
“نعم. نامي بعمق.”
راقبتُ فيرا وهي تغادر بابتسامةٍ خفيفة، ثم عدتُ فتمدّدتُ على السرير وتمطّيت.
‘هاااه، سأفكّر في من تكون سيارا لاحقًا، ولننم الآن!’
***
في صباح اليوم التالي، كانت سيارا تبتسم وهي تقرأ الرد الذي وصلها باكرًا.
“حسنًا، حتى لو تغيّرتِ، فأنتِ في النهاية هارنا جورن.”
فتحت سيارا الرسالة، وبدت راضيةً عن الرد الذي لا شك أنه كُتب فور استلام الدعوة.
كانت قد أقلقتها الشائعات عن تغيّرها بلا داعٍ. فهارنا، في نظرها، لم تكن سوى دميةٍ بسيطة، تتحرّك كما يُراد لها بمجرد إرضاء مزاجها قليلًا.
“أي لعبةٍ ستكون ممتعةً هذه المرة؟”
فارتسمت ابتسامةٌ مستمتعة على شفتي سيارا وهي تفكّر في إعداد أفضل لعبةٍ تُرضي هارنا.
***
“هاااام.”
تثاءبتُ طويلًا وعدتُ أستلقي على السرير.
عشتُ حتى الآن منشغلةً بالتأقلم مع حياة هارنا، لذا قررتُ أن يكون اليوم يوم راحةٍ على طريقتي.
بعد أن تناولتُ فطورًا خفيفًا مع الماركيز جورن، بقيتُ ممددةً حتى الآن، وكان ذلك جنةً حقيقية.
لولا القليل من الملل بسبب غياب الهاتف المحمول، لظننتُ أنني قادرةٌ على البقاء في هذه الغرفة أسبوعًا كاملًا دون أن أتحرّك.
طعامٌ يُقدَّم في وقته، وهناك من يعتني بغسلي، ومن يجلب لي الوجبات الخفيفة والشاي….حياة الآنسة النبيلة كانت الأفضل!
‘حسنًا، فلنتدرّب قليلًا اليوم أيضًا.’
نهضتُ بعد طول استلقاء واتجهتُ نحو المرآة. فمهما كان الممثل بارعًا، فلا يجوز إهمال التمرين.
أولًا، تعبير الغضب!
‘جيد، شرّ متكدّسٌ تمامًا!’
تعبير الانزعاج!
‘أوف، مخيف.’
النظر بازدراءٍ من أعلى إلى أسفل!
‘همف، هذا تعبيرٌ أجيده.’
كنتُ أتدرّب على السخرية برفع طرف فمي طويلًا.
“آنستي، الفستان الذي سترتدينه غدًا في حفل الشاي.…”
دخلت فيرا بعد أن طرقت الباب، والتقت عيناها بي وأنا أتدرّب أمام المرآة على ابتسامةٍ فاسدة.
ى ساد الصمت لوهلة، ثم تصلّب وجهها وأغلقت فمها.
“هل أدخل لاحقًا؟”
لو كان ذلك قبل فترة، لكانت ركعت معتذرةً حتى في مثل هذا الموقف، لكنني رأيتُ فيرا تسأل بحذرٍ بعدما عرفت ما أكرهه، فابتسمتُ ابتسامةً عريضة.
‘ذكيةٌ جدًا. أحسنتُ اختيار خادمتي الخاصة.’
و هززتُ رأسي مبتسمةً برضا.
“لا، تعالي. لنذهب لاختيار فستان الغد.”
اتبعتُ فيرا التي قادتني إلى غرفة الملابس.
ولحسن الحظ، كنتُ قد اشتريت عددًا كبيرًا من الفساتين، فلم يكن هناك داعٍ للقلق بشأن ارتداء شيء مبالغٍ فيه.
“أيّها أفضل؟”
بما أن الحفل بسيط، فالفستان الأبيض النقي سيكون مناسبًا، وكذلك الفستان الأحمر ذو اللون الجريء لكن التصميم الأنيق.
بدا أن فيرا لاحظت حيرتي بين الاثنين، فأخرجت الفستان الأحمر.
“أظن أن هذا الفستان أفضل.”
“لماذا؟”
“لأن احتمال أن يتطابق الفستان الأبيض مع لون فستان الآنسة سيرا كبير.”
إذًا سيارا تحب اللون الأبيض؟
سجّلتُ هذه المعلومة الجديدة في ذهني وأومأتُ برأسي.
و لم يكن يهمني كثيرًا، فالأبيض أو الأحمر كلاهما يليق بي. لكنه أفضل من أن أرتدي لونًا مماثلًا للمضيفة وأُقارن بها.
“حسنًا. لنجرّبه.”
“نعم.”
وبمساعدة فيرا، بدّلتُ الفستان، ولم أستطع إلا أن أُعجب.
‘هارنا، أنتِ حقًا.…!’
حين رأيتُ انعكاسي في المرآة بطولها، لم أستطع إغلاق فمي.
‘جميلةٌ و أنيقة!’
من كان يصدق أن يأتي يومٌ أُشفى فيه من عقدة الصدر الصغير التي لازمتني حين كنتُ يون سونغ آه؟
“أظن أن هذا الحُليّ سيليق بهذا الفستان.”
“فلنفعل ذلك.”
لم أكن أمتلك ذوقًا عاليًا في الأزياء، لذا وثقتُ بفيرا وعدتُ إلى الغرفة.
في البداية، كنتُ أكره فكرة الذهاب إلى حفل الشاي وأشعر بالضيق والقلق، لكن الآن، وأنا أفكّر بالخروج مرتديةً هذا الفستان الجميل، بدأتُ أتحمّس كطفلةٍ تنتظر نزهة.
***
انطلقتُ نحو قصر عائلة فورون القريب، وفتحتُ نافذة العربة وأغمضتُ عينيّ مستمتعةً بالنسيم العليل.
كان الطقس رائعًا. حتى فيرا التي جلست معي في العربة بدا وجهها مشرقًا، وكأن النسيم حسّن مزاجها.
بعد قليل، سُمع صوت السائق وهو يوقف الخيول. وما إن توقفت العربة تمامًا، حتى اقتربت فيرا ورتّبت الفستان والشعر، ثم أصلحت المكياج بخفة، فنهضتُ بهيئة آنسةٍ نبيلة لا تشوبها شائبة.
“إذًا، لننطلق.”
كان هذا أول تجمعٍ اجتماعيٍ أحضره منذ أن دخلتُ جسد هارنا.
‘من دون ارتباك، كما تدرّبتُ.’
حاولتُ تهدئة نفسي، مذكّرةً ذاتي بأنني قادرةٌ على التمثيل تمامًا مثل هارنا. وسأُظهر أيضًا بشكلٍ طبيعي أن هارنا قد تغيّرت عن السابق.
‘إن لم أستطع الهرب، فلأستمتع بالأمر….هيا بنا إلى حفل الشاي!’
_______________________
ترين بتجيه لحسة مخ بعد الي شافه😂
وذي سيارا شكلها تستس؟ خلها تهكد شوي قبل تجي ماي
المهم هو واضح كاردن يشك في هارنا بس ودي يشوف انها تتجنبه ويدري مالها دخل ثم يوقع صدق ويطلع لهارنا القديمه لها دخل وهاااااااهتعاهاعاعاهاها
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"