مرّ بعض الوقت، وأسندتُ جسدي إلى سور التراس أراقب الناس.
كان هذا المكان لا يختلف عن غيره. فالناس يعملون بانشغال، وحين يحين يوم الراحة يستمتعون بحياتهم بحرية.
الممثلة يون سونغ آه كانت تعيش دائمًا حياةً تحت أنظار الجميع.
حين أقف تحت الأضواء الساطعة، كانت عدة كاميراتٍ تلتقطني، وحين أمشي في الشارع لم يكن صوت الكاميرات الخفية يفارقني.
وبسبب ذلك، لم أستطع التجول بحرية، ولا الاستمتاع بهواياتي كما أشاء.
في أيام العطلة، كان أقصى ما أفعله هو مشاهدة التلفاز في المنزل أو التمرن على أجهزة الرياضة في الغرفة، كهواياتٍ بسيطة.
والآن حين أسترجع الأمر، كانت حياةً مملةً ووحيدة فعلًا. لم يكن هناك “أنا”، بل كنتُ أعيش فقط مشاعر وحياة شخصٍ موجودٍ في السيناريو.
‘حسنًا، على الأقل كان التمثيل ممتعًا.’
داعبت نسمةٌ لطيفة خصلات شعري البرتقالي، فبادرت فيرا التي كانت تقف بجانبي إلى تثبيت شعري المتطاير بدبوسٍ مزين بجوهرةٍ جميلة لا أدري من أين أتت به.
“شكرًا لكِ، فيرا.”
فابتسمت فيرا بعينين منتفختين،
“حين جئتُ للعمل لأول مرة في بيت الماركيز جُورن، كنتُ خائفةً جدًا.”
و التفتُّ إليها وأنصتُّ باهتمام.
“وعندما آذيتُ رأسكِ عن طريق الخطأ منذ مدة، ظننتُ أنكِ ستجعلينني صلعاء.”
“فعلًا؟”
“نعم. لكن ليس الآن.”
راحت فيرا تعبث بأصابعها.
“أنا سعيدةٌ لأنني أخدمكِ، آنستي.”
“شكرًا لكِ.”
“لأنكِ شخصٌ طيب، آنستي.”
فابتسمتُ تلقائيًا عند سماع كلماتها.
‘حسنًا، وما المشكلة إن كان تمثيل دور الشريرة غريبًا؟ ما دام هناك من يقدّرني هكذا.’
***
“هل من الضروري فعل هذا اليوم تحديدًا؟”
“بما أن الدوق لا يخصص وقتًا منفصلًا، فالأفضل أن نفعلها الآن، أليس كذلك؟”
قال ترين ذلك بلهجةٍ حازمة دون أن يتراجع، رغم أن كاردن كان يرمقه بوجهٍ نادرًا ما يظهر عليه الانزعاج.
كان كاردن بحاجةٍ إلى وقتٍ خاص بمفرده ليفهم سبب تصرفاته الغريبة تجاه هارنا.
لذلك، حين توقفت العربة أمام محل الأزياء بدلًا من التوجه إلى قصر الدوق، شعر بالحيرة، واضطر للنزول مجبرًا بسبب ترين، متنهدًا طوال الوقت وهو يبدل ملابسه داخل المتجر.
“ألا يمكن اختيار أي شيءٍ بسرعة؟”
“يجب أن تجرّب الملابس بنفسكَ لتعرف إن كانت تليق بكَ! لم تنسَ حادثة حفل القصر العام الماضي، أليس كذلك؟ هذه المرة يجب أن تظهر بأفضل هيئة.”
اشتعلت عينا ترين بحماسةٍ تنافسية واضحة، مما جعل كاردن يعبس ثم يزفر مستسلمًا.
***
ولي العهد بايران كيرن بايروز، ودوق لوتورنو كاردن. كانا الرجلين الأكثر كمالًا في مجتمع النبلاء بإمبراطورية بايروز.
لم يكن الأمر يهم كاردن، لكن من حوله كانوا دائمًا يقارنونه ببايران.
شعرٌ ذهبي توارثته العائلة الإمبراطورية، ملامح جميلة، وطبعٌ ودودٌ، كان هذا هو بايران.
وفي المقابل، شعرٌ داكن كلون الليل، ملامح رجولية، وشخصيةٌ جافة، وكان هذا هو كاردن.
رجالٌ مختلفو الجاذبية، جعلوا قلوب الفتيات غير المتزوجات تخفق.
لكن بسبب قلة حضور كاردن للحفلات، لم يكن من الممكن رؤية الاثنين معًا إلا في المناسبات الرسمية التي تقيمها الإمبراطورية.
في مثل هذا الوقت من العام الماضي، واجه كاردن مشكلةً في القافلة التجارية التي يديرها سرًا، فكان غارقًا في العمل. سهر ثلاث ليالٍ متتالية، ولم يدرك إلا متأخرًا أنه مطالبٌ بحضور الحفل.
فارتدى زيًا رسميًا على عجل، فهو ينوي الظهور قليلًا ثم المغادرة، و ما إن صعد العربة حتى غلبه النوم كالمغشي عليه.
وعند وصوله إلى القصر الإمبراطوري، نزل من العربة بعقلٍ مشوشٍ على صوت خادم القصر ينادي اسمه.
خلال سيره نحو قاعة الحفل، كان يسمع همسات النبلاء. وبما أنها كانت عبارات الإطراء المعتادة على مظهره عند كل ظهور، لم يعرها اهتمامًا.
وبينما كان يمشي بنعاس، اندفع ترين، الذي وصل قبل ذلك بسبب عملٍ ما، وأمسك بذراع كاردن بجنون.
“هل جئتَ هكذا، سيدي الدوق؟”
“لماذا؟”
“شعركَ الخلفي منفوش، وتحت فمكَ أثر أبيض….لا تقل إنه أثر لعابٍ جاف؟ وما هذا الحذاء؟”
فنظر كاردن إلى حذائه.
“نسيتُ تبديله.”
كان الحذاء الأبيض الجلدي المترهل، غير المتناسق مع بدلته الداكنة، هو ما يرتديه عادةً أثناء العمل.
التأخر جعله يخرج على عجلٍ دون حتى مساعدة الخدم، وكان ذلك خطأه.
فتجاهل كاردن ترين الذي بدأ بالتذمر، ومشط شعره بيده، ومسح فمه سريعًا، ثم نفض حذاءه بلا جدوى ودخل قاعة الحفل.
“سيدي الدوق!”
تعالى صراخ ترين من الخلف، لكنه لم يهتم.
وبينما كان يحتسي كأسًا من النبيذ البارد ليوقظ ذهنه.
“واو، ولي العهد يبدو أجمل اليوم.”
“صحيح، اليوم أي شخصٍ سيرى أن ولي العهد أفضل.”
كانت النبيلات يتهامسن وهن يقارِنَّ بين بايران الذي دخل مبتسمًا برفقة الإمبراطور والإمبراطورة، وكاردن الذي يقف في الزاوية بوجهٍ متعب.
بينما ركز كاردن فقط على شرب النبيذ، غير مكترثٍ بالهمسات، بينما كان ترين وحده يغلي غضبًا لأن سيده بدا وكأنه خسر مرةً أخرى.
***
استعاد ترين ذكرى حفل العام الماضي وقبض على يده بقوة.
‘يجب أن يكون الحفل الإمبراطوري القادم مختلفًا.’
فلا يمكنه تحمل سماع أن الدوق خسر أمام ولي العهد مرةً أخرى.
كان عازمًا على أن يجعله يبدو رجوليًا إلى حد يتفوق فيه على ولي العهد ذي الملامح الجميلة.
وبعد شراء عدة تصاميم من أزياء السهرة، خرج كاردن أخيرًا عابسًا.
وبينما كان يصعد العربة غير مكترثٍ بثرثرة ترين، لمح امرأةً ذات شعرٍ برتقاليٍ مألوف.
‘هارنا جورن؟’
من تراس الطابق نفسه غير البعيد، كانت هارنا تبتسم بلطفٍ وهي تتحدث مع خادمتها، وانعكس ذلك المشهد في عينيه البنفسجيتين.
في تلك اللحظة، فقد كاردن صوابه. و لم يسمع حتى صوت ترين وهو يناديه من الخلف، بل اندفع بخطواتٍ سريعة نحو المكان الذي تقف فيه ملاكه.
***
“إذاً، لنذهب الآن؟”
“نعم.”
بعد أن زال عطشي وتحسنت حالتي المتعبة، كنتُ أستعد للعودة إلى بيت الماركيز ببطء، حين ظهر فجأةً شعرٌ أسود داكن فوق التراس.
“آه!”
تراجعتُ خطوةً إلى الخلف فزعة، وسارعت فيرا إلى الوقوف أمامي لتحميني.
و دون أن يبالي بردة فعلنا، ظهر الدخيل الذي تسلق الدرابزين رافعًا ساقيه الطويلتين بسهولة، كأنه يدخل غرفة نومه.
“الدوق لوتورنو؟”
نطقتُ اسم كاردن بارتباك.
“لماذا أنتَ هنا؟”
ما إن رأيته حتى شعرتُ وكأن الزمن قد توقف.
‘هل أنا أرى كابوسًا الآن؟’
أخذتُ أرمش بعينيّ بسرعة وأنا أحدق فيه، ظنًا مني أنني أتوهم. لكن صورته لم تختفِ.
وفي الخلف، تعالت أصوات ضجيجٍ مع فتح الباب، ورأيتُ رجلًا يبدو أنه جاء مع كاردن يتجادل مع أحد العاملين محاولًا الدخول.
فأشرتُ بعيني إلى فيرا لتُخرج العامل، ثم سألتُ كاردن الذي كان يقف أمامي.
“كيف أتيتَ إلى هنا؟”
“لأن المقعد بجواركِ هو مقعدي، يا حبيبتي.”
سقطت الشوكة من يد فيرا فور سماعها كلماته، بينما اتسع فم الرجل الواقف عند الباب كدميةٍ خشبية معطلة.
و غير مكترثٍ بنظرات الذهول من حوله، اقترب كاردن ومدّ يده ليزيح خصلة شعري المبعثرة خلف أذني.
وحين ارتجفتُ من حرارة يده الدافئة قليلًا، ابتسم كأن ذلك زاده افتتانًا، ثم وقف في مواجهتي حاجبًا الريح عني.
“هل تعلمين كم يقلقني أن يؤذيكِ هذا الهواء، يا هارنا؟”
“سيدي الدوق! ما الذي تفعله؟”
هذا الصراخ لم يخرج من فمي، بل من الرجل الذي كان واقفًا متجمدًا.
“ترين، اخرج.”
“ماذا؟”
“حالًا.”
“هاه….حسنًا.”
تراجع ترين، الذي لم يفهم ما يجري، وهو ينسحب إلى الخارج، فأشرتُ بدوري إلى فيرا. و خرجت فيرا وهي تغلق الباب بنظرةٍ مليئةٍ بالقلق.
ثم ساد الصمت لوهلة.
“أخيرًا، أصبح لدينا وقتٌ خاصٌ بيننا.”
خلع كاردن سترته ووضعها على كتفي، ثم قادني بلطفِ إلى المقعد.
جلس ملتصقًا بجانبي تمامًا، وارتسمت على وجهه ابتسامة سعادةٍ غامرة.
فجلستُ مجبرة، وأخذتُ أعبث بلا داعٍ بفنجان الشاي الذي أوشكتُ على إنهائه.
“أمسكي يدي بدلًا من الفنجان، يا هارنا.”
حين نظر إليّ بوجهه الوسيم كمن يتوسل، احمرّ وجهي دون إرادة.
‘جننتُ….هل كنتُ أُعجب بالوجوه إلى هذا الحد؟’
رغم سخافة كلماته التي جعلت أصابعي تنقبض، وجدتُ قلبي ينجذب رغماً عني.
تماسكت بصعوبةٍ أمام المشاعر المتلاطمة. ففي القصة الأصلية، كانت هارنا امرأةً تُرفض ولا تنال قلب البطل.
ولم يكن لدي أي نيةٍ لتكرار المصير نفسه.
‘لذلك لا يمكنني أن أُهزم أمام كاردن هكذا!’
أغمضتُ عيني بإحكام ثم فتحتهما، وبدلتُ تعابير وجهي وبدأتُ التمثيل.
رسمتُ ابتسامةً جميلة على شفتي المتجمدتين، وملأتُ نظرتي المرتبكة بالود.
“هل أمسك يدكَ هكذا؟”
رفرفتُ برموشي بخفة، وتعمدتُ أن ألتقي بعينيه.
و حين رأيت عينيه تتسعان دهشةً من تغيّر موقفي، ابتسمتُ ابتسامةً لطيفة وأمسكتُ يده الكبيرة بكلتا يديّ.
‘العين بالعين، والسن بالسن، والحب بالحب!’
في التمثيل، كنتُ متقدمةً عليه بخطوة. فلنرَ من سيفوز، يا كاردن.
“هارنا.”
“نعم، سيدي الدوق.”
أجبتُه بابتسامةٍ خجولة بعيني.
‘لا أعلم ما الذي يخطط له، لكنني سأبادله بالمثل.’
و كاردن، غير مدركٍ لما يدور في داخلي، ظل يثبت نظره عليّ.
وقد حدث كل شيءٍ في لحظة. ابتسم كاردن ابتسامة طفل، ثم جذبني فجأةً إلى حضنه. و كدتُ أصرخ من المفاجأة، لكنني تماسكتُ في اللحظة الأخيرة.
“أخيرًا أدركتِ مشاعري. أنا سعيدٌ لدرجة أنني لا أمانع الموت الآن.”
تجمدتُ بين ذراعيه، ثم أدركتُ أنني لا أستطيع التراجع، فرفعتُ يديّ بدوري. و حين احتضنتُ ظهره العريض الصلب بذراعين متيبستين، انطلقت منه زفرة امتنانٍ مؤثرة.
لكن في رأسي، بدأ العرق البارد يتصبب.
‘هل هذا خطأ؟’
وبينما كنتُ غارقةً في الشك، دوى طرقٌ على الباب من الخارج.
لا أعرف من الذي اختار هذا التوقيت المثالي، لكنني كنت مستعدةً لمنحه جائزة.
فسارعتُ إلى فك ذراعيّ عن كاردن ودفعته بعيدًا. وحين ابتعد جسدانا، نظر إليّ بكتفين منحدرتين، كجروٍ تُرك وحيدًا، مثبتًا عينيه عليّ.
______________________
مجنون ذاه جا نط من الشارع مادخل المقهى حتى!😭
ابي اذا حضروا حفل يسوي فيها كذا قدام النبيلات يضحك
المهم دامها سايرته ذا المره ما ابيها تسايره المرات الجايه عشان يقول تكفيييييييييين امسكي يدي✨
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"