“آه، ذلك.…”
كان ذنبي كبيرًا لأنني زرتها فجأة دون أن أخبرها مسبقًا، لكن المرأة التي أمامي كانت راكعةً وترتجف بعنف.
وإذ شعرتُ أن وقت العقاب الذي لا مفر منه قد عاد مجددًا، وقعتُ في حيرة.
‘كيف عليّ أن أمثّل دور التوبيخ هذه المرة؟’
وبعد لحظة تفكير، خطرت لي فكرةٌ عبقرية. فارتديتُ على وجهي تعبير الشريرة الماكرة.
لا يمكنني أن أُتهم فجأةً بأنني أصبحتُ طيبة، كان هذا وقت الانغماس الكامل في دور الشريرة.
“أحضري مقصًا. وليكن حادًا جدًا.”
مع كلمتي، ارتجف من في المتجر، وكذلك فيرا، وساد الصمت.
“بسرعة!”
وحين لم يبدُ أن أحدًا ينوي التحرك، استعجلتُهم.
وبعد ترددٍ طويل، مدّ أحد الرجال مقصًا كان يحمله في حضنه، ويده ترتعش.
“جيد.”
ابتسمتُ برضا وأنا أعبث بنصل المقص. ثم نظرتُ إلى المرأة التي رفعت رأسها قليلًا. و كانت عيناها التائهتان ممتلئتين بالخوف.
حتى وإن فكرتُ في عقابٍ قاسٍ، لم يكن لدي أي نيةٍ لارتكاب أفعالٍ جنونية ووحشية كما كانت تفعل هارنا سابقًا. لكنني لم أستطع طمأنتها أيضًا، فاكتفيتُ بأن أتحدّث بأخفض صوتٍ ممكن.
“انهضي.”
“نعم؟”
“قفي في مكانكِ.”
وبأمرٍ مني، نهضت المرأة بصعوبة، وساقاها ترتجفان.
“آه!”
حين اقتربتُ، أطلقت صرخةً لا إرادية، ثم أغمضت عينيها بإحكامٍ كأنها لا تستطيع التحمل أكثر، بينما أدار من حولنا رؤوسهم.
و غير مكترثةٍ بذلك المشهد، بدأتُ أقص بالمقص.
***
لم تستطع كوما، صاحبة متجر الفساتين، أن تفتح عينيها، وكل ما كانت تسمعه هو صوت القص القادم من جهة ساقيها.
‘ما الذي تفعله بالضبط؟’
أرادت أن تفتح عينيها لتتأكد، لكنها لم تملك الشجاعة.
ومع ذلك، شعرت بالارتياح حين أدركت أنها لا تتألم، مما يعني أن المقص لا يؤذي جسدها.
وبعد قليل، وصلها صوت هارنا الممزوج بالمزاح.
“انتهيت.”
فتحت كوما عينيها بصعوبة ونظرت أمامها. و كانت هارنا تقف هناك، تحمل مقص الخياطة وقطعة قماشٍ بلونٍ مألوف.
“بجرم أنكِ لم تستقبليني كما يليق بي، قررتُ أن أُظهر لكِ مهارتي الخاصة، فاعملي اليوم كما أنتِ.”
وبنبرةٍ متعالية، سلّمت هارنا ما كانت تحمله إلى الخادمة المجاورة، ثم مضت بخطواتٍ أنيقة.
ولم تتحقق كوما من حالها إلا بعد أن اختفت هارنا عن ناظريها.
“هذا!”
كانت قطعة القماش التي بدت مألوفةً هي في الحقيقة طرف الفستان الذي ترتديه.
وبينما كانت تفكر في نية هارنا التي قصّت الفستان حتى ما فوق الكاحل بعدما كان يغطي القدمين بالكامل، باغتها إدراكٌ مفاجئ.
‘طول الفستان بعد القص ليس غريبًا.’
رغم أن القص كان خشنًا بعض الشيء، إلا أنه تم بذكاء أسفل زخرفة الدانتيل.
بل إن الفستان لم يعد يجرّ على الأرض، فازدادت سهولة الحركة، ولم يكن مكشوفًا إلى حد يبعث على الحرج.
‘لو صُنعت فساتين بهذا الطول.…’
سيزيد ذلك من العملية، وسيمنح متعةً أكبر في اختيار الأحذية التي كانت مخفيةً تحت الفستان.
وهكذا أنهى عقلها، بوصفها تاجرةً ومصممة، خطة صنع موضةٍ جديدة.
‘هل يعقل أنها قصّت وهي تفكر في هذا؟’
راود الشك كوما بشأن نية هارنا، لكنها لم تفهم معنى العقوبة المفروضة عليها، فظلت حائرةً قبل أن تركض مسرعةً نحو المكان الذي اتجهت إليه هارنا.
و كانت هارنا تتفقد فستانًا طلبته قبل أسبوعين عبر أحد الموظفين الآخرين.
راقبتها كوما بحذر، وكانت ملامح عدم الرضا على وجه هارنا تجعل الدم يجف في عروقها.
ذوق هارنا كان واضحًا وحاسمًا. لا بد من كثرة الأحجار الكريمة، ولا بأس بقلة الانكشاف، لكن يجب أن يكون الدانتيل متطايرًا بشكل مبالغٍ فيه. وبالطبع، لم تكن هذه تصاميم تسعى إليها النبيلات عادة.
لكن هارنا كانت واثقةً أن البذخ يليق بها، فكانت تصنع فساتينها بأسلوبٍ متقارب.
وحين بدا على وجهها، الذي كان دائمًا راضيًا عن الفساتين المصنوعة لها، أثر عدم القبول، تقدمت المخاوف إلى قلب كوما.
وبعد صمتٍ قصير، بدت هارنا غارقةً في التفكير، ثم فتحت فمها بهدوء.
“أحضري رقًّا وقلمًا.”
وبمجرد أن انتهت من كلامها، اختفت الخادمة وعادت سريعًا، وقدمت لهارنا الرقّ والحبر وريشة الكتابة بكل احترام.
جلست هارنا على أريكة الضيافة، و وضعت الرقّ على الطاولة، ثم أمسكت الريشة البيضاء النحيلة وغمرتها في الحبر وبدأت ترسم الخطوط.
ومع متابعة كوما الفضولية، أخذ فمها ينفتح تدريجيًا.
“هل ترسم فستانًا الآن؟”
وبحركة يدٍ واثقة، أنهت هارنا الرسم، ثم ناولت الرقّ إلى كوما. فانحنت كوما سريعًا لتأخذه، وارتسمت على وجهها ملامح حيرة.
“هل يمكنكِ صنع الفستان تمامًا بهذا الشكل؟”
ومع كلمات هارنا، اهتزت حدقتا كوما.
ثم غرقت في التفكير. هل تعترف بأنها لم تفهم التصميم، أم تكذب وتتجاوز هذا الموقف؟
لم يدم ترددها طويلًا. فأجابت على هارنا المنتظرة على الفور.
“بالطبع. لم أرَ في حياتي تصميم فستانٍ بهذه المثالية. ولا سيما زخرفة الزهور في هذا الجانب، تبدو فريدةً جدًا.”
“آه، هذا ليس زهورًا.…”
“ماذا؟”
شحبت ملامح كوما. و نظرت إلى الدوائر المرسومة بشكلٍ بدائي، وحاولت إيجاد ردٍ آخر، لكن عقلها كان فارغًا. فقد كان الرسم فوضويًا لا يُفهم.
لو تجاوزت هذا الموقف فقط، لدرسته مع بقية الموظفين لاحقًا، لكن كوما كانت قد عبرت نهرًا لا عودة منه.
‘هل انتهى أمري هنا؟’
وبغريزةٍ دفاعية، غطّت رأسها بيديها وانكمشت، استعدادًا لعقوبةٍ جديدة. فقد خشيت أن تضربها هارنا لأنها لم تفهم رسمها العظيم.
وبينما كانت تتمنى أن ينتهي عقاب هارنا بسرعة، جاءها صوتها.
“ماذا تفعلين؟”
“نعم؟”
“هذا ليس زهرة، بل شريط. سأشرح لكِ ببساطة. أولًا، أريد قماش الفستان خفيفًا وناعم الانسياب. ثم هنا، أريد أن يبرز خط الكتفين جيدًا…”
بينما كانت كوما واقفةً بذهولٍ تستمع إلى شروحات هارنا المتواصلة، استعادت وعيها وبدأت تدوّن الملاحظات.
ومع الشرح اللطيف، بات الرسم الذي بدا معقدًا مفهومًا دفعةً واحدة.
“يبدو أننا سنصنع فستانًا فريدًا للغاية. سأحرص أنا، كوما، على تنفيذه بإتقانٍ تام.”
“أتطلع لذلك. وأفكر أيضًا في شراء بضع فساتين جاهزة.”
“سأرشدكِ. تفضلي من هنا.”
استعادت كوما هدوءها سريعًا، وبصفتها صاحبة أفضل متجر فساتين في الإمبراطورية، قادت هارنا وهي تعيد النظر قليلًا في تصورها عنها.
***
بعد أن طلبتُ تنفيذ فستانٍ جديد واشتريتُ عدة فساتين جاهزة، صعدتُ إلى العربة.
كانت كوما، صاحبة المتجر الذي اعتادت هارنا زيارته، ماهرةً بالفعل. وكان ذلك واضحًا من الفساتين البسيطة التي اشتريتها، وكذلك من الفستان الفاخر الذي ستصنعه بناءً على طلبي.
‘ستنفّذ الفستان الذي طلبتُه بإتقان أيضًا، أليس كذلك؟’
كنتُ قد رسمتُ تصميم الفستان الذي ارتديته في حفل التتويج الأخير وقدّمته كطلب. وإن جاء الفستان بالمستوى الذي يرضيني، عقدتُ العزم على طلب المزيد.
وبينما كنتُ أفكر بذلك، مررتُ مع فيرا على متجرٍ للمجوهرات وآخر للأحذية.
تفاجأ أصحاب المتاجر جميعهم لرؤيتي بنفسي، وراحوا يعتذرون لأنهم لم يخرجوا لاستقبالي، متوسلين الصفح.
ورغم أن ردود أفعالهم المتشابهة أزعجتني حقًا، إلا أنني تماسكتُ وأنهيتُ التسوق.
وفي متجر المجوهرات، أهديتُ فيرا سوارًا جميلًا. وحين فوجئت وقالت أ الأمر لا داعي له، مثّلتُ،
“أتجرئين على رفض هديتي؟”
ثم علّقتُ السوار قسرًا على معصمها المتصلب.
وما إن خرجنا حتى شعرتُ بالعطش. فأخذتُ أتلفت حولي.
“هل يوجد مكان قريبٌ يمكننا الجلوس فيه قليلًا؟”
“هناك مقهى يُدعى ميرينّو. لا يُسمح بالدخول إليه إلا للنبلاء، لذا لن يكون أقل مما يليق بكِ يا آنسة.”
“حقًا؟ إذاً لنذهب.”
توجهتُ إلى المقهى وأنا أنظر إلى فيرا، التي كانت تعبث بسوارها كأنه غير مألوفٍ لها، بنظرة أختٍ كبرى.
وكما قالت فيرا، كان ميرينّو متجرًا يستقبل النبلاء فقط، ومجهزًا بخصوصيةٍ وأناقة.
قادونا إلى غرفةٍ في الطابق الذي يضم الشرفة، فطلبنا بعض الوجبات الخفيفة وكوبين من الشاي، ثم جلسنا.
‘ما دام لا أحد يرانا، فلا بأس، أليس كذلك؟’
توقفتُ عن الجلوس باستقامةٍ كنبيلة، وأسندتُ ظهري إلى الكرسي براحة.
حينها فقط شعرتُ أنني التقطت أنفاسي. لكنني لم أكن أعلم آنذاك….
“يا لها من سعادة أن أرى ملاكي مجددًا! يبدو أن الحظ يقف إلى جانبي اليوم.”
أن المكان الذي جئتُ إليه للاستراحة سيتحول مرةً أخرى إلى ساحةٍ لهجوم كاردن المرعب….
***
وضع النادل ما طلبناه على الطاولة، ثم انسحب سريعًا.
“فيرا.”
“نعم، آنستي.”
“اجلسي هنا.”
“ماذا؟”
سألت فيرا بدهشة، وكانت واقفةً خلفي بلا حراك.
المقاعد كانت كثيرة، ولا أحد يراقب. وبعد أن تبعتني نصف يوم، أليس من الطبيعي أن ترتاح معي؟
فربتُّ على المقعد المجاور.
“كيف لي أن أجلس في المكان نفسه.…”
“هل تريدينني أن أكرر كلامي مرتين؟”
حدّقتُ فيها بعينين حادتين ورفعتُ صوتي، فجلست فيرا على الكرسي بعفوية، كأنها روبوت.
فابتسمتُ في سري من منظرها المرتبك، وقدمتُ لها كوب الشاي.
“آنستي.”
“برأيكِ لماذا طلبتُ كوبين؟ أحدهما لكِ. إن لم ترغبي به، ارمِيه.”
قلتُ ذلك بنبرةٍ لاذعة، لكنني لم أشعر بالرضا.
‘يجب أن أمثل دور الشريرة، فلماذا أتحول إلى تسونديري* في كل مرة؟’
*عشان ااي مايعرفون المعنى تسونديري شخص حبيب من داخل ومسوي نفسه عصبي من برا
وبينما كنتُ أفكر قليلًا في جوهر تمثيلي، رفعت فيرا الكوب بوجهٍ متأثر. وما إن أخذت رشفة، حتى انحنت فجأة، و وضعت الكوب برفق، وركعت على الأرض.
“شكرًا لكِ على هذا اللطف الذي منحتِه لخادمةٍ حقيرةٍ مثلي. رغم ضآلتي، سأكرّس حياتي كلها لخدمتكِ والعيش من أجلكِ فقط.”
ارتبكتُ، متسائلةً كم كانت هارنا قاسيةً حتى أن مجرد تصرفٍ لطيفٍ جعلها تقول هذا. لكنني لم أستطع تركها راكعة، فأمسكتُ بيدها ورفعتها.
“قد يكون أن تصبحي من خاصتي أمرًا شاقًا. ومع ذلك، هل ستبقين معي؟”
“نعم! سأكون دائمًا إلى جانبكِ، أخدمكِ وأرعاكِ!”
“حسنًا، شكرًا لكِ.”
قلتُ ذلك ببرود، لكنني تذكرتُ المنسقة التي كانت تتبعني بإخلاص، فارتسمت على وجهي ابتسامةٌ راضية وأنا أجلس مع فيرا.
وبحكم عادتي في الاعتناء بالمرافقين، دفعتُ الوجبات الخفيفة نحوها. عندها انفجرت فيرا بالبكاء مجددًا.
كانت لحظةً ليست سيئة، باستثناء أنني اضطررتُ إلى رفع صوتي لتهدئة فيرا التي كانت تبكي بحرقة.
____________________
حلوه ذا الدراما حقت الخدامه وسيدتها😭
المهم وين كاردن بسرعه شرّف
يضحك كل يوم لها لقب مره جنيتي ومره جميلتي والحين ملاكي🤏🏻✨
حنى لو مسحور وناسه
صح تدرون من اول من بدا يقصر ملابس النسوان قديماً؟ هارنا✨
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"