5
حربُ بَيل التي أشعلها كاهنٌ و قدّيس النور لِفيرتو وملكُ الشياطين كايلا قبل ألف عام.
بهذه الحرب تحطّم نصفُ القارة، وانهار النصف الآخر واختفى.
كان سبب اندلاع الحرب بسيطًا. طفلٌ نال بركة كاهن النور لِفيرتو، يُدعى بَيل، ابتلعه ملكُ الشياطين كايلا في لقمةٍ واحدة.
وما إن علم الكاهن بذلك حتى غضب وبدأ الحرب ضد ملك الشياطين.
جمع لِفيرتو الكهنة التابعين له وهاجم كايلا، لكن ملك الشياطين بدوره جمع الشياطين الذين يتبعونه وواجهه.
وفي حربٍ لا تنتهي بين كاهنٍ قدّيس وملك الشياطين، تلاشت طاقةُ الحياة لدى الكائنات الحية بأكثر من النصف.
ولم تتوقف الحرب التي بدت وكأنها لن تنتهي إلا حين رمى لِفيرتو رمحَ النور فاخترق قلب كايلا وختمه في قيدٍ أبدي.
البشر الذين نجوا تبعوا لِفيرتو باعتباره القدّيس الوحيد، لأنه ختم ملك الشياطين وأعاد السلام، أما أتباع ملك الشياطين والشياطين والسحرة السود فتم نبذهم وتلاشى وجودهم تدريجيًا.
ومضى زمنٌ طويل، واستمرت الأيام هادئةً مسالمة….حتى وقتٍ قريب جدًا.
في الدولة المقدسة “لوكان” الواقعة تحت حماية الإمبراطورية العظمى “بايروس”، أطلق الباب غارون لوتورنو—الكاهن الوحيد الذي يحمل اسم النور لِفيرتو، ويُقال إنه من نسله—زفرةً طويلة.
“هممم.”
كان غارون جالسًا في مكتبه الذي يخلو من أي زينةٍ فاخرة، وكأنه يجسد نزاهته المعتادة، ثم انحنى برأسه عميقًا وهو على كرسيه.
في الآونة الأخيرة ازداد شعره شيبًا وتجاعيد وجهه عمقًا، والسبب أنه شعر قبل أيامٍ بطاقةٍ آثمة كان يظن أنها اختفت.
ظل غارون مطأطئ الرأس يطرق المكتب بقلق.
وما أعاده إلى الواقع كان صوت طرقٍ على الباب، ثم ظهورُ فتى.
كان فتى بوجهٍ يافع، يربط شعره الأزرق السماوي إلى الأسفل بإتقان، ويرتدي رداءً كهنوتيًا مطرزًا بأجنحةٍ ذهبية تثبت أنه من كبار رجال المعبد.
وقف أمام غارون ووضع يده اليمنى على صدره الأيسر وانحنى انحناءةً قصيرة.
“سمعتُ أنكَ استدعيتني يا قداسة البابا.”
“نعم، يا أرسين. هل تعرف لماذا استدعيتكَ؟”
“بسبب تلك الطاقة المحرمة التي شُعِر بها منذ وقتٍ قريب؟”
ابتسم غارون وهو يرى أرسين يفهم السبب تمامًا، ثم نهض من مكانه.
“كانت طاقةً غير مُطمئنة. لم تمكث طويلًا، لكنها تثير القلق.”
“سأتحرى الأمر.”
“حسنًا. أرجوكَ يا أرسين. اذهب قبل أن تختفي آثارها.”
“نعم. لا تقلق.”
ابتسم أرسين بخفةٍ وحيّاه ثم خرج، بينما ظل غارون يحدّق في ظهره وهو يغادر، ثم مسح لحيته.
طفلٌ يحظى بحب النور….كان أرسين أهلًا لهذا اللقب.
رغم صغر سنه، امتلك أرسين قوةً مقدسةً شديدة النقاء، وإمكاناتٍ لا حدود لها حتى دون قيود. ولو أصبح أكثر مهارةً في التحكم بقوته المقدسة، فقد يتجاوزه قريبًا.
كان غارون قد التقط أرسين من الطريق حين كان يعيش حياة الترحال أثناء البترّع، ولم يمضِ سوى أيامٍ قليلة منذ اجتاز أرسين الامتحانات المشهورة بصعوبتها وأصبح كبيرَ الكهنة الأول بتفوقه.
وكأنهم كانوا ينتظرون لحظة صعوده إلى هذا المنصب….فقد ظهرت فجأةً تلك الطاقة الآثمة، فأغمض غارون عينيه الممتلئتين بالهمّ وتمتم بصوتٍ خافت،
“كلُّ شيءٍ سيكون بخير.”
***
“هل ستُنقذينني….أنا الذي وقعتُ في حبكِ؟”
“….…”
“لا….لقد فات الأوان أصلًا.”
“….…”
“فحين أقع في حب امرأةٍ لطيفةٍ إلى هذا الحد، لن يكون من السهل أن أخرج منه.”
ابتسمتُ دون رد وأنا أرى كاردن يتفوه باعتراف حبّ لا يخجل منه، وكأنه شاعرٌ جوّال، بل يقوله بثقةٍ كاملة.
كان عقلي قد تجمّد للحظة من شدة الذعر ونسي دوري، لكنه بدأ يدور بسرعة.
حاولتُ فهم الموقف فتذكرت علاقة كاردن وهارنا في الرواية الأصلية، لكنه لم يعامل هارنا يومًا كأكثر من خطيبة.
بل الأدق أنه كان معها مكرهًا.
لكن لماذا يتصرف هكذا اليوم؟
‘هل….وقع في حبي فجأة؟’
أم أن ذوق كاردن كان يميل إلى النساء المبالغات في الزينة؟
حاولتُ سحب يدي من قبضته بشكلٍ طبيعي، لكنه منعني للمرة الثالثة. فصرتُ أسمع اعترافاته وكأنها تمر من أذني مرورًا.
‘هل….يفعل هذا عمدًا ليوقعني في فخ؟’
ربما كان يتظاهر بالاعتراف كي يجعلني أنا من أملّ منه وأبتعد عنه.
وفي تلك اللحظة….فوجئت بيده وهي تمسك خدي، فارتعشتُ والتفتُّ برأسي.
“إن لم تنظري إليّ….لا أعرف ماذا أفعل. انظري إليّ يا هارنا.”
هل كان اسم “هارنا” دائمًا بهذه العذوبة؟
حين قالها بذلك الوجه الوسيم وبكل هذا التوسل، شعرت بحرارةٍ تصعد إلى وجهي رغم أنني كنتُ أبتسم بتكلّف.
كان الأمر انعكاسًا تلقائيًا. كما يندهش المرء حين يرى زهرةً جميلة، أو يذوب لطفًا حين يرى طفلًا….فمن الطبيعي أن يخفق القلب أمام وجهٍ وسيم.
وأنا أختلق أعذارًا لا يسمعها أحدٌ داخل رأسي، تمسكتُ بوعيي الذي كان يزداد ضبابيةً بصعوبة، ثم فتحتُ فمي أخيرًا،
“هل يمكنني أن أسألكَ لماذا تفعل هذا فجأة؟ لقد كنتَ تكرهني، أليس كذلك؟”
“أكرهكِ؟ كيف يمكن ذلك؟ حتى وأنا أراكِ أمامي….أشتاق إليكِ إلى هذا الحد.”
ظلّت يده على خدي لحظةً بحنانٍ موجع، ثم ابتعدت.
وحين رأيتُ كاردن يقطّب حاجبيه كمن جُرح من صراحتي، ويتصرف ببؤسٍ كجروٍ مبتلّ بالمطر….شعرت وكأنني أصبحت المرأة السيئة هنا.
“هارنا….أفهم أنكِ لا تستطيعين الوثوق بي إذا فكرتِ في تصرفاتي السابقة. لكن هلّا تمنحينني فرصةً واحدة فقط؟”
“أي فرصة؟”
“فرصة أن أفتح قلبكِ….الذي أغلقتِه.”
لو قال رجلٌ آخر كلامًا لزجًا كهذا، لكنتُ قد ركلته منذ زمن.
لكن الطرف المقابل هو….بطل هذا العالم، الرجل الأروع فيه. ودون أن أشعر، بدأت أتخيل أنني أبحث عن مفتاحٍ يفتح قلبي لأضعه في يده….
ثم انتفضت بفزعٍ ونهضت من مكاني.
“هارنا؟”
ما إن أفلتُّ يدي التي كان يمسكها طوال الوقت، حتى بدا عليه الأسف.
تجاهلتُ وجهه الذي أوشك أن تفيض منه الدموع، وتكلمتُ بسرعة،
“زيارة الدوق كانت مفاجئة، فنسيتُ أن لدي موعدًا. أعتذر، لكن أرجوكَ عد الآن. إذاً….إلى اللقاء.”
ثم خرجتُ من غرفة الاستقبال بسرعةٍ دون أن أنظر إلى كاردن الذي حاول إمساكي.
‘ما نيتُه؟’
لقد تغيّرت ردة فعل البطل.
هل لأنني لستُ هارنا الحقيقية، فلم تعد القصة تسير كما في الرواية الأصلية؟
خفتُ من مجريات القصة التي تسير بعكس المتوقع. وأسرعتُ خطواتي خشية أن يلحق كاردن بي من الخلف.
***
أمام ظهر هارنا وهي تغادر على عجل، كانت يد كاردن التي امتدت نحوها تهبط ببطء.
“جنيّتي الجميلة….رحلت بهذه السرعة.…”
ضغط كاردن على شفتيه بيده بقوة، وكأنه يحاول إسكات فمه الذي تحرك من تلقاء نفسه.
ثم شحب وجهه بسرعةٍ بعدما كان محمرًا كالمخمور وهو ينظر إلى هارنا.
“أنا الآن….ماذا فعلتُ؟”
في لحظةٍ واحدة عاد وعيه الذي كان ضبابيًا، فتدفقت إلى ذهنه الأفعال التي ارتكبها تجاه هارنا.
قبلةُ ظهر اليد، والحصول على إذنٍ بمناداتها باسمها. واعترافه بأنه يحبها، ومدحه المتواصل لجمالها أيضًا.
ترنّح كاردن في مكانه، ثم اتكأ بصعوبةٍ على الحائط.
لو كان بكامل عقله لما أمكن أن يقع في حب هارنا فجأة.
‘أنا لستُ مجنونًا.’
لكن جسده تحرك أمامها من تلقاء نفسه، هذا واضح.
‘لا بد أن تلك المرأة فعلت بي شيئًا.’
قبض على قبضته بقوةٍ وهو يتذكر أنها امرأةٌ قادرةٌ على ذلك فعلًا.
أخذ كاردن نفسًا عميقًا، وحاول جاهدًا محو تلك الذكريات السوداء التي تواصلت في رأسه.
وبعد أن استعاد أخيرًا ملامحه الجامدة، شدّ قبضته وخرج مسرعًا من غرفة الاستقبال حتى وصل إلى المكان الذي تنتظر فيه عربة الدوق.
“هل خرجتَ بالفعل؟”
سأل المساعد ترين بدهشة، إذ كان ينتظر في الخارج معتقدًا أن حديثًا طويلًا سيجري.
“الماركيز لم يكن موجودًا.”
أجاب كاردن بوجهٍ بارد.
“لكن….ظهرت مشكلةٌ أخرى.”
“نعم؟”
نظر ترين إلى كاردن بقلقٍ وحيرة، وهو يرى جديته.
كان كاردن على وشك أن يكمل، لكنه أغلق شفتيه بإحكام. فلم يستطع أن يقول أنه جنّ فجأةً وراح يهذي باعترافات حبٍ لهارنا.
“سيدي الدوق.”
تنهد كاردن فقط في وجه ترين القَلِق، ثم صعد إلى العربة.
وهارنا جورن.’
وبينما كان يجلس في مقعده، أخذ يهز رأسه بعنادٍ محاولًا نسيان الوجه الذي يلحّ عليه.
***
عدتُ إلى غرفتي على عجل، وبدأت أدور في مكاني بلا توقف.
‘أولًا….لنهدأ.’
كدتُ أعض أظافري من شدة القلق، لكنني أنزلتُ يدي بسرعة.
‘نعم….لنفترض أنها خطةٌ بدأها كي يفسخ خطبته مني. لكن هل كاردن ممثلٌ بارع إلى هذه الدرجة؟’
في حياتي السابقة عملتُ مع ممثلين بارعين في الأداء، لذلك كنتُ أعرف أن المشاعر التي ظهرت على وجهه كانت صادقة. ولو كان كاردن يمثل حبه لي، فقد أضطرُّ للاعتراف بأنه يتفوق عليّ—أنا الممثلة—في التمثيل.
“لا يمكن أن يكون هذا صحيحًا!”
صرختُ وأنا أشد شعري الطويل وكأنني سأقتلعه بالكامل، وفي تلك اللحظة سُمع طرقٌ مستعجل، ثم انفتح الباب.
“هارنا!”
“أبي؟”
“سمعتُ أن دوق لوتورنو جاء إلى هنا. هل أنتِ بخير؟”
كان الماركيز جورن قد عاد على عجلٍ من القصر خوفًا من أن يكون قد حدث لي شيء وأنا وحدي مع كاردن.
فابتسمتُ له ابتسامةً محرجة.
“لم يحدث شيء، لذا لا داعي للقلق.”
فقط تلقيتُ اعتراف حبٍّ ملتهبٍ….لا أكثر.
“حسنًا، هذا مُطمئن. إن حدث أي شيء، فلا تتحملي وحدكِ و أخبريني. لن أترك الأمر يمرّ.”
قال الماركيز جورن ذلك وهو يرتّب شعري المبعثر بحركاتٍ مترددة. و بقي إلى جانبي فترة، ثم خرج معتذرًا لأنه لا يزال لديه ما يجب أن ينجزه.
وبقيتُ وحدي في الغرفة….فتذكرتُ كاردن وهو ينظر إليّ بعينين غارقتين في الحب.
‘لا….لا يمكن.’
إن بقيتُ هنا فسأظل أفكر بكاردم طوال الوقت، لذلك أسرعتُ وسحبتُ حبل الجرس.
وبعد قليل دخلت فيرا الغرفة وهي تحيي بانحناءة مهذبة.
“لنخرج.”
“إلى أين تنوين الخروج يا سيدتي؟”
“لشراء فساتين.”
كنتُ أفكر أن أستدعي المصمم ليخيط لي فستانًا جديدًا براحةٍ داخل المنزل، لكنني شعرتُ أنني بحاجةٍ للخروج وتغيير مزاجي.
ورغم تقلب قراري، أنهت فيرا استعدادها بسرعة، وبفضلها جلستُ في عربةٍ جميلة محفورٌ عليها شعار أسرة الماركيز.
والآن بعد أن فكرتُ بالأمر….لم أخرج من المنزل طوال أسبوع.
ومجرد فكرة أنني سأخرج أخيرًا خفّفت قليلًا من ذلك الضيق الذي كان يخنقني.
‘كان قرارًا صحيحًا أن أخرج.’
فقد تلاشى همّي بشأن اعتراف كاردن الغريب.
العربة التي توقعتُ أن تكون مزعجةً كانت مريحةً بشكلٍ مدهش، وكأن عليها سحرًا، حتى أوصلتني إلى وجهتي بسلاسة.
وصلنا إلى الشارع التجاري المزدحم. و أمرتُ فرسان الحراسة الذين رافقوني أن ينتظروا في الخارج، ثم دخلتُ متجر الفساتين مع فيرا.
وما إن دخلنا حتى حيّاني رجلٌ قصير القامة بملامح مذهولة، ثم اختفى بسرعةٍ وكأنه ذهب لينادي أحدًا.
أما أنا فبدأتُ أتفقد الفساتين في المتجر دون اهتمام.
‘هناك الكثير من الفساتين البسيطة والجميلة….لكن لماذا كانت هارنا ترتدي دائمًا ملابس لا تناسبها أصلًا؟’
كان لدي الكثير لأقوله، لكنني قررتُ أن أصمت. فكل ما أردته هو أن أشتري هذه المرة عددًا كبيرًا من الفساتين المريحة التي تناسبني.
وبينما كنت أتفرج على الفساتين المعروضة على الدمى، انفتح الباب فجأة، واندفعت امرأةٌ في منتصف العمر إلى الداخل على عجل.
كانت تتعثر وكأنها ستسقط، فعبستُ بقلق….لكن وجهها شحب فورًا.
“أعتذر لأنني لم أستقبلكِ بسرعة. لو وصلني خبرُ قدومكِ مسبقًا لانتظرتُكِ في الخارج….لا، هذا مجرد عذر أيضًا. أرجوكِ….ارحمي حياتي فقط.”
ها قد بدأ الأمر مجددًا.
_______________________
تجنن كانت ساطيه حتى على الي برا قصرهم؟ ضحكت
المهم وهنا الشي الحلو البطل كأنه مغصوب يحبها وكل ذاه وناسه شكل هارنا الاصليه سوت شي قبل تفطس✨
وشسمه اهم شي لاينفصل عنها ويكرر حركاته ذي لين يحبها عشان الامير ماتجيه فرصه البنت مخطوبه😘
اما ابوها يجنن حنووووووووووون😔
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 5"