4
‘واو، الغداء اليوم شريحة لحم.’
وبما أنني أفضّل اللحوم على الخضار، ابتلعت ريقي خفيةً وشربتُ كأسًا من الماء أولًا.
“أتمنى لكَ طعامًا شهيًا، بابا.”
“حسنًا.”
حين أمثّل دور الابنة المهذبة واللطيفة أمام الماركيز جورن، يمكنني أن ألاحظ ابتسامةً خفيفة جدًا ترتسم عند زاوية فمه، ذلك الوجه الذي نادرًا ما تتغير ملامحه.
في البداية كان الأمر محرجًا، لكن أوقات الطعام مع أبٍ حنون يَسعد حين أتناول طعامي جيدًا، ويعطيني ما أحب أكله، كانت ممتعة.
إلى درجة أنني إن سُئلت عن أفضل ما في دخولي هذا الجسد، لقلت بلا تردد: أن لديّ عائلة.
“هل لديكِ ما تودين قوله؟”
“لا.”
حين حدّقت في الماركيز جورن، التقط نظرتي فورًا وتفحّصني كأنه يبحث عن أمرٍ ما، ثم دفع بهدوءٍ شريحة اللحم الموضوعة أمامه نحوي.
فضحكتُ. أنا فعلًا ابنته التي يعتني بها أبٌ صامت، ثقيل المشاعر، لكنه يحاول بطريقته.
“شكرًا لكَ، بابا.”
عند كلماتي، انحنى خط فمه المستقيم قليلًا، ورسم قوسًا خفيفًا. و قد أعجبني ذلك الوجه، فابتسمتُ دون وعي.
وقبيل الانتهاء من الطعام، دخل خادمٌ واحد بملامح مستعجلة.
“سيدي الماركيز، وصل خادمٌ من القصر الإمبراطوري. يبدو أنه ينبغي عليكَ التوجه إلى القصر.”
تصلّبت ملامح الماركيز جورن، غير راضٍ عن مقاطعة وقت الغداء السعيد، لكنه نهض سريعًا وكأنه لا خيار له.
“آسفٌ لأنني سأغادر أولًا.”
“لا بأس، لقد انتهيتُ من الطعام.”
“سأعود سريعًا.”
ثم مرّت يده الخشنة، التي حملت السيف طوال عمرها، فوق رأسي برفقٍ قبل أن يغادر.
‘ما هذا الشعور الغريب؟’
غادر الماركيز جورن تاركًا خلفه نظرة أسف، وحينها مسحتُ فمي أنا أيضًا ونهضت من مكاني.
عدتُ إلى غرفتي وأخرجت جميع الفساتين من الخزانة. و إلى جانبي وقفت فيرا بهدوء، بملامح توحي بأنها مستعدةٌ لتنفيذ أي أمر.
“لا يعجبني أي فستان.”
“سأستدعي المصمم.”
انحنت بأدبٍ وغادرت الغرفة بسرعة، وأنا أبتسم برضا.
كانت ذكيةً وسريعة الفهم والتصرف، وقد راقت لي كثيرًا. منذ خطئها أثناء خدمتي في الحمّام، صرتُ أراها كثيرًا، وكانت تساعدني بنشاطٍ ولطف.
“هذا الفستان فعلًا مبالغٌ فيه.”
كم عدد الأحجار الكريمة المثبتة عليه؟ بحجم ظفر الإبهام تقريبًا!
هززتٌ رأسي وأنا أحدّق في فستانٍ يكاد يقتلني بثقله وزينته.
هارنا فتاةٌ جميلة تحب الملابس المبهرة….ذوقٌ سيئ فعلًا.
شتمتُ هارنا التي كان ذوقها فظيعًا بقدر سوء طبعها، ثم ألقيتُ بنفسي على السرير.
‘مرّ الوقت بسرعة.’
استلقيت أتأمل الأسبوع الذي عشته كهارنا.
فكّرت في اللحظات التي لم يكن تمثيلي فيها متقنًا، وتساءلتُ إن كان تلطيفي لبعض تصرفاتها القاسية قد بدا غريبًا.
لكن بما أن أحدًا لم يشك في أنني لستُ هارنا، شعرتُ بالرضا وأنا أقول لنفسي أن مهارات الممثلة العظيمة لا تموت.
وبينما تتزاحم الأفكار، مررتُ يدي على شعري البرتقالي الذي لم أعتد عليه بعد، واستعددتُ لأخذ قيلولة.
بدأت جفوني تثقل، لكن طرقًا على الباب أيقظني.
“ما الأمر؟”
قلتُ ذلك بنبرة ضجرٍ واضحة بعد أن قُطعت قيلولتي، فدخلت خادمةٌ بوجهٍ مرتعب، تتلعثم بشفتيها.
“الدوق لرتورنو….حضر للزيارة.”
ومن يكون هذا الذي يجرؤ على إفساد قيلولتي الثمينة-
“ماذا؟”
حككت أذني بلا مبالاة، ثم نهضت فجأةً وكأنني لعبةٌ تقفز من تلقاء نفسها.
الدوق كاردن لرتورنو كان لهذا الجسد….لا، كان خطيبي، وبطل الرواية الذكر في هذا العالم.
***
استدعيتُ فيرا على عجل، وباندفاعٍ اخترتُ فستانًا فخمًا من بين ما وقع عليه بصري، وذهبتُ إلى صالون الاستقبال.
‘حسنًا، اهدئي.’
حاولتُ تهدئة نفسي، وأنا أستحضر كيف كانت هارنا تتصرف أمام كاردن في الرواية.
كانت تتظاهر بالبراءة والضعف أمامه. هارنا، التي افتتنت بوسامته، كانت تتوسل حبه.
ألحّت على الماركيز جورن حتى ثبّتته إلى جانبها بخطوبةٍ رسمية، لكنه بقي باردًا معها، فزاد ذلك من هوسها به.
‘لماذا جاء إلى هنا؟ يبدو أنه لم يلتقِ بالبطلة مي بعد.’
كنتُ متأكدةً أن الوقت ما زال قبل لقائه بماي، لأن شعري ما زال سليمًا.
تذكّرتُ أول لقاءٍ بين ماي وكاردن كما ورد في الكتاب.
ماي، الابنة الكبرى لأسرة كونتٍ فقيرة، كانت تعيش بشجاعةٍ حتى تلقت دعوةً إلى حفل في القصر الإمبراطوري.
و رغم فستانها المتواضع، لم تستطع بساطته إخفاء جمالها.
وسط جمعٍ من النبيلات المتأنقات، تألقت ماي بشكلٍ لافت. ولم تقف الشريرة هارنا مكتوفة اليدين وهي ترى الأنظار تتجه نحوها.
هارنا، التي ظنت نفسها نجمة الحفل، لم تتحمل أن تُسلب منها الأضواء، فسكبت النبيذ على فستان ماي متظاهرةً بأنه حادث، ثم اعتذرت وسحبتها إلى غرفة الاستراحة.
وحين انفردتا، كشفت هارنا عن حقيقتها ومزّقت طرف فستان مي.
‘كانت فعلًا مروعة.’
لم تستطع تحمل وجود امرأةٍ أجمل منها، وحاولت تشويه وجه ماي، لكن كاردن ظهر مصادفةً أمام غرفة الاستراحة.
أنقذ ماي المرتجفة من الخوف، وخلع معطفه ليغطيها، ثم انتزع السيف من يد هارنا، وقطع شعرها الكثيف تحذيرًا لها.
‘لن أفقد شعري أبدًا.’
بعد أن اعتدتُ عليه، صرت أحب هذا الشعر الطويل، وعزمتُ على حمايته مهما كلف الأمر.
‘اليوم لا مفر، لكن من الآن فصاعدًا….يجب ألا ألتقي بالبطل أبدًا.’
لمستُ شعري الطويل المتمايل بخفة، ووصلتُ إلى صالون الاستقبال.
ربما بسبب عجلة الخطى، أو لأنني على وشك لقاء البطل الذكر، شعرتُ بضيقٍ في صدري، فأخذتُ نفسًا عميقًا لأهدئ نفسي.
“هوووف….”
ثم فُتح الباب ببطء، ودخلتُ بوجهٍ هادئ كما لو أنني لم أشعر بالتوتر قط.
***
كان كاردن، وهو يمرّر شعره القصير الداكن المزرق بملامح منزعجة، ينتظر الماركيز جورن في غرفة الاستقبال.
كان مساعده ترين يعارض بشدةٍ ذهابه دون إرسال إشعار مسبق، قائلًا أن ذلك يخالف الذوق، لكن كاردن ذهب إلى بيت الماركيز على أي حال.
فلم يكن هناك سبيلٌ لرؤية الماركيز جورن، الذي يتهرّب من لقائه في كل مرة، سوى مباغتته في منزله.
ضيّق كاردن حاجبيه قليلًا وهو يفكر في هارنا، التي تحمل لقب خطيبته لأن والده، الدوق السابق كار لوتورنو، أصرّ على إتمام الخطبة بالقوة.
لم تكن شائعاتها جيدةً مهما كان نوعها. وفوق ذلك، كانت امرأةً حمقاء لا تعرف حتى أنها بالكاد تحافظ على هيبتها بفضل تدخلات الماركيز جورن، رغم أنها ارتكبت بالفعل عدة حوادث.
في الحقيقة، لم يكن كاردن يهتم بما قد تفعله هارنا. كل ما أراده هو قطع صلة الوصل فحسب، لأنه يكره أن يُذكر اسمه معها على ألسنة الناس لمجرد أنه خطيبها.
كان قد أعاد بالفعل كل المال الذي أخذه الدوق السابق ذريعةً للخطبة، كما أن وقتًا طويلًا مرّ منذ أن ورث هو لقب الدوق، لذلك رأى أن لديه ما يكفي من الحق للمطالبة بفسخ الخطبة.
وقد عزم كاردن اليوم على فسخ الخطبة مهما كلّف الأمر، فظل ينتظر الماركيز جورن وهو ينظر من النافذة.
ومع مرور بعض الوقت، انفتح باب غرفة الاستقبال. و استدار كاردن بجسده وهو يظن بالطبع أن الماركيز جورن سيدخل.
لكن الشخص الذي دخل لم يكن هو. بل كانت هارنا….تلك التي لم يكن يريد رؤيتها أبدًا.
كانت تدخل غرفة الاستقبال مرتديةً فستانًا تتدلى منه مجوهراتٌ كثيرة تلمع بإفراط.
وفي اللحظة التي وقعت فيها عين كاردن على ذلك الفستان الباذخ الذي يدعو للسخرية….التقطت عيناه هارنا.
‘ما هذا؟’
احمرّ وجه كاردن فجأة، وبدأ قلبه ينبض بسرعة.
‘ما الذي يحدث لي؟’
لم يستطع كاردن أن يُبعد نظره عنها، وشعر بأن وعيه بدأ يضطرب شيئًا فشيئًا.
***
“مرّ وقتٌ طويل يا سيدي الدوق. أعتذر، لكن والدي خارجٌ الآن، لذلك أنا من استقبلكَ.”
“أفهم.”
ما إن دخلتُ غرفة الاستقبال حتى بدأتُ أراقب مظهر كاردن الذي ظهر أمامي مباشرة.
‘لا عجب أن هارنا وقعت في غرامه.’
شعره الداكن المزرق الذي يبدو مختلفًا حسب الضوء، وعيناه البنفسجيتان اللامعتان كحجر الأماثيست، وطوله الفارع وكتفاه العريضتان….كان بطلًا مثاليًا بكل معنى الكلمة.
‘نعم، إن كان بطل الرواية فعلًا، فلا بد أن يكون بهذا المستوى.’
وبينما كنتُ أحدّق في كاردن، الذي كان أكثر وسامةً من أشهر الممثلين الذين رأيتهم في الماضي، لاحظت أن وجهه قد احمرّ.
‘هل غرفة الاستقبال حارة؟’
ربما انزعج من تحديقي فيه، إذ اقترب وهو يناديني باسمي.
“آنسة جورن.”
“نعم؟”
كنتُ أراقب بطل الرواية بملامحه المثالية بدهشة، ثم أدركتُ أنني أخطأت.
‘كان هذا تصرفًا غير لائق.’
كنت سأبادر بالاعتذار سريعًا، لكن فجأةً ركع كاردن على إحدى ركبتيه ومدّ يده نحوي بكل احترام.
“……!”
كنتُ أعرف تمامًا ما الذي ينوي فعله الآن. إنه مشهدٌ لا يمكن الاستغناء عنه في روايات الفانتازيا الرومانسية.
قبلةٌ يطبعها البطل على ظهر يد البطلة، تعبيرًا عن الإعجاب والتوقير….ذلك التعبير المثير للقشعريرة من شدة الرقة.
‘ولماذا يفعل هذا معي أنا؟’
نظرتُ إليه بعينين متحيرتين، لكنني لم أستطع تجاهل يده الممدودة أمامي، فوضعتُ يدي فوق يده.
وكما توقعت، استقرت شفاهه الدافئة على ظهر يدي لبرهة.
‘هذا….أكثر إحراجًا مما توقعت.’
لقد جرّبت الكثير من الملامسات الأخرى، لكن قبلة اليد كانت الأولى بالنسبة لي، فكنت أشعر بالخجل وأفكر: متى أسحب يدي؟
وبعد أن بقيت شفاهه الدافئة طويلًا، تحرر ظهر يدي أخيرًا….لكن كاردن لم يترك يدي التي أمسك بها، و تحدّث،
“هل تصدقين إن قلتُ أنني في اللحظة التي رأيت فيها وجهكِ شعرتُ وكأن جنيةً جاءت لعالم البشر، حتى كاد قلبي يتوقف؟”
‘ما هذا الهراء الذي يتفوه به؟’
“آنسة جورن، اسمحي لي بمناداتكِ باسمكِ.”
هل هذا حقًا بطل الرواية المعروف بجموده؟
على نحوٍ مربك، كان كاردن—الذي لم يكن يفعل سوى احتقار هارنا عادة—يبتسم لها الآن بلطف، ويطلب بأدبٍ أن يصبحا على علاقةٍ أقرب.
‘هذا مستحيل!’
هذا شيءٌ لا يمكن أن يحدث لهارنا.
فابتسمت ابتسامةً متكلفة. لكن وهو لا يزال ينتظر إجابتي، لم يكن أمامي إلا أن أومئ برأسي موافقة.
عندها ابتسم كاردن ابتسامةً مشرقة وكأنه امتلك العالم كله، وتابع الكلام كما لو أنه كان ينتظر هذه اللحظة.
“هارنا….هارنا.”
ظل ينادي باسمي عدة مرات، ثم ضحك وهو يضيّق عينيه،
“أنا أحبكِ.”
“ماذااا؟”
ما الذي يقوله هذا الآن؟
تحول ذهني إلى صفحةٍ بيضاء من شدة الاعتراف المفاجئ، حتى أنني نسيت هيبتي وصرختُ دون وعي،
“هل أنتَ مجنون؟”
_____________________
ذي الحركة الي تضحك😭 مجنون مدري هو ماقد شافها؟ بس انجن يوم شافها
المهم ادعم احفظي شعرس يجنن اهم شي الشعر للنسوان
وشسمه صدق عيون كاردن بنفسجيه؟ كأنها مب واضحه في الغلاف
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 4"