3
مسحتُ على عجلٍ الدموع التي انهمرت وأنا أستمع إلى كلمات الشكر الصادرة من خادمةٍ لا أعرف اسمها.
و كان قلبي يؤلمني من توسّلها بأن أُبقيها حيّةً لأنها بحاجةٍ إلى رعاية أمها المريضة.
‘كان قرارًا صائبًا أن أعطيها جوهرة.’
كانت لدى هارنا ثلاثة صناديق كبيرةٍ مليئةٍ بالجواهر. وكانت الصناديق تعجّ بجواهر جميلة مجهولة الاسم.
في قرارة نفسي، رغبتُ بأن أعطيها صندوقًا كاملًا، لكنني شعرتُ أن ذلك سيكون مبالغًا فيه، فحبستُ نفسي بصعوبة.
بعد أداءٍ شاق، شعرتُ ببعض الخفّة، فصعدتُ إلى السرير واستلقيتُ براحة.
جلستُ شاردة الذهن وقد استنزفتني أول تجربةٍ حقيقية في تمثيل دور الشريرة، ثم سارعتُ إلى إصلاح ملامحي. ففي أي لحظة قد يدخل أحد، وعليّ أن أبقى متيقظةً دائمًا.
وفجأة، ومع طرقٍ على الباب، نهضتُ من مكاني، ونفضتُ فستاني بقوّة، ثم فتحتُ فمي بصوتٍ ممتزجٍ بالضيق،
“ادخل.”
بمجرد سماع الإذن، انفتح الباب بحذرٍ شديد.
“تحياتي، آنستي. قال الماركيز أنه إن كانت صحتكِ بخير، فهو يدعوكِ لتناول الغداء معه.”
انحنى الخادم بأدب، و قال ما جاء لأجله فقط. فأومأتُ برأسي،
“قل له أنني فهمت.”
“نعم، آنستي.”
“حسنًا.”
انتهى الحديث، لكن الخادم بقي منحنياً في وضع التحية دون أن يتحرّك.
‘ما به؟ ألم ينتهِ كلامه؟ لماذا لا يخرج؟’
ارتبكتُ لعدم معرفتي بما يجب فعله، لكنني تظاهرتُ باللامبالاة وتنحنحت.
“همم، اذهب.”
“نعم؟”
“قلتُ اخرج!”
“آه، نعم! شكرًا جزيلًا. شكرًا لكِ حقًا، آنستي.”
رغم اهتزاز نبرتي قليلًا، نجحتُ في طرده بالصراخ وكأن الأمر طبيعي. لكن سؤالًا راودني فورًا.
إن كان مجرد قولي له اخرج يُعدّ أمرًا يستحق الشكر، فماذا كانت تفعل هارنا سابقًا؟’
فراودني الخوف من أن تكون لهارنا عاداتٌ غريبة لم تُذكر في الرواية.
‘هل سأُفتضح هكذا؟’
قبضتُ يدي وفتحتهما مرارًا بقلق.
إن كُشف أمري وأنني لستُ هارنا، فماذا سيحدث؟ هل سيعذّبونني مطالبين بمعرفة أين ذهبت هارنا الحقيقية؟ أم سيتّهمونني بالسحر ويحرقونني حيّة.…؟
‘لا، لن يُكشف أمري. سأعيش هنا كهارنا مهما كلّف الأمر!’
أعدتُ إشعال عزيمتي واستعدتُ رباطة جأشي.
‘الماركيز….إذاً هو والدي؟’
أبي….منذ أن فقدتُ عائلتي في حادث سير وأنا في الحادية عشرة، لم أنطق بهذه الكلمة إلا أثناء التمثيل.
لم يسبق لي أن واجهتُ أبًا في سني هذا، فشعرتُ بالحيرة.
‘كيف كانت علاقة هارنا بوالدها؟’
هل أتعامل معه كما كنتُ أفعل في الأدوار التي مثّلتُ فيها علاقة الأب بابنته؟ أم لأننا في مجتمع نبلاء، يجب أن أكون رسميةً ومتحفّظة؟
‘حتى لو كانت هارنا، فهي لم تكن لتسيء الأدب مع والدها، أليس كذلك؟’
وبينما كنتُ غارقةً في التفكير، سُمع طرقٌ على الباب.
فشعرتُ بالشفقة على الخدم الذين يخافون هارنا ومع ذلك يضطرون للعودة.
“ادخل.”
ثم دخلت ثلاث خادمات.
“هل تشعرين بتحسّن، آنستي؟”
انحنت امرأةٌ في منتصف العمر، تبدو الأكبر سنًا، وسألتني بلهجةٍ مهذّبة.
وبما أنني عشتُ في مجتمع يُعلي من شأن الأدب، تردّدتُ قليلًا في كيفية الرد، ثم قرّرتُ أن أتكلم ببساطة.
“أنا بخيرٍ الآن.”
“….…”
رغم أنني أجبتُ بنظرةٍ متعالية ورفعتُ ذقني بغطرسة، لم تتحرّك الخادمة وبقيت منحنية.
فكدتُ أصرخ في داخلي،
‘كيف كنتِ تعاملين الخدم بالضبط يا هارنا؟’
أخفيتُ ضيقي وسألتُها بنبرة فظة بلا داعٍ،
“ما الأمر؟”
“جئنا لمساعدتكِ على الاستحمام، ثم تهيئتكِ.”
نظرتُ إلى فستان النوم الخفيف والطويل الذي أرتديه، وأومأتُ برأسي.
ما إن صدر الإذن، حتى تقدّمت الخادمتان اللتان كانتا في الخلف. وبلمسةٍ المحترفين، جُرّدتُ من ملابسي في لحظات، وأُدخلتُ إلى حوض استحمامٍ تطفو فيه بتلات الورد.
وبينما كانت أيدٍ خبيرة تغسلني، بدأ جسدي يسترخي.
“آه!”
ربما أخطأت الخادمة التي تمشّط شعري، إذ شعرتُ فجأةً بشدّ قويٍ في فروة رأسي. لا بد أن بضع خصلات اقتُلعت، فصرختُ دون وعي.
“أ، أعتذر، آنستي! كان شعركِ متشابكًا وكنتُ أفكّه….لقد ارتكبتُ ذنبًا يستوجب الموت.”
راقبتُ الخادمة وهي تركع بلا تردّد وتضرب رأسها بالأرض المبتلّة. وحين ألقيتُ نظرةً جانبية، رأيتُ وجه الخادمة الأخرى التي كانت تجفّف جسدي قد شحب تمامًا.
“هاه.…”
لم يعد هذا النوع من ردود الفعل يفاجئني. بل شعرتُ فقط أن هذه هي اللحظة التي يجب أن أمثّل فيها هارنا الحقيقية.
***
كانت فيرا، التي ارتكبت خطأ شدّ شعر سيدتها، تشعر أن هذا اليوم سيكون آخر أيامها.
فقبل شهر فقط، ارتكبت خادمةٌ أخرى الخطأ ذاته، وما فعلته بها هارنا كان معروفًا للجميع.
“كيف تجرؤين، أيتها الحقيرة، على نزع شعرةٍ من رأسي؟”
صرختْ حينها، ثم بدأت تقتلع شعر الخادمة بيديها دون أن تُبقي خصلةً واحدة.
وبينما كانت الخادمة تصرخ صرخاتٍ ممزّقة، كانت هارنا تضحك ضحكةً شيطانية، وقصتها تلك ذاعت في أرجاء القصر.
ارتجفت يدا فيرا. منذ أن وقعت عليها القرعة لخدمة الاستحمام، و شعرت بشؤمٍ غريب، وها هو يتحقق.
ركعت وانحنت، وجسدها يرتجف، وعضّت على شفتيها حتى كادت تنزف خوفًا من أن تصرخ.
“ما اسمكِ؟”
“فيرا.”
“حسنًا، فيرا.”
حين ناداها الصوت البارد المخيف باسمها، أغمضت فيرا عينيها بإحكام.
“بما أنكِ تجرأتِ على إيلامي، فلا بد من عقاب، أليس كذلك؟”
“نعم.”
“اقتربي.”
زحفت فيرا على ركبتيها حتى انحنت أمام هارنا.
‘الآن سيتحوّل رأسي إلى كتلةٍ من الدم.’
لم يكن الألم وحده ما أخافها، بل تخيّلها لنفسها صلعاء بعد لحظات.
فسالت دمعة، لكنها أطبقت فمها وانتظرت العقاب.
“……!”
لكن الألم كان مختلفًا عمّا توقّعت. لم يكن عذابًا مروّعًا، بل لسعةٌ خفيفة لاقتلاع بضع شعراتٍ فقط.
فرفعت فيرا رأسها بدهشة.
“ها قد نلتِ عقابك، عودي الآن لتمشيط شعري.”
“نعم؟”
“ماذا؟ أكان العقاب خفيفًا؟ هل أقتلع المزيد؟”
عند كلمات هارنا، سرت قشعريرةٌ في ذراع فيرا. لو أنها التزمت الصمت لمرّ الأمر، لكنها فزعت فردّت دون قصد.
و أغمضت فيرا عينيها بإحكام، معتقدةً أنها ستنال عقابًا أشد، لكنها لم تشعر بأي حركة.
وحين تحسّست الوضع ورفعت رأسها، رأت هارنا مغمضة العينين، متكئةً بهدوءٍ على حافة حوض الاستحمام.
“سأنهي الأمر بحذر، آنستي.”
أدركت فيرا حينها أن هارنا قد سامحتها على خطئها.
وبعد أن انحلّ توترها، نهضت بصعوبة على ساقين مرتجفتين، وراحت تمشّط الشعر البرتقالي.
كان صوت هارنا وتعابيرها مخيفة كالمعتاد، لكن أفعالها هذه المرة لم تكن كذلك.
***
بعد انتهاء الاستحمام، وبمساعدة الخادمات، جففتُ جسدي وشعري، ثم اخترت من بين الفساتين الفاخرة، الفاخرة، الفاخرة….واحدًا أقل فخامةً نسبيًا وارتديته.
رفضت وضع المكياج، وتبعت الخادمة التي أخبرتني بأن الغداء قد أُعدّ.
مع كل خطوة، كانت أطراف الفستان المليئة بالدانتيل تتحرك برفقٍ وكأنها ترقص.
تذكّرت الفستان الذي ارتديته في حفل التكريم قبل موتي. ظننت أنني لن أرتدي فستانًا مجددًا لفترةٍ طويلة، لكنني أصبحت جسدًا مقدّرًا له أن يرتدي الفساتين طوال حياته.
كنت أمشي مكتئبةً أحدّق في الفستان غير المريح، حين لاحظت الخادمة التي تتقدم الطريق تراقبني بحذر.
فقد كنتُ قد وبّختها بصرامة وطلبت منها أن تتقدم وتقودني حتى غرفة الطعام.
‘آسفة، لكن لا حيلة لي. فأنا لا أعرف أين تقع غرفة الطعام.’
قد تظن أنني أتعمد تعذيبها بطريقةٍ جديدة، لكن لم يكن لدي خيار.
تماسكتُ في تعابيري وأشرت لها بعيني أن تُسرع. و الخادمة، التي بدا عليها أنها على وشك البكاء، تابعت السير بجد، وحين وصلنا إلى المكان انحنت بخصرها وانتظرتني لأدخل.
فأطلقتُ صوتاً متعمدًا “همف!” وتجاوزتُ الخادمة إلى داخل القاعة.
توقفتُ مندهشةً أمام الطاولة الضخمة. كانت تتسع لعشرين شخصًا على الأقل، وقد وُضعت فوقها أطعمةٌ وفيرة تفوق ما يحتاجه شخصان بكثير.
وأنا أشعر مجددًا بأن مقياس النبلاء مختلفٌ فعلًا، أخذتُ أتأمل المكان.
اصطفّت تماثيل دقيقة وأرضيةٌ رخامية أنيقة جعلت غرفة الطعام تبدو مهيبة، وحينها شعرت بنظرةٍ موجّهةٍ نحوي.
كان رجلٌ في منتصف العمر قد وصل قبلي وينتظر بصمت، يحدّق بي دون أن ينبس بكلمة.
رجلٌ يتمتع بوقارٍ ونضج، بشعر برتقالي وعينين ذهبيتين تمامًا كعينَي هارنا، إنه الماركيز جورن.
راقبت ملامح وجه الماركيز جورن الشبيهة بهارنا، ثم توجهتُ إلى مقعدي وجلست.
“هل تشعرين بتحسن؟”
“أعتذر لأنني أقلقتكَ. أنا بخير، أبي.”
“أبي؟”
مال رأس الماركيز جورن باستغراب وهو يكرر كلمتي.
‘هاه؟ ألم تكن هارنا تناديه هكذا؟’
آه!
بقي لقبٌ واحدٌ حميمي يمكن مناداة الأب الحقيقي به.
“بـ….بابا؟”
“….هيا نتناول الطعام. بما أنكِ لم تمضي وقتًا طويلًا منذ استيقاظكِ، أوصيتُ بأن تُحضَّر أطعمةٌ خفيفة.”
“شكرًا لكَ، بابا!”
لم يكن الأمر طبيعيًا تمامًا، لكن حين رأيتُ الدوق يتابع الحديث بسلاسة، تنفست الصعداء دون وعي.
‘إذًا كانت تناديه بابا.’
ألقيتُ نظرة جانبية على الماركيز جورن وأنا أفكر أن هذا لقبٌ مألوفٌ نسبيًا لهارنا، ثم بدأتُ بتناول الحساء الموضوع أمامي.
‘أوه، لذيذ.’
ما إن أدركت أنه أول طعام أتناوله منذ دخلت جسد هارنا، حتى داهمني جوعٌ شديد.
أكلت الحساء بنهم، ثم تذكّرت فجأةً دروس آداب المائدة الراقية التي تعلمتها أثناء تدريبات التمثيل. فعدّلت جلستي سريعًا، واستقمتُ في جلوسي وأمسكتُ بالملعقة من جديد.
حافظتُ على اللباقة، لكنني أنهيتُ الحساء بسرعة.
‘نعم، هكذا أفضل.’
وحين هممتُ بتناول الخبز بعد الانتهاء من المقبلات، وُضع أمامي وعاء حساءٍ لم يُمس.
كان الماركيز جورن قد قدّم لي حصته. فابتسمتُ له بلطفٍ،
“شكرًا لكَ، بابا.”
وسجّلتُ معلومةً جديدة في ذهني. لحسن الحظ، لم تكن علاقة هارنا بالماركيز جورن سيئة.
***
مرّ أسبوعٌ منذ دخلتُ جسد هارنا. وعلى عكس اليوم الأول، أصبحتُ أمثّل دورها الآن دون أخطاءٍ تُذكر.
كما أنني صرتُ أتناول الغداء أو العشاء يوميًا مع بابا، الماركيز جورن.
اليوم أيضًا، جاءت خادمةٌ لتأخذني بعدما أُعلن أن الغداء جاهز، وتقدمتني تلقائيًا لتدلّني على الطريق.
‘منذ أيامٍ قليلة فقط كانت ترتجف هكذا.’
ابتسمتُ بخفة لهذا التغيّر غير السيئ.
صحيحٌ أنني صرت أعرف أرجاء القصر جيدًا، لكنني لم أرفض مرافقة الخادمة اللطيفة. فقد كان من اللطيف أنها تلتفت أحيانًا لتتأكد أنني أسير خلفها.
“أتمنى لكِ وجبةً شهية.”
“نعم. شكرًا لكِ اليوم أيضًا.”
اتسعت عينا الخادمة دهشة، ثم تحوّلتا إلى هلالين من الابتسام.
ربّتُّ بخفةٍ على كتفها وهي تفتح لي الباب وتنتظرني، ثم دخلتُ إلى الداخل. و كان الماركيز جورن جالسًا في مكانه كالمعتاد.
“يبدو أنني تأخرتُ مجددًا.”
“أنا من أتى مبكرًا. اجلسي يا هارنا.”
“نعم.”
جلستُ في مكاني، مرتسمةً على وجهي ابتسامةٌ مشرقة، وهي أكثر الأدوار التي أجيد تمثيلها.
___________________
بابا🥺 وناسه بابا حنون
البطلة الاصليه في القصه واضح كيوت والبطل يضحك ومساعد البطل يضحك والامير بعد هو بيوقع والابو حنون اخيرا مافيه شي يرفع الضغط✨
بس صدق ليه هارنا انحاشت لذا الدرجة ماتبي تعيش والبطل يكرها؟ شكلها كان الوحيده المجنونه في عالمهم ذاه
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 3"