سرعان ما تحققت كلمات هارين عن اللقاء القريب. فقد وصلني خطابه قبل يومين.
ولأنني لم أتلقَّ دعوةً من عالم الصالونات الاجتماعية منذ مدةٍ طويلة، ابتهجتُ حين رأيتُ فيرا تدخل وهي تحمل ظرفًا أبيض بعد غياب.
وبمجرد أن خطر ببالي أنني سأسمع مجددًا قصص المجتمع الممتعة، انتعش مزاجي تلقائيًا.
“ممن جاءت الدعوة؟”
كنتُ أنوي حضور الحفل أيًّا كان صاحبه، لكن استعجالي دفعني للسؤال قبل أن أستلم الظرف من فيرا. غير أنها اكتفت بالابتسام وقدّمته لي.
و بدافع الفضول، تناولت الظرف على عجل وألقيتُ نظرةً عليه. وما إن تأكدتُ من الاسم المكتوب حتى اختفت ابتسامتي.
“فيرا، هل أنا أقرأ كثيرًا هذه الأيام لدرجة أن بصري صار سيئًا؟ تعالي واقرئي لي هذا الاسم.”
فزعت فيرا من سؤالي واقتربت مسرعة.
“هل أنتِ بخير؟ قلتُ لكِ مرارًا ألا تقرئي في الأماكن المظلمة!”
“لا، اتركي التوبيخ الآن، واقرئي فقط اسم المرسل.”
“هنا مكتوب: هارين جورن. إنها رسالةٌ من السيد الشاب. أنتِ سعيدة، أليس كذلك؟”
ابتسمت فيرا ابتسامةً عريضة وكأنها تؤكد لي أن عينيّ لا تخدعاني. و لعلها ظنت أن هذه ثمرة جهودي في كسب ودّ هارين.
لكنني لم أستطع أن أبتسم مثلها.
“سأخرج قليلًا لقضاء أمرٍ ما. إن احتجتِ شيئًا، ناديني.”
هل ظنت أن وجودها يمنعني من إظهار فرحتي؟
أومأت فيرا برأسها بملامح تفهم، ثم خرجت من الغرفة. وبقيتُ وحدي، ففتحت الظرف بيدين مرتجفتين.
[إلى هارنا.
سيكون ميلاد والدي قريبًا، إن لم تمانعي، فلنخرج معًا لشراء هديةٍ له.
بعد يومين، الساعة الواحدة بعد الظهر، انتظريني عند الباب الخلفي للقصر، وكوني متخفيةً بغطاءٍ للرأس.
هارين جورن]
ثم أعدتُ قراءة الرسالة مرةً أخرى، لأتأكد أنني فهمتها جيدًا.
“نخرج معًا؟”
مهما قرأتها، لم يتغير المعنى. كان يدعوني للخروج معه لشراء هدية لأبي.
“هذا أمرٌ جيد. ألم أكن أريد التقرب من هارين؟”
ابتسمتُ ابتسامةً متكلفة. و كان وجهه البارد الوسيم يطفو في ذهني مرارًا.
صحيحٌ أنه ربت على رأسي في النهاية، لكنه قبل ذلك كان مخيفًا.
‘حسنًا. سأُريه هذه المرة أنني تغيّرتُ، وسأقتربُ منه.’
مدّ هارين يده إليّ بصعوبة، بصفته أخًا، ولم أكن لأفوّت هذه الفرصة التي قد تكون الأخيرة.
رغم ارتباكي في البداية، أعدتُ الرسالة بعنايةٍ إلى ظرفها وضممته إلى صدري. وتمنيتُ، إن اقتربنا هذه المرة، أن يبتسم لي حين ينظر إليّ.
وهكذا مضى الوقت سريعًا، وحلّ يوم لقائي بهارين.
ارتديتُ فستانًا مريحًا للخروج، ووضعتُ فوقه غطاءً أسود كما طلب، ووقفتُ عند الباب الخلفي. ولأن الوقوف وحدي كان مملًا، أخذتُ أركل بحذائي حصاةً صغيرةً على الأرض.
حينها، ألقى ظلّ كبيرٌ نفسه فوق رأسي. فرفعتُ نظري و رأيت رجلًا يغطّي رأسه بغطاءٍ شبيهٍ بغطائي.
“أخي؟”
وكأنه يطمئنني، كشف غطاءه قليلًا، فظهرت خصلات شعره البرتقالية نفسها، وملامحه الوسيمة.
“هل انتظرتِ طويلًا؟”
“لا، خرجتُ للتو.”
“إذًا، لنذهب.”
أمسكتُ بحذر باليد التي مدّها نحوي بلباقةٍ رغم نبرته الجافة.
وهكذا بدأت نزهةٌ نابضة بالتوتر مع أخي هارين، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.
***
“سأركب الحصان؟”
“نعم.”
قال هارين ذلك مشيرًا إلى الحصان الذي جاء به.
وبحكم عملي كممثلة، كانت لدي خبرةٌ بتصوير أفلامٍ ومسلسلاتٍ تاريخية. ورأيتُ الخيول عن قربٍ مرارًا، لكنني غالبًا ما أدّيت أدوار فتياتٍ من بيوت النبلاء، فلم أركب حصانًا بنفسي.
نظرتُ إلى الحصان الذي كان ينفث الهواء بغضبٍ وكأنه غير راضٍ عن وجودي قرب صاحبه، فترددتُ: هل من الآمن حقًا أن أركبه؟
لكن هارين، وكأنه لم يرَ خوفي، رفعني فجأة.
“آه!”
جلستُ على السرج دون أن أدرك ما يحدث، ثم جلس هارين خلفي.
أجبر يديّ المتخشبتين على الإمساك باللجام معه، ثم ضغط على خصر الحصان بقدمه. فأطلق الحصان صهيلًا عاليًا واندفع مسرعًا حيث يقوده هارين.
في البداية تماسكتُ. و جلستُ مستقيمة، أتحمل اهتزاز رأسي وجسدي. لكن مع مرور الوقت اختل توازني، وداهمني الخوف من السقوط، فلم أعد أفعل سوى الصراخ.
وعندما وصلنا إلى السوق المزدحم ونزلتُ عن الحصان بعد ذلك الرعب، جلستُ على الأرض فورًا.
“هل أنتِ بخير؟”
عندها فقط أدرك هارين أن حالتي ليست على ما يرام، فسألني بقلق.
وفي تلك اللحظة، انهار آخر خيطٍ من تعقلي، واندفع غضبي دفعة واحدة.
“هاه؟ تسأل إن كنتُ بخير؟ هل يبدو لكَ هذا بخير؟ أيها الوغد!”
لم يكن هذا تمثيل الشريرة هارنا، بل شتيمةً صادقة أطلقتها يون سونغ آه من أعماق غضبها.
***
كان هارين يشرب ماءً باردًا، يراقب انعكاس هارنا في النافذة ويفكر.
من أين بدأ الخطأ؟
لقاؤهما الأول وتبادل التحية كانا على ما يرام. إذًا لا بد أن ركوب الحصان هو المشكلة.
“عندما أكبر قليلًا، سأركب الحصان معكَ.”
“هذا خطير.”
“لكننا نستطيع الركوب معًا! سأجلس أمامكَ كالأميرة، وتحتضنني كالأمير، وحينها لن يكون هناك أي خطر!”
“لكن.…”
“أريد أنا أيضًا أن أركب الحصان وأذهب في موعدٍ مع رجل وسيمٍ مثلكَ يا أخي!”
“همم، حسنًا. لكن بشرط أن تأكلي جيدًا دون انتقائية، حتى تكبري.”
“حقًا؟ رائع! سأبدأ بالأكل كثيرًا من اليوم!”
تذكر هارين هارنا الصغيرة وهي تضحك وتحتضنه بسعادة. وقد أراد الوفاء بذلك الوعد القديم، فتعمد أن يأتي على ظهر حصان.
كان يتوقع أن تفرح هارنا كما في الماضي وهو يركب معها.
وعندما صرخت أمامه، ظن أنها تصرخ من شدة الحماس، فاندفع أسرع، ثم شتم نفسه على قلة فطنته.
لقد كان غبيًا إلى حدٍ لا يُغتفر.
ناول هارين كأس ماءٍ ممتلئ لهارنا التي أنهت شرب ما كان معها.
“أنا آسف.”
اعتذر هارين لهارنا التي كانت تشرب الماء البارد للمرة الثالثة على التوالي دفعةً واحدة. فاتسعت عيناها لاعتذاره، ثم ضاقتا بخجلٍ لطيف.
وضعت هارنا الكأس الفارغ أمامها، ثم مدت يدها إلى هارين الذي بدا منكسراً.
“وأنا أيضًا آسفة. مهما كنتُ غاضبة، كان خطأً أن أصفكَ بالوغد.”
“…….”
ابتسم هارين بخفةٍ عند سماعه كلمة “وغد”، ثم اعتذر مجددًا لأخته التي باتت تنظر إليه مبتسمة.
“أنا آسف.”
“لا بأس يا أخي.…”
“وأيضًا….شكرًا لكِ.”
لأنكِ عدتِ إليّ كما كنتِ في طفولتكِ.
لأنكِ نظرتِ إليّ بعينين دافئتين لا بنظراتٍ حادة جارحة.
لأنكِ ناديتِني “أخي” مجددًا، الكلمة التي ظننتُ أنني لن أسمعها مرةً أخرى.
“شكرًا لكِ حقًا.”
ابتسم هارين. و حدّقت فيه هارنا لحظةً بوجهٍ شارد، ثم ابتسمت ابتسامةً أوسع منه.
كان الشقيقان يتبادلان النظرات بملامح سعيدة. و بدا المشهد حميمًا ودافئًا للغاية.
***
“ما رأيكَ بهذا؟”
أريتُ هارين زينةً لغمد سيفٍ مرصعةً بجوهرةٍ حمراء.
“جيدة.”
“همم.”
تابعتُ التجول هنا وهناك، ثم رفعتُ ربطة عنقٍ فاخرة.
“وماذا عن هذه؟”
“جميلة.”
ضيّقتُ عينيّ وأنا أراقب هارين الذي لا يقول سوى “جيدة” و “جميلة” لكل شيء.
حتى لو سألتُه إن كان الفستان يصلح هديةً لأبي لقال جيد، لذا سألته مباشرة.
“هل كل ما أختاره جيد؟ أم أنكَ لا تبالي أيًّا كان؟”
“كل ما تختارينه سيعجب والدي. الأمر ليس بلا فرق.”
“مع ذلك، بما أننا نختار الهدية معًا، ركّز قليلًا من فضلكَ.”
“حسنًا، سأفعل.”
ضحكتُ دون قصدٍ وأنا أراه الآن يراعي مشاعري.
صحيحٌ أن ركوب الخيل قبل قليلٍ كان كارثة، لكن زوال الأجواء المتوترة بيني وبين هارين بهذا الشكل كان أمرًا رائعًا.
أمسك هارين قطعةً معدنيةً غريبةً ليجعلها هديةً لأبي، لكنني رفضتُ بحزم، فعبس وجهه بخيبة.
أن نصل إلى مرحلةٍ نمزح ونضحك هكذا لم يكن أمرًا أتوقعه. سعيدةٌ لأنني تشجعتُ وخرجتُ معه.
بعد تفكيرٍ طويل، قررتُ شراء زينة السيف وربطتي عنقٍ معًا. وعندما خرجنا من المتجر بعد تغليف الهدايا، كان الظلام قد بدأ يحل مع غروب الشمس.
“لقد تأخر الوقت كثيرًا. هل ترغبين بتناول شيء؟”
هل هذا هو نفسه هارين جورن الذي كان ينظر إليّ بازدراءٍ قبل يومين؟
استغربتُ الوضع الذي ما زلت لم أعتد عليه، ثم أجبتُ سريعًا.
“أشعر بالجوع قليلًا. ما رأيكَ أن نذهب لشرب شايٍ لذيذ وتناول بعض الحلوى؟”
“حسنًا. إذاً، هناك في الأمام.…”
قبل أن يُكمل هارين كلامه، ارتطم شيءٌ صغير بجسدي ثم اختفى بسرعة.
“……!”
ترنح جسدي وكدتُ أسقط من شدة الصدمة، لكن هارين الذي كان بجانبي أمسك بي، فنجوتُ من السقوط.
“ماذا حدث؟”
وبينما كنتُ أستعيد وعيي، شعرت بأن جيب ردائي أصبح أخف.
“يبدو أنه نشّال!”
“لا تقلقي. ادخلي المتجر الذي كنا فيه قبل قليل. سأتولى الأمر.”
أومأتُ برأسي موافقة، فاختفى بسرعة.
تفقدتُ صدري مرةً أخرى، لأتأكد أن كيس الذهب الذي وضعته عمدًا في الجيب الداخلي، مع هدية ميلاد أبي، قد اختفيا معًا.
و لم أستطع التحمل، فانطلقتُ أجري خلف هارين.
***
بدأ ديون يركض وهو يضم كيس النقود وصندوق الهدية إلى صدره.
كان الشخصان اللذان اصطدم بهما قد غطّيا وجهيهما لإخفاء هويتهما، لكن من الرداء الجيد والحذاء الغالي، يسهل معرفة أنهما من أبناء الأغنياء أو النبلاء.
وبعد أن دخل زقاقًا مظلمًا، فتح ديون الكيس الذي سرقه من الجيب الداخلي. وما إن رأى الذهب اللامع يملأه حتى تلألأت عيناه البنيتان بوميضٍ ذهبي.
‘بهذا القدر من الذهب، يمكنني علاج هانا وإصلاح المنزل.’
أخفى ديون الكيس مجددًا في صدره، ثم فتح صندوق الهدية الذي سرقه معها. و في الداخل كانت هناك زينةٌ فاخرة وربطة عنق.
‘كان ينبغي ألا أسرق هذا.’
لم يكن بحاجةٍ إلى هذه الأشياء، لكن حين تخيل أن صاحبها كان ينوي تقديمها هديةً لشخصٍ عزيزٍ عليه، ثقل قلبه.
رغم أنه يعيش بسرقة أموال الآخرين، إلا أن ما تبقى لديه من ضميرٍ جعله يتردد، ثم أعاد الصندوق إلى صدره.
قرر أنه إن صادفهما مجددًا فسيعيده سرًا، وبينما كان يستعد للذهاب إلى هانا التي تنتظره، سمع صوتًا لم يكن يتمنى سماعه الآن.
“أوه، من هذا! أليس هذا ديون؟”
أسرع ديون بإغلاق أزرار سترته البالية. بينما اقترب صوت الضحك المكتوم وهو يتهكم.
عضّ ديون على شفته السفلى بقوةٍ محاولًا التماسك، ثم استدار بوجه متسائل. وكما توقع، كان أصحاب الصوت هم عصابة كاديك التي تتخذ من هذا الزقاق مسرحًا لتسلطها.
تقدم كاديك ببطنه المنتفخ وجبهته اللامعة من كثرة الدهن، مبتسمًا ابتسامةً خبيثة، وخلفه وقف أتباعه بأعدادٍ كبيرة.
____________________
واضحه ذولا هارنا بتساعدهم ويجون معها زي فيرا🤏🏻 وناسه اهم شي مافيه غثا
المهم يضحك هارين يوم قام يسرع يحسبها مستانسه😭😭 ترا فيه فرق بين صراخ المستانس والخايف يخوي
و هارنا يوم سبته ثم تأسفوا وضحكوا ايه نعم هذي علاقة الاخوان ولا بلاش☹️
طبعا فيه نوعين بعد السب بين الاخوان الي يعتذر ويضحك والي مايعتذر ويضحك✨
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 14"