‘انتهى الأمر.’
لم يخطر ببالي سوى أنني انتهيت فعلًا.
كيف لي أن أعرف؟ لم أكن أعلم حتى لمن هذه الغرفة أصلًا!
‘إنها غرفة والدة هارنا.’
كنتُ أحدق في الغرفة التي ما زالت تحتفظ بآثار الأم التي أنجبت هارنا ورحلت عن الدنيا، ثم أفقتُ على نفسي. فلم يكن هذا وقت الانغماس في المشاعر.
‘حسنًا، لنفكر.’
من منظور هارين، كنتُ أعلم أن مقبض الباب معطّل، ومع ذلك أغلقتُ الباب واحتجزتُ نفسي في الداخل. أي أن عليّ أن أشرح له لماذا تصرفتُ هكذا.
وهذا يعني أن الوقت قد حان لاستخدام مهارتي الخاصة: الارتجال.
عندما كنتُ يون سونغ آه وأصوّر الأفلام، كانت الجمل التي أضيفها ارتجالًا نادرًا ما تُحذف في المونتاج.
وإن كنتُ أنا التي أشاد بها المخرجون لسرعة بديهتها، فلا بد أنني سأتمكن من تجاوز هذه الأزمة أيضًا.
فابتلعتُ ريقي. ثم فكرت: كيف ستتصرف هارنا؟ و الإجابة جاءت فورًا.
“لأنكَ لو لم أفعل هذا لما منحتني وقتًا أصلًا، أليس كذلك؟ نحن عالقان هنا لأنكَ لم تحاول حتى أن تسمعني.”
نبرة كلامي كانت لاذعةً أكثر من المشروبات الغازية، فبدت على وجه هارين، الذي لم تتغير ملامحه حتى الآن، نظرة ذهول.
لكنني لا أستطيع في هذا الموقف أن أعتذر عن إغلاق الباب بحجة أنني لم أكن أعلم أن المقبض مكسور، لذلك قررتُ أن أتمادى بوقاحةٍ أكبر.
“إذًا هذا هو وجهكِ الحقيقي؟”
“نعم. سألتني قبل قليل ما الذي أريده، أليس كذلك؟”
“.……”
“أريد أن أحدثكَ عن نفسي. هذا هو الغرض.”
***
مثل هارنا ذات العينين المائلتين كعيني قط، كان هارين، الوسيم ذو الملامح الباردة، يبدو مخيفًا بمجرد أن يرفع عينيه قليلًا.
كنتُ أتحدث وأنا جالسةٌ أمام رجلٍ وسيمٍ غاضب إلى حدٍّ مخيف، بينما كنتُ في داخلي أرغب بالفرار.
‘كان يجب أن أكتفي بتحسن علاقتي بأبي.’
وأنا أشتم نفسي الماضية التي قررت استعادة علاقتها مع أخي لمجرد أننا عائلة، واصلتُ الكلام.
“…بدأتُ أشعر بالاشمئزاز من إيذاء الناس. وعندما رأيتُ أبي يبكي وهو يقول أنني أحسنتُ لأنني أصبحتُ أعيش مثل الآخرين حياةً عادية، اتخذتُ قراري. قررتُ ألا أؤذي من هم أضعف مني بعد الآن.”
“….…”
“لا، بل قررتُ ألا أتعامل مع أي شخصٍ باستخفافٍ مرةً أخرى.”
حتى أنا شعرتُ أنني أنهيتُ كلامي بطريقةٍ مقنعة. فابتسمتُ لهارين بأجمل ابتسامةٍ أستطيعها، على أنها اعترافٌ بالخطأ وبدايةٌ جديدة.
“أتفهم إن لم تصدقني يا أخي. فقد ارتكبتُ الكثير من الأخطاء.”
وأنا أراه جالسًا بلا أي رد فعل، لا يجيب ولا يعلّق، خفضتُ رأسي قليلًا.
هنا يجب أن أبدو مثيرةً للشفقة لتحقيق التأثير الدرامي.
“هل يمكن أن تمنحني فرصةً واحدةً فقط؟”
“….…”
“أريد أن أنال عفوكَ.”
قلتُ كل ما أردتُ قوله، لكن لم يأتِ أي رد. فاستسلمتُ لعدم سماع الإجابة وأسندتُ وجهي إلى ركبتيّ المضمومتين بضعف.
دافعتُ عن نفسي بكل ما أملك. والآن، سواءً صدّقني أم لا، فذلك خيار هارين.
كنتُ أشعر بنظراته عليّ باستمرار، لكنني لم أرفع رأسي.
كان الليل قد تعمّق، والغرفة معتمةٌ باعتدال، وربما لأن وضعيتي كانت مريحةً أكثر من اللازم….
كان وقت النوم قد تجاوز منذ زمن، وأصبحت جفوني ثقيلةً شيئًا فشيئًا.
‘آه، لا ينبغي أن أنام هكذا….’
حاولتُ بكل قوتي أن أُبقي عيني مفتوحتين، لكن كما يقولون: أثقل شيءٍ في العالم هو جفنا الإنسان.
كنتُ أرمش ببطءٍ كحيوان الكسلان، ثم غلبني النوم وانزلقتُ إليه بهدوء.
***
“هل نامت؟”
عندما بدأت هارنا، التي كانت مطأطئة الرأس، تتنفس بأنفاسٍ منتظمة، فتح هارين فمه أخيرًا بعد صمتٍ طويل.
“نعم. منذ صغرها وهي كثيرة النوم.”
جلس هارين، الذي كان متخشبًا في جلسته، بجانب هارنا النائمة بحذر، ثم جعلها تستلقي على فخذه ببطءٍ كي لا تستيقظ.
وهو ينظر إلى هارنا الغارقة في النوم دون أن تتحرك، خطر بباله فجأةً ذكرى حنونة.
ذكرى صاحبة هذه الغرفة، ووالدة الشقيقين، غرينديا.
كانت غرينديا تجلس على السجادة، تضع هارين الصغير على حجرها وتربت على رأسه بحنان. و بلمستها الدافئة كان ينام قيلولةً مريحة، أو يستمع إلى قصصها.
وأثناء تجواله بنظره في الغرفة المليئة بذكريات الطفولة الدافئة، تذكر وصية والدته الأخيرة.
كانت غرينديا، التي أنهكها المرض بعد إنجاب هارنا، تمسك بيد هارين وتتنفس بصعوبة.
“يا صغيري الحبيب. هل ستعتني بأختكَ بدلًا عني؟ أنا آسفة….آسفة حقًا يا صغيري.”
كانت دموعها تنهمر وهي تعتذر عن اضطرارها لترك ابنها الصغير وابنتها حديثة الولادة. وتحولت كلماتها في النهاية إلى وصيةٍ أخيرة.
هل لأنه في غرفة والدته تذكّرها فجأة؟ أم لأنه يرى في وجه هارنا، التي ورثت لون شعر وعينَي أبيها، ملامح أمه؟
مدّ هارين يده وربت بلطفٍ على رأس هارنا.
“هل يمكنني أن أصدقكِ؟”
كان متحفظًا، خائفًا من أن يصدق مرةً أخرى ثم يُخذل فيتألم أكثر.
ومع ذلك، كان يعلم الحقيقة. فمنذ اللحظة التي نادته فيها “أخي”، بدأ قلبه الذي أقسم ألا يهتز يتحرك من جديد.
وبينما كانت تعبس بين حاجبيها قليلًا كأنها ترى حلمًا ما، وتقلب جسدها، سقط صندوقٌ صغير من بين ذراعيها على الأرض.
فتردد هارين قليلًا، ثم التقط الصندوق.
بدا الصندوق متجعّدًا، وكأنها كانت تضمه بقوةٍ طوال الوقت. و فتحه فرأى منديلًا مطويًا بعناية.
وبعد أن تأكد من أن هارنا لا تزال نائمةً بوجهٍ هادئ، فتح المنديل بحذر.
“……!”
كان هارين قد تلقى عددًا لا يُحصى من رسائل الاعتراف والمناشف المطرزة من آنسات النبلاء. و كانت مناديلهن جميلةً للغاية، مطرزةً بأزهارٍ دقيقة أو حيواناتٍ تبدو كأنها تتحرك.
وبالمقارنة، كان المنديل الذي طرزته هارنا بسيطًا إلى حدٍّ مؤسف. زهرةٌ معوجة، ساقٌ متفاوتة السماكة، وحتى اسم “هارين جورن” بأحجامٍ غير متناسقة.
لكن حين تخيّل أخته تمسك بالإبرة والخيط بيدين غير ماهرتين من أجله، امتلأت عينا هارين بالدموع قبل أن تختفي.
ثم أعاد المنديل إلى الصندوق بعناية، ونظر إلى هارنا بنظرةٍ مختلفة.
ليست نظرة شتاءٍ قاسٍ متجمد، بل نظرةً دافئةً ولطيفة.
***
“همم.”
تقلبتُ وسحبتُ الغطاء نحوي. و كان ملمس اللحاف الدافئ مريحًا لدرجة أن ابتسامةً ارتسمت على وجهي.
كنتُ على وشك أن أعود إلى نومٍ عميق، حين انتبهتُ فجأة.
‘لقد جننتُ!’
أزحتُ الغطاء وقفزتُ من السرير أتفقد المكان.
كنتُ متأكدةً أنني كنت محبوسةً مع هارين في غرفة أمي، فكيف عدتُ إلى غرفتي؟
سحبتُ الحبل بسرعة. وبعد قليل دخلت فيرا.
“آنستي.”
“كيف عدتُ إلى غرفتي؟”
“أحد الخدم كان يمر خارج الغرفة وسمع صوت السيد هارين، ففتح الباب. ثم حملكِ السيد هارين بنفسه وأعادكِ إلى غرفتكِ.”
“ماذا؟”
ارتفعت أصابعي إلى أعلى رأسي دون وعيٍ مني، ثم قبضت على شعري بقوة كأنني سأنزعه بالكامل. فهرعت فيرا مذعورةً لتمنعني، لكنني هززتُ رأسي يائسةً.
في وقتٍ يفترض أن أترك فيه انطباعًا جيدًا….أنام؟
حتى وإن كان الوقت متأخرًا، فإن إضاعة لحظةٍ مهمةٍ كهذه بالنوم كان أمرًا مثيرًا للشفقة حقًا.
‘هل أستسلم فحسب؟’
على أي حال، هارين لا يأتي إلى المنزل كثيرًا، وإن تجنبتُه باعتدالٍ فلن نلتقي.
‘صحيح! لنتخلَّ عن تحسين العلاقة مع أخي. فكم من بيتٍ تسوده علاقةٌ طيبة بين الإخوة أصلًا؟’
وبينما كنتُ أغوص وحدي في دوامة الأفكار، فتحت فيرا فمها بعد أن نزعت يدي بصعوبةٍ من شعري.
“سيعود السيد الشاب قريبًا إلى القصر الإمبراطوري. سأُعدّكِ بسرعة. أنتِ تريدين توديعه، أليس كذلك؟”
نظرتُ إلى فيرا بصمت، إلى لمستها اللطيفة التي كانت كمن يواسي طفلًا.
‘هل كان شعوري واضحًا إلى هذه الدرجة؟’
فأومأتُ برأسي بهدوء، وتركتُ نفسي بين يدي فيرا.
صحيحٌ أنني فكرتُ بالاستسلام، لكنني لم أرغب في أن أُبغَض من عائلتي بالدم. فهارين، الأخ الحقيقي لهارنا، بات الآن عائلتي.
‘حسنًا….فلنحاول قليلًا بعد!’
لم يكن هذا سوى اللقاء الأول. وستكون هناك فرصٌ كثيرةٌ لاحقًا، الاستسلام مبكرًا لا يشبهني.
بعد أن رتبتُ شعري المنفوش، واستعدتُ هيئة آنسةٍ نبيلة في لمح البصر، بدّلتُ فستاني وخرجتُ مسرعة.
كان هناك عددٌ كبيرٌ من الخدم قد اصطفوا بالفعل لتوديع هارين.
ناسِيةً وقار النبيلة، أسرعتُ الخطى ووقفتُ بشكلٍ طبيعي إلى جانب أبي.
ابتسامة أبي التي وُجهت إليّ أذابت قلبي. فبعد كل تلك الملامح الجامدة من هارين، رؤية ابتسامة مليئة بالمحبة جعلتني أشعر وكأنني أتنفس مجددًا.
وبعد قليل، ظهر هارين وقد أنهى كل استعداداته. و تقدم إلى أمام والدي وأدّى التحية بأدب.
“اذهب بسلام.”
“نعم، يا أبي.”
وبعد أن انتهى ذلك الوداع القصير والجامد بين الأب وابنه، ألقيتُ نظرةً مترددة.
‘هل يمكنني أن أحييه أنا أيضًا؟’
وبعد لحظة حسم، أمسكتُ بطرف فستاني وانحنيتُ تحية خفيفة.
“أتمنى أن نلتقي مجددًا، يا أخي.”
“….نعم.”
لحسن الحظ، سمعتُ ردًا. فابتسمتُ بخفةٍ لشعوري بالسعادة، و لاحظتُ هارين يحدق في وجهي.
طَقّ-
ثم هبطت فجأة يدٌ دافئةٌ على رأسي.
“هاه؟”
رفعتُ رأسي بدهشة، إذ كانت اللمسة مألوفة، وكأنه اعتاد أن يفعل ذلك لهارنا في طفولتها.
“سنلتقي قريبًا، هارنا.”
لم تكن عيناه مرفوعتين بحدةٍ هذه المرة، بل كان يبتسم بلطفٍ يشبه ابتسامة أبي.
أومأتُ برأسي، ومع الأسف ابتعدت يده عن رأسي لتُمسك بلجام الحصان. و لوّح هارين بيده بخفة، ثم حرّك الحصان وانطلق.
ظللتُ أراقب ظهره حتى اختفى عن الأنظار، ثم رفعتُ يدي ببطءٍ إلى أعلى رأسي. فقد شعرتُ وكأن دفء لمسته لا يزال عالقًا هناك.
***
“هل هي لعنةٌ ما؟”
سأل كاردن الساحر الذي كان يتحقق من آثار السحر في جسده. لكن الساحر أجابه بملامح حائرة.
“هذا غريب….لا أرى أثرًا للّعنات ولا للسحر.”
وبينما يراقب تعابير الدوق المتجهمة، أضاف على عجل.
“قد يكون من الأفضل أن تبحث عن ساحرٍ أو كاهنٍ من مرتبةٍ أعلى مني. أعتذر لعدم قدرتي على المساعدة.”
نظر كاردن إلى الساحر للحظة، ثم أشار إليه بعينيه أن يخرج. فغادر الساحر الغرفة مسرعًا، تاركًا خلفه كاردن المستاء.
ثم سحب كاردن نظره عنه ومسح وجهه بيده الجافة.
“ليست لعنةً أيضًا.…؟”
إذًا، لماذا يفقد إرادته ويتصرف وكأنه يتوسل للحب كلما واجه هارنا؟
حاول البحث عن السبب، لكنه مهما فكّر لم يستطع الوصول إلى تفسيرٍ واضح.
“سيدي الدوق.”
دخل ترين الغرفة بعد خروج الساحر، ونادى كاردن بقلق.
“سأبحث هذه المرة عن كاهنٍ رفيع المستوى. سأفعل أي شيء!”
ضرب ترين صدره بيده متظاهرًا بالثقة، فارتخى العبوس الذي كان يعقد حاجبي كاردن.
“حتى لا يعود سيدي الدوق للبحث عن ‘جنيّته’ مرةً أخرى.…”
ما إن سمع الكلمة التي كان قد نسيها، حتى عاد حاجباه لينعقدا من جديد.
“اخرج فورًا!”
و ارتبك ترين من أمر الطرد الغاضب، فأغلق الباب وخرج مسرعًا. عندها اتجه كاردن إلى الأريكة وأسند جسده إليها.
“هل أمسكها هكذا؟”
تذكر تلك اليد الصغيرة، الأكثر نعومةً وصغرًا بكثيرٍ من يده، التي امتدت نحوه بابتسامةٍ مشرقة.
وفي اللحظة التي خطرت له فيها فكرة أن ذلك الوجه، الذي لم يكن يشعر تجاهه سوى بالنفور، قد يكون جميلًا….احمرّ وجه كاردن ونهض واقفًا فجأة.
“لا يجب أن ألتقي بها. أبدًا!”
____________________
اوه وحتى وهو يتذكرها يستحي؟ ذاه واقع صدق بالغلط؟😭
ترين مسكين واضح مظلوم ومطرود من بداية الرواية للنهايه😂
المهم هارين ياناااااااااااااااس🤏🏻 و يوم ربت عليها منت انتظر ابوهم يبكي 😭
بعدين دامه عودة العلاقات ليه مايقعد معهم في القصر؟
امهم واضح كانت حنونه بعد يعني كان لازم تفطس؟ وش العايلة الحلوه ذي كلها😔
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 13"