مهما حاول هارين تليين هارنا بالكلام، أو وبّخها بقسوة، فإنها لم تتغير، حتى أنه أنهكه الأمر تمامًا. فقرر ألا يرى أخته مجددًا، واختار أن يبقى في القصر الإمبراطوري بدلًا من العودة إلى البيت.
لكن قبل مدة، زاره والده في القصر واطمأن عليه، ثم فتح معه حديثًا غير متوقع.
قال أن هارنا، التي أصيبت في رأسها بحادث، قد تغيّرت، كان كلاماً يصعب تصديقه.
“الكلام له حدود، لذا تعالَ وانظر إلى هارنا بنفسكَ واحكم. لن أُجبركَ.”
وأمام إصرار والده على أن يراها مرةً واحدة فقط، لم يستطع هارين أن يرفض.
استعاد صورة هارنا في ذهنه وهو داخل العربة.
كانت شقيقته، لكنها فتاةٌ ماكرةٌ وقاسية. فانخفض بصره وهو يفكر أنه إن كانت هذه أيضًا مجرد حيلةٍ جديدة، فلن ينخدع بسهولة.
***
وأخيرًا جاء اليوم الذي يصل فيه هارين جورن.
انتشرت في المطبخ روائح الطعام الشهية، وانشغلت الخادمات بتنظيف القصر الذي كان نظيفًا أصلًا ليصبح أنظف، أما الفرسان فكانوا يتجادلون بحماسٍ حول ترتيب طلب المبارزة مع هارين العائد بعد طول غياب.
‘كأن نجمًا جماهيريًا قادم.’
مع أنني كنتُ ممثلةً عظيمة يومًا ما. شعرتُ بالغيرة من هارين الذي ينال الإعجاب حتى دون أن يفعل شيئًا، على عكسي التي بذلت جهدًا مضنيًا لتحسين علاقتي مع الخدم.
فعبستُ بلا سبب وعدت إلى غرفتي.
“كيف يفترض أن أناديه؟”
من المؤكد أن علاقة الاثنين لم تكن جيدة مع شخصية هارنا السابقة. لكن هل كانت تناديه “أخي الأكبر”؟
‘أم كانت تناديه، كما تفعل مع أبي، بطريقةٍ ودودة: أخي؟’
وأنا أتخبط في مسألة الألقاب، تكدّر مزاجي فجأة.
كان الأمر مجحفًا. يكفي أن أُحبس في جسد شريرةٍ مثل هارنا، فهل يُعقل ألا أملك أي ميزةٍ من مزايا التقمص؟
في الروايات الأخرى، كان الأبطال الذين يتقمصون شخصيات القصص يستعيدون ذكريات الجسد الأصلي أو يعثرون على مذكرات وسجلاتٍ تساعدهم.
أما أنا، فلا مساعدة ولا قدرات، سوى أنني أعرف القراءة.
‘كفى. لنفكر لاحقًا.’
عندما يضيق صدري، لا شيء أفضل من الاستلقاء على السرير. فتمددتُ على الفراش الناعم وأغمضتُ عيني محاوِلةً التأمل.
حينها، سمعت طرقًا على الباب.
“تفضل.”
قفزتُ من السرير بسرعة وجلستُ على الكرسي كأنني لم أكن مستلقيةً قبل لحظة.
“وصل السيد هارين.”
أومأتُ برأسي عند سماع كلام الخادمة ونهضت.
“إذًا وصل أخيرًا.”
لم يكن شيء سهلًا منذ أصبحتُ هارنا. لا خيار سوى أن أثق بقدراتي التمثيلية الكاملة.
عدّلتُ ملابسي ومشيتُ بخطواتٍ هادئة.
حان الوقت بعد أبي لأن أستميل أخي.
***
كان البيت الذي عاد إليه بعد غيابٍ طويل كما هو قبل ثلاثة أشهر.
تجول هارين في القصر بوجهٍ خالٍ من التعابير، ثم تجاوز الخدم الذين خرجوا لاستقباله، وتوقف أمام هارنا الواقفة إلى جوار والده.
“مرحبًا بعودتكَ، هارين.”
“لقد عدتُ.”
حدّق هارين في هارنا طويلًا قبل أن يرد على تحية والده.
“مرحبًا، هارين.…”
“….…”
“أخي الأكبر….لا، أعني….أخي.”
لم يفهم هارين ما الذي تطمح إليه هارنا بمناداتها له بهذه الطريقة، لكنه لم يُظهر دهشته. فلم يرد أن يبيّن أنه يمنحها أي اهتمام.
“إن نظرتَ إليها بهذه القسوة ستفزع هارنا. كفى.”
“لا يا بابا. لقد ارتكبتُ الكثير من الأخطاء.”
‘بابا؟ بعد أن كانت تناديه دومًا بالماركيز وكأنه غريب وتجرح قلبه.’
اختفى آخر أثرٍ للتعبير من وجه هارين. قمجرد مناداتها لوالده بتلك الألفة تعني أن لديها غايةً ما.
وعلى عكس والده الذي صدّق أنها تغيّرت، لم يكن هارين مستعدًا لأن يثق بها بسهولة.
‘فالناس لا يتغيرون بهذه البساطة.’
و ثبت هارين نظره على هارنا بوجهٍ جامد.
***
“هل وجهي بخير؟ لم يُثقب، أليس كذلك؟”
“أنتِ بخير.”
“حقًا؟ هذا مريح.”
تلقيتُ نظراتِ مشحونة بالقتل إلى درجة أنني ظننتُ أن وجهي قد انثقب.
“حسنًا….إذاً سأذهب.”
“آنستي، كلي على مهل. لا تصابي بسوء هضم.”
ترددتُ طويلًا أمام باب غرفة الطعام، فتكلمت فيرا بقلقٍ وكأنها تفهم كل ما في قلبي.
أومأتُ لها وأنا أمسك مقبض الباب بصعوبة، ثم خطوتُ للأمام بقدمين ثقيلتين.
كان الانطباع الأول عن هارين نسخةً شابة من أبي. شعرٌ برتقالي مثلي ومثل أبي، وملامح باردة.
لكن على عكس نظرات أبي الدافئة، كان ينظر إليّ بازدراءٍ واضح.
‘سأكشف نواياكَ.’
شفتاه المطبقتان بغضب، ونظراته المشتعلة، جعلتني عاجزةً عن الحركة كأنني مسحورة.
كنتُ أعلم أنه، وهو يعرف أفعال هارنا السابقة، لن يصدق بسهولةٍ أنها تغيّرت. ومع ذلك، أليس قاسيًا قليلًا أن يستقبل أخته التي لم يرها منذ زمنٍ بكل هذا الشك؟
استحضار تلك النظرة أنهكني منذ البداية.
“همهم.”
تنحنحتُ بلا سبب وهدّأتُ نفسي.
عقدتُ العزم على ألا أضعف، وأمسكتُ بقوةٍ الصندوق الذي يحوي المنديل المطرز الذي أعددته له، ثم دخلت.
لكن زاوية فمي التي حاولتُ رفعها بالقوة هبطت دون إرادتي. فقد كان هارين قد سبقني وجلس، وكان يحدّق بي بحدةٍ وأنا أدخل.
“….…”
تلاقت نظراتنا. ثم أدركتُ. أن كسب قلبه لن يكون سهلًا أبدًا.
وبسبب التوتر الذي كان يطوّق جسدي، أشحتُ بنظري وجلستُ قبالة هارين حيث وُضعت أدوات الطعام.
أنزلتُ عيني قليلًا وجلستُ متظاهرةً بالهدوء وأنا أنتظر أبي.
خفتُ إن بادرتُ بالكلام متصنعةً الألفة أن أزيد كراهيته لي، لذلك لم أفتح فمي.
و الذي كسر الصمت الخانق كان هارين.
“هارنا.”
“نعم؟”
“ما الذي تريدينه؟”
‘ما الذي أريده؟’
رفعتُ رأسي ونظرتُ إليه.
‘أن أعيش بسلام دون أن يُكشف أنني يون سونغ آه….’
لكنني لم أستطع قول ما في داخلي، فاكتفيتُ بالنظر إليه بصمت.
“على كل حال، كنتِ هكذا منذ صغركِ. عندما تريدين شيئًا، تتصرفين بهذه الطريقة تمامًا.”
“…….”
“اسمعي جيدًا. أنا لستُ الأخ الذي كان يدللُكِ في طفولتكِ.”
“…….”
“حتى لو خدعتِ أبي، أنا لن أنخدع بحيلكِ. من الأفضل أن تكوني حذرة. إن تسببتِ بمشكلةٍ مرة أخرى، فلن أمرّ عليها مرور الكرام هذه المرة.”
انتهت كلماته المحمّلة بإنذارٍ واضح. و اختفت معها نظرات هارين الباردة، والشفاه التي لفظت تلك الكلمات القاسية.
كنتُ أعلم أن أي كلمةٍ سأقولها هنا لن تكون سوى تبرير، لذلك لم أقل شيئًا.
وكما قال هارين، لا بد أن هارنا كانت ماكرة، لا تُظهر القرب إلا عندما تريد شيئًا.
فتفهمتُ عدم ثقته بهارنا. لو كنتُ مكانه، لما اختلف الأمر.
عبثتُ بصندوق الهدية الذي كنتُ أخفيه، ثم وضعته فوق ركبتي.
‘لا تضعفي. هذا الشك كله هو ثمن خطايا هارنا، والثمن الذي عليّ أنا، وقد دخلتُ جسدها، أن أدفعه.’
لكن لم يكن الظلم غائبًا تمامًا عن قلبي، فحبستُ الدموع التي كادت تسقط، وخفضتُ رأسي بشدة.
***
عدتُ إلى غرفتي وبدأتُ أدور في المكان بلا هدفٍ لفترةٍ طويلة.
انتهى وقت العشاء سريعًا بعد حديثٍ مقتضبٍ مع أبي. حتى الطعام الذي أعدّه الطاهي بكل عناية لم أعد أذكر طعمه.
الهدية التي كنتُ أنوي تقديمها لهارين لم تجد طريقها، وعادت لتُوضع فوق الطاولة بجانب السرير.
هل سأتمكن حقًا من إعطائها له؟
“هوو.…”
تنهدتُ طويلًا.
“الوقت ليس في صالحي.”
إجازة هارين ليومٍ واحدٍ فقط، أي أنه سيعود إلى القصر الإمبراطوري صباح الغد.
إن عاد هذه المرة، هل سيوافق على لقائي مجددًا؟ الإجابة كانت: لا.
‘لا يمكن أن نفترق هكذا. لنجرب التحدث مرةً أخرى.’
كنتُ خائفةً من مواجهة ذلك الوجه المليء بالاشمئزاز، لكن إن تركته يرحل هكذا فسأندم حتمًا.
عزمتُ على التحلي بالشجاعة مرةً أخيرة، وحملتُ صندوق الهدية المتجعّد وخرجتُ من الغرفة.
كنتُ قد سألتُ فيرا مسبقًا عن غرفة هارين، لذلك استطعتُ التوجه إليها مباشرةً دون مساعدة أحد.
في ساعةٍ متأخرة من الليل، حين تحول المساء إلى ليل، كان الممر الخالي هادئًا لدرجة أن صوت خطواتي وحده كان يُسمع.
شعرتُ بالخوف من شدة السكون، فتعمّدتُ استحضار ذكرياتٍ سعيدة وسرتُ بسرعة، وما هي إلا لحظاتٍ حتى وصلتُ أمام غرفة هارين.
“…….”
وقفتُ أمام الباب الذي بدا أكبر من المعتاد اليوم، وترددتُ قليلًا قبل أن أمدّ يدي نحوه.
طَق طَق طَق-
انتظرتُ بتوتر، لكن لم يأتِ أي رد.
‘ما هذا؟ هل كان الصوت خافتًا؟’
طَق طَق طَق طَق-
طرقتُ هذه المرة بقوةِ أكبر، لكن لم يصدر من الداخل أي إحساسٍ بوجود أحد.
إذًا أقوى، وأكثر.
طَق طَطَطَطَق طَق طَق-
طرقتُ الباب كأنني أقرع طبلًا، غير آبهةٍ باللباقة، وكأننا نتبارى من سيفوز، وفجأةً ودون إنذار، فُتح الباب بعنف.
داخل الباب المفتوح وقف هارين عاقدًا ذراعيه، و حاجباه معقودان، واقفًا بزاويةٍ مائلة.
“آه، كنتَ هنا.”
ابتسمتُ ابتسامةً محرجة كطفلٍ ضُبط متلبسًا، بينما أطلق هارين زفرةً طويلة وفتح فمه.
“ما الأمر؟”
“نعم؟”
“الوقت متأخر، قولي ما لديكِ باختصار.”
لارتفع في حلقي سؤال: هل يجب أن يكون لديّ غرضٌ حتى أزور أخي؟ لكنني ابتلعته بسرعة، وحركتُ شفتيّ بحثًا عن عذر.
“إن لم يكن لديكِ ما تقولينه، فاذهبي.”
“انتظر!”
لكن هارين لم يحتمل حتى تلك اللحظة القصيرة، فأغلق الباب بعنف.
فأنزلتُ يدي التي كنتُ قد مددتُها بيأس.
ظننتُ أنني إن جئتُ بنفسي وطلبتُ الحديث، فقد يمنحني بعض الوقت. كان ذلك مجرد وهم.
***
كان هارين جالسًا على الكرسي، واضعًا ساقه على المكتب، وعيناه مغمضتان.
ثلاث ساعات. هذا هو الوقت الذي انتظرته هارنا أمام بابه.
إحساسها وهي تذرع المكان أمام الباب لم يكن يزعجه قليلًا، بل كثيرًا.
“هاه….”
أطلق زفرةً لا يعلم كم مرةً أطلق مثلها اليوم،
ثم أنزل قدمه ونهض من الكرسي. و كانت خطواته ثقيلة، لكنه لم يُظهر ذلك وهو يقف أمام الباب.
كما ترددت هارنا، تردد هارين أيضًا قبل فتح الباب. لكنه لم يستطع تركها واقفةً أمام غرفته في هذا الوقت المتأخر.
فتح الباب على مضض، فرفعت هارنا رأسها عن الأرض ونظرت إليه.
رمقها هارين بنظرةِ سريعة ثم تحرك دون أن يقول شيئًا. كان تصرفه يوحي بأنه لا يهمه إن تبعته أم لا، لكن خطواته البطيئة كانت تحمل مراعاةً لأخته.
وتبعته هارنا بصمت.
وصل الأخوان، وهما يحافظان على مسافةٍ ثابتة بينهما، إلى بابٍ قديمٍ نسبيًا. و فتح هارين الباب ودخل، لكنه لم يتعمد إغلاقه.
توقفت هارنا لحظةً أمام الباب المفتوح، ثم خطت إلى الداخل، إذ بدا لها أن ترك الباب مفتوحًا يعني السماح بالدخول.
ما إن دخلت الغرفة حتى أغلقت الباب تلقائيًا كعادتها، وفي اللحظة نفسها صرخ هارين بفزع.
“هارنا! ماذا تفعلين؟”
“نعم؟”
“غرفة أمي مقبض بابها معطّل، ولا يُفتح من الداخل! هل نسيتِ؟”
فتوقفت هارنا، وما زالت تمسك بمقبض الباب، وأدارت رأسها نحوه بتوتر، ثم حاولت على عجلٍ إدارة المقبض لفتح الباب.
لكن لم يُسمع سوى صوت احتكاك حديدٍ خشن، وبقي الباب مغلقًا.
__________________
وجانا العيد الله الله
وكذا انتهت قصة هارنا
ماظني بتنكشف يعني بتترقع بأي شي بس حركة انهم ينحبسون سوا ىيتصالحون ذي تضحك
المهم ابوهم بيبكي لو شافهم تصالحوا سوا😔
طبعاً ماتصالحوا بس فيه امل ذامه كان يدلعها🤏🏻
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 12"