كان الطقس جميلًا.
بعد عناقٍ باكٍ جمعني بالماركيز جورن، لا….بأبي، أصبحنا أقرب بكثير.
كنا عائلة، لكن تلك المسافة الصغيرة التي كانت تفصلنا اختفت تمامًا. و الآن فقط شعرت أننا انتقلنا من كوننا أقرب من الغرباء بقليلٍ إلى عائلةٍ حقيقية بحق.
عاهدتُ نفسي ألا أجرح أبي مرةً أخرى بعد ما ذاقه من عناءٍ نفسي، وقررتُ أن أكون فتاةً صالحة.
بالطبع، لو انقلبتُ فجأةً مئةً وثمانين درجة فسيبدو الأمر مريبًا، لذلك خفّضت “وضع تمثيل هارنا” إلى خمسين بالمئة.
صرتُ أقل حدّة، وأكبح طباعي، ولا أُظهر الضيق إلا نادرًا. منعت الخدم والوصيفات من الركوع أمامي، وإن أخطأ أحدهم اكتفيت بنظرة عتابٍ وتجاوزت الأمر دون مشاكل.
وبفضل ذلك بدأتُ أشعر بأن علاقتي بهم تقترب شيئًا فشيئًا.
وبما أنني تغيرتُ بالفعل، فقد قررتُ أنه إن وصلتني دعوةٌ لحضور تجمعات المجتمع الأرستقراطي فسأمثل دور الفتاة النبيلة الهادئة واللطيفة لأُسعد أبي.
لكن الغريب أنه بعد حفل شاي سيارا لم تصلني أي دعوة.
“حسنًا، لا بأس.”
حتى دون تلك التجمعات، كنتُ أعيش مشغولةً ومستمتعة، فلا شيء يدعو للأسف.
“هانز، ما رأيكَ أن نزرع الزهور هنا؟”
“أظن أن زراعتها هناك ستكون أفضل من حيث ضوء الشمس.”
“حقًا؟ إذاً ازرعها هناك. وبالمناسبة، متى ستنتهي الأرجوحة الخشبية التي حدثتكَ عنها؟”
“سمعت من توماس أنها أوشكت على الانتهاء. سنجلبها ونريها لكِ يا آنستي فور انتهاء العمل.”
“رائع، أنتظرها!”
ابتسمتُ لهانز، بستاني الحديقة، وأنا أشكره على جهده، ثم أخذت أتفقد الحديقة.
نظرت إليها وقد أصبحت أخيرًا جديرةً بالمشاهدة، فابتسمتُ برضا.
استبدلنا العشب الذابل بعشبٍ أخضر نضر، ووضعنا في الحديقة التي كانت خاويةً طاولةً اخترتها بنفسي. و فرشت على الكراسي وسائد ناعمة لتكون مريحةً حتى عند الجلوس الطويل.
ثبتنا فوق الطاولة مظلةٌ تقي من المطر وأشعة الشمس الحارقة، وزرعنا حولها أزهارًا جميلةً متعددةَ الألوان، أما الأشجار فقد انتهى هانز، البستاني الماهر، من تقليمها بالشكل الدائري الذي أردتُه.
وأنا أبتسم بسعادةٍ لروعة الحديقة التي باتت لا تقل جمالًا عن حديقة سيارا، سمعت من خلفي صوتًا مألوفًا.
“كنتِ هنا اليوم أيضًا.”
“آه، بابا! لقد عدتَ.”
ركضت نحوه واحتضنته بابتسامةٍ منعشة تشبه لون شعري البرتقالي. وقد أصبح هذا النوع من التلامس طبيعيًا جدًا بيننا.
وجه أبي، الذي كنتُ أخشى عليه من التجاعيد بسبب عبوسه الدائم، صار الآن مقلقًا من كثرة ابتسامه، سواءً عند أطراف عينيه أو حول فمه.
‘أبي الوسيم لا يجب أن تتكون لديه تجاعيد….’
كنتُ أفكر بتفاهةٍ كهذه، لكن حين رأيته يفتح ذراعيه ليعانقني انفجرت ضاحكة.
يا لي من حمقاء، هذا ليس وقت القلق على تجاعيد أبي.
‘كنتُ أضحك كثيرًا هذه الأيام، ستظهر تجاعيدي مبكراً.’
عليّ أن أقلق على تجاعيدي أنا أولًا.
“هل عدتَ من القصر الإمبراطوري؟”
“نعم، كان لدي أمرٌ أمرّ من أجله. هل قضيتِ يومًا ممتعًا اليوم أيضًا؟”
“نعم! الحديقة أصبحت جميلةً إلى حدٍّ ما.”
خرجت من بين ذراعيه وأشرتُ بيدي إلى محيط الطاولة.
“زينتِها جيدًا. أحسنتِ، لقد تعبتِ.”
“لا تعب ولا شيء، أنا أفعل ما أحبه.”
“حسنًا، ما رأيكِ أن نتناول العشاء معًا اليوم؟ لدي ما أود الحديث عنه.”
“ممتاز! لنتناول الطعام في الحديقة.”
“فكرةٌ رائعة. عشاءٌ في حديقةٍ جميلة زينتها ابنتي….أشعر بالحماس.”
عندما ابتسم أبي، وهو يشعّ وسامةً ناضجة، وضعتُ يدي لا شعوريًا على صدري.
لا يهم لمن يكون هذا الأب، إنه حقًا أبٌ رائع. أجل، بلا شك.
***
وضعتُ على الطاولة في الحديقة بضع ورودٍ من تلك التي زرعتها بنفسي، داخل مزهريةٍ للزينة، ثم صُفّت الأطباق الشهية فوق المفرش الجميل.
“شكرًا لكم جميعًا.”
“لا داعي للذكر.”
شكرت الوصيفات اللواتي حضّرن المائدة، فابتسمن وتنحين جانبًا. للوّحت لهن بخفة، ولاحظت ابتسامة الرضا على وجه أبي وهو يراقب المشهد.
و شعرتُ بالخجل، فأنزلت يدي وبدأنا الطعام.
“ألا تشعرين بالملل من البقاء في البيت طوال الوقت؟”
“أنتَ هنا يا بابا، وفيرا أيضًا، وتنسيق الحديقة ممتع، فلا بأس.”
رغم إجابتي، خيّم على وجه أبي شيءٌ من القتامة.
“إن كان الأمر كذلك فهذا يطمئنني.”
“نعم، لا تقلق.”
هززتُ رأسي بقوةٍ متعمدةً لأطمئنه، فازداد وجهه إشراقًا قليلًا، لكنه بدا وكأن لديه ما يريد قوله، ففتح فمه بحذر.
“هارين سيعود قريبًا.”
“.……”
لم أستطع الرد فورًا، واكتفيتُ بتدوير عينيّ.
حسنًا، فلنهدأ. مناداته باسمه تدل على أنهما مقربان. واستخدامه كلمة “يعود” يعني….
‘آه! هارين هو الأخ الشقيق لهارنا.’
بينما كنتُ أستنتج ذلك بمهارة محققٍ بارع، انخفضت عينا أبي بقلقٍ وهو يراقبني.
“يبدو أن غضبكِ لم يهدأ بعد. بسبب ما فعله هارين عندما تصرّف بمجوهراتكِ، أليس كذلك؟”
تذكرت ثلاثة صناديق كبيرةٍ من المجوهرات كانت في غرفة هارنا، ونظرتُ إليه باستغراب، لكنه فهم نظرتي بمعنى آخر وتابع،
“أتذكرين؟ أنتِ من انتزعتِ العقد الذي كان تذكارًا لوالدة إحدى الوصيفات، ولهذا تصرّف هارين بتلك الطريقة. لا بد أنكِ شعرتِ بالظلم والغضب، لكن كل ما فعله كان لأجلكِ.”
انطبقت شفتاي المفتوحتان قليلًا كصدفة. فلا حجة لديّ مهما تكلمت.
‘يا هارنا، حتى تذكار أمٍّ أخرى طمعتِ فيه؟ لو كنتِ أختي فعلًا لحلقتُ رأسكِ وأرسلتكِ إلى المعبد.’
أن يأخذ الأخ الشقيق المجوهرات فقط لم يكن عقابًا أصلًا.
وبعد أن وبّخت هارنا في داخلي بما فيه الكفاية، ابتسمتُ لأبي الذي كان ينتظر إجابتي.
“أنا المخطئة. لن يتكرر هذا الأمر مرةً أخرى.”
“آه، لستُ ألومكِ. كنتُ فقط أخشى أنكِ ما زلتِ غاضبةً من هارين….قلت ذلك رغم علمي أنكِ نضجتِ.”
ربت أبي على رأسي بلطف. و كان ينظر إليّ وكأن اعتذاري السريع جعلني في غاية اللطف والجدارة بالحب.
***
بعد أيام، انتشر خبر أن هارين سيعود إلى قصر الماركيز، فانشغل الخدم كثيرًا بتنظيم القصر.
وبحسب ما سمعته من فيرا، فإنه سيعود بعد ثلاثة أشهر من الحادثة التي جمع فيها كل صناديق مجوهرات هارنا ورحل، بعد فعلتها المشينة مع إحدى الوصيفات.
وعندما سمعت مجددًا عن أفعال هارنا المخزية، احمرّ خدّاَي خجلًا.
كانت هارنا كالبصلة، كلما قُشرت طبقةً ظهرت أفعالٌ أسوأ.
“وماذا حدث لتلك الخادمة التي سُرق عقدها؟”
“أعلم أن الماركيز والسيد هارين اعتذرا لها شخصيًا، ومنحوها مبلغًا كبيرًا ثم أرسلوها.”
“آه، صحيح؟ نسيتُ ذلك للحظة.”
لو بقيت تعمل في قصر جورن لكانت وقعت مجددًا تحت نظر هارنا، ولم تكن لتتركها بسلام، لذا كان ذلك أفضل حل.
“آنستي، التطريز هنا غير متقن.”
“آه.…”
توقفتُ عن تحريك يدي عند كلام فيرا، وحدّقتُ في التطريز الذي كنتُ أعمل عليه.
“مزعجٌ حقًا.”
“أعتذر، كيف تجرأتُ على لفت نظر آنستي؟”
“لا، لا! لستُ منزعجةً منكِ، بل من نفسي لقلة مهارتي….آه، لا يهم. سأرتاح قليلًا.”
شعرتُ بالأسف تجاه فيرا وهي تغادر متحسسةً مزاجي، لكنني بررتُ لنفسي أن عليّ أحيانًا إظهار جانبٍ شريرٍ يشبه الشريرة.
كنتُ مستلقيةً على السرير، وأنا أعمل على تطريز منديلٍ سأهديه لأخي هارين.
في الحقيقة، منذ أيام يون سونغ آه كنتُ بارعة في التمثيل، لكن على العكس تمامًا، لم أكن أملك أي مهارةٍ يدوية. حتى تقليد الأدوار المهنية كان يتطلب جهدًا شاقًا.
“حتى لو لم أملك المهارة، عزيمتي لا تُقهر. هيا، لنجرب مجددًا!”
بعد أن حدّقت في السقف طويلًا، عدتُ إلى مكاني.
ولحسن الحظ، كانت هارنا الأصلية أيضًا عديمة الموهبة في التطريز، لذا لم يثر هذا الشك.
وبينما كنتُ أضع الغرزة تلو الأخرى، فكرتُ في هارين الذي سألتقيه قريبًا.
كانت علاقتي بأبي قد تحسنت، وصرت على وفاقٍ مع الخدم، وأردتُ أن أطلب المصالحة من أخي الذي لم أره منذ زمن، مع الاعتذار عمّا مضى، ولهذا اقترحت فيرا أن أقدم له منديلًا هدية.
قيل أن هارين، مثل أبي الذي يشغل منصب قائد الفرقة الثانية من فرسان الإمبراطورية، هو فارسٌ يرافق أفراد العائلة الإمبراطورية في القصر.
وكان شائعًا في الإمبراطورية حاليًا أن تقوم العائلة أو المرأة التي يحبها الفارس بإهدائه منديلًا، فيربطه بمقبض سيفه كتميمة.
عندما سمعت ذلك، ورغم معرفتي التامة بانعدام مهارتي اليدوية، أمسكت بالإبرة والخيط دون تردد.
تعلمت بجدٍ من فيرا، لكنني ما إن رأيتُ الزهرة المعوجّة التي تشكلت حتى هززت رأسي.
“لا بأس، فمثل هذه الأمور المهم فيها هو الإخلاص.”
حاولت تلطيف الأمر، فطرزتُ ساق الزهرة وحتى اسم هارين.
كان منديلًا أبيض، تتطاير بتلات الوردة الحمراء فيه يمينًا ويسارًا، وساقها يزداد سمكًا ثم يرقّ بشكلٍ غريب، تطريزٌ فريد من نوعه لمنديلٍ فريدٍ بحق.
حدّقتُ في المنديل بنظرةٍ مخيفة، ثم طويته بعناية ووضعته في الصندوق الذي أعدّته فيرا.
“كما قلتُ سابقًا، الهدية هي صدق النية، أليس كذلك؟”
وضعتُ الصندوق بعيدًا عني عمدًا، ثم عدت إلى السرير واستلقيت.
***
“لقد مضى وقتٌ طويل، سيدي الشاب.”
كان هارين قد خرج من القصر الإمبراطوري، وبينما كان يهمّ باعتلاء جواده، استدار عند سماعه صوتًا مألوفًا.
خلفه ظهر سائق عربة عائلة الماركيز، ومعه العربة التي يعرفها جيدًا.
“هل أرسلكَ والدي؟”
قال هارين ذلك بصوتٍ منخفض، وكان مزاجه سيئًا.
“نعم، أمرني أن أصحبكَ.”
“لكن ملامحكَ تبدو مشرقة.”
“آه، أهذا صحيح؟ يبدو أن قلبي مرتاحٌ هذه الأيام. ههه.”
ابتسم السائق بوجهه المتجعد وهو يفتح باب العربة.
صعد هارين إليها بصمت، وأسند ظهره إلى المقعد. وبينما كان يراقب من النافذة السائق وهو يعتني بالحصان الذي كان يركبه، تمتم،
“مرتاح البال؟”
كرر كلمات السائق وغرق في التفكير.
كان خدم قصر الماركيز يعيشون دائمًا في قلق. فبسبب هارنا التي كانت تثور كحصانٍ انفلت لجامه، كانوا يقضون أيامهم وكأنهم يسيرون على جليدٍ رقيق.
وفجأة، خطر بباله مشهدٌ قبل ثلاثة أشهر، حين سلبت هارنا عقد إحدى الوصيفات الصغيرات على سبيل المزاح.
“حتى لو كان هذا تذكارًا لوالدتكِ، فأنتِ وصيفتي، أليس عليكِ أن تعطيه لي إن أردتُ؟”
“آنستي، أرجوكِ، هذا لا يجوز. أرجوكِ أعيديه.”
في اللحظة التي رأى فيها هارنا تلف العقد حول معصمها وتلوّح به مازحة، بينما كانت الخادمة راكعةً على الأرض تتوسل، انقطع خيط عقل هارين.
استخدم قوته للسيطرة على هارنا وانتزع العقد منها. و تجاهل صراخها الغاضب وملامحها المتجهمة، وأعاد العقد إلى الخادمة.
ثم دخل غرفة هارنا وحمل صناديق المجوهرات التي كانت تعتز بها وخرج.
اندفعت هارنا خلف هارين وهي تحاول الإمساك به وهو يبتعد حاملاً كنوزها، لكنها تعثرت وسقطت.
و كان آخر ما يتذكره صورتها وهي تصرخ بلا توقفٍ وتلقي الشتائم وهي ممددةٌ على الأرض.
____________________
هارنا وابوها بجنوووووووووننن
واخوها شكله شبه متهاوش معها؟ بس يارب يطلع حلو وحنون لأنه الاخو الكبير واضح 😔
و مسكينه فيرا للحين ماتعودت😂
المهم مره عاجبني انها تتغير تدريج مب تصدمهم
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"