على الرغم من حدوث بعض الضجة للحظات، استمرت حفلة الشاي.
وبفضل جهود الآنسات النبيلات الأخريات في تلطيف الأجواء، استطعتُ سماع الكثير من القصص الممتعة.
كانت الشائعة التي تقول أن زوجة الكونت واقعةٌ في حب فارسها المرافق، وقصة هروب شابٍ نبيل وفتاةٍ نبيلة من عائلتين متنافستين كما في روميو وجولييت، مثيرتين للاهتمام جدًا.
“حقًا، أماكن عيش الناس كلها متشابهة؟ هروبٌ من أجل الحب….يا لها من قصةٍ كأنها فيلم.”
وبينما أستمع للقصص وأقضي وقتًا ممتعًا بعد زمنٍ طويل، شعرتُ فجأةً بنظراتٍ لاذعة. و التفتُّ فرأيتُ سيارا الجالسة بجانبي تُنزل حاجبيها وترسم على وجهها تعبيرًا معتذرًا.
فابتسمتُ لها ابتسامةً لطيفة وقلتُ لها عدة مراتٍ أن الأمر لا بأس به.
وبدأت ملامح انتهاء حفلة الشاي تلوح، فنهضت سيارا التي ظل وجهها قاتمًا طوال الوقت، وهي تبتسم.
“شكرًا لكم على قدومكم. وأشكر الآنسة جورن على تجاوزها خطأً صغيرًا، وأتمنى أن نلتقي مرةً أخرى.”
وحين نهضت جميع السيدات النبيلات من أماكنهن، نهضتُ أنا أيضًا وأنا أرتب طرف فستاني.
و كنتُ أنوي المغادرة مع فيرا التي كانت تقف خلفي، لكنني ترددتُ ثم توقفت.
“الآنسة فورون.”
“نعم، آنسة جورن. هل هناك أمرٌ ما؟”
عند ندائي المفاجئ، مالت سيارا برأسها قليلًا بوجهها الهادئ.
“هل يمكنني أن أطلب منكِ طلبًا واحدًا؟”
“بالطبع. أي شيءٍ تريده الآنسة جورن يجب أن أفعله. حتى لو كان الأمر متعلقًا بمعاقبة الخادمة قبل قليل….”
وفجأة ارتسم على وجه سيارا الذي كان يبدو بريئًا نوعٌ من التوقع الغريب. فتساءلتُ لماذا تتصرف هكذا، لكنني ابتسمتُ وهززتُ رأسي.
“آه، اتركي تلك الخادمة وشأنها. طلبي شيءٌ آخر.”
“ماذا؟”
“هل يمكنني الحصول على قليلٍ من أوراق هذا الشاي؟ رائحته جميلةٌ جدًا.”
“آه….بالطبع.”
كان تعبيرها تمامًا مثل تلك الابتسامة الفاسدة التي كنتُ أتدرب عليها.
‘هل أخطأتُ بشيء؟ هل أوراق الشاي تلك غاليةٌ ولا تريد إعطاءها لي؟’
قلقتُ قليلًا….قليلًا جدًا، لكنني حييتها بشكلٍ طبيعي.
“كان الشاي لذيذًا. وسأستمتع أيضًا بأوراق الشاي التي جهزتها لي. إذاً سأغادر الآن.”
وبينما أحيي سيارا التي كانت تبتسم ابتسامةً متكلفة وكأن الأمور لم تسر كما كانت تريد، هممتُ بالمغادرة، لكنني لاحظت شخصًا يقف بهدوءٍ في الخلف.
“الآنسة ديرلاين، هل تودين الخروج معي؟”
“هاه؟ آه، نعم!”
كانت تتردد بين السيدات الأخريات، لكنها حين ناديتها اقتربت بوجهٍ أشرق فجأة.
و سارعت فيوني بتحية سيارا، ثم خرجت معي إلى الحديقة.
كان ملمس العشب تحت الحذاء رائعًا جدًا. وبينما كنتُ أمشي وأنا أفكر إن كان عليّ أن أقترح على الماركيز جورن أن نضع مثل هذا العشب في حديقتنا أيضًا، سمعت صوتًا صغيرًا من خلفي.
“شكرًا لمساعدتكِ. آنسة هارنا جورن.”
“ناديني براحة.”
حين قلتُ ذلك لفيوني التي كانت تناديني باسمي الكامل بطريقةٍ رسمية، بدا وكأن كلامي أثر فيها، فاحمرّ وجهها.
“إذاً….هل يمكنني أن أناديكِ أختي هارنا؟”
سألت فيوني وهي تنظر إليّ بعينيها الجميلتين الخضراوين الفاتحتين اللتين تشبهان براعم النبات.
‘لا….مهما كان، أن تناديني فجأةً أختي؟’
لكنني أنا من قلتُ لها أن تناديني براحة، لذلك لم أستطع أن أرفض، فأومأتُ برأسي.
“نعم، حسنًا.”
“هيهي، اتفقنا أن نكون أختًا كبرى وأختًا صغرى، فتحدثي معي براحة، أختي هارنا.”
“حقًا؟”
نظرتُ إلى فيوني بطرف عيني، فإذا بها تنظر إليّ وعلامات السعادة على وجهها وكأنها لا تعرف ماذا تفعل.
‘هل يجوز أن يتصرف النبلاء هكذا؟’
لكن النبلاء بشرٌ أيضًا، وما المشكلة في أن أتخذ فيوني الصغيرة أختًا؟
فقررتُ أن أفكر بالأمر ببساطة.
“في الحقيقة، وأنا آتي لحضور حفلة الشاي اليوم، كنتُ أفكر أن شيئًا كبيرًا قد يحدث.”
“لماذا؟”
“كانت هناك إشاعةٌ أن المكان الذي تحضرينه أنتِ يكون خطرًا. وأنه من بين الآنسات النبيلات المدعوات من رتبة البارون وما دون….لم تعد أي واحدةٍ منهن سالمة….”
كم كانت خائفةً وهي تحضر حفلة الشاي؟ شعرتُ بالأسف تجاه فيوني وبقية الآنسات اللواتي تعرضن للتنمر.
“لكن الأخت هدأتني حين بكيتُ خوفًا، وأعطتني منديلًا أيضًا. أنا آسفة لأنني حكمت عليكِ دون أن أراكِ مباشرة.”
“لا، لا بأس. قد يحدث ذلك.”
لو كانت هارنا الحقيقية، لفعلت ما قلتِه تمامًا.
أنا فقط….لم أتنمر مثل هارنا، ومع ذلك كانت فيوني تمدحني وكأنني فعلتُ شيئًا عظيمًا، فحوّلتُ نظري بعيدًا.
أليس مضحكًا أن يُمدح المرء لأنه لم يفعل شيئًا سيئًا لأول مرةٍ بعد أن كان يفعل الشر دائمًا؟
واصلتُ السير حتى وصلنا إلى عربة الماركيز، وأنا أستمع إلى فيوني وهي تواصل مدحي.
ثم تحدّثت فيوني بوجهٍ يقطر أسفًا،
“أختي، اليوم لم أستطع أن أتكلم بسبب العقد، لكن عندما نلتقي مرةً أخرى سأحييكِ كما ينبغي!”
“أي عقد؟”
عند سؤالي، اكتفت فيوني بالابتسام، وأشارت لي أن أركب العربة بسرعة.
وبمساعدة فارس الحراسة صعدتُ إلى العربة، ثم حييتُ فيوني التي كانت لا تزال تلوّح بيدها من الأسفل.
“إذاً اعتني بنفسكِ.”
“نعم! عندما نلتقي مرةً أخرى لنتحدث مدةً أطول!”
حين رأيتُ فيوني ذات الجاذبية المشرقة والمرحة، بدت لطيفةً جدًا حتى أنني واصلت الابتسام دون توقف.
“حسنًا، لنفعل ذلك.”
“نعم!”
لوّحتُ لها بيدي للمرة الأخيرة وقد احرّت وجنتاها
وهي وتومئ برأسها بقوة.
و اتكأتُ على المقعد وأنا أبادل فيوني النظرات حتى انطلقت العربة.
لقد حصلتُ على أختٍ صغيرةٍ لطيفة دون قصد.
“آه، صحيح. تلك الخادمة التي ارتكبت الخطأ….لم تُوبَّخ بشدة، صحيح؟”
“نعم، آنستي. لا تقلقي. وبّخناها بالقدر المناسب وواسيناها.”
“أحسنتِ.”
كان قولي لفيرا أن تُخرج الخادمة يعني في الحقيقة أن تُنقذها. لأن بقاءها هناك بلا داعٍ كان سيجعل الأمور محرجة.
كانت سيارا ذات الوجه الملائكي لن تُنزل عقابًا كبيرًا بطفلةٍ صغيرة تعمل خادمةً لأول مرة، لذلك لم أفكر كثيرًا، وبدأت أُدندن دندنةً خفيفة وأنا ألقي نظرةً من نافذة العربة.
لم يطل استمتاعي بمشاهدة المناظر، إذ بدأت جفوني تثقل تدريجيًا.
يبدو أن “مرض الممثّل” قد عاد. ومرض الممثّل هو المرض الذي يجعلني أنام كلما ركبت السيارة لأعوّض طاقتي.
وبما أن العربة أيضًا تُعد وسيلة ركوب، فقد شعرتُ بالنعاس كعادتي.
وبينما كنت أغفو وأستيقظ، غيّرت فيرا مكانها وجلست بجانبي وبدأت تدلّك ذراعي بهدوء. ابتسمتُ لملمس يديها اللطيف وهي تعجن برفق.
“شكرًا لكِ دائمًا.”
“لا شكر على واجب.”
أغمضتُ عيني وأنا أسمع ردّ فيرا الحنون. و فيرا التي كانت تدلّكني جعلت رأسي يستند إلى كتفها، وبقيت تحرس مكاني بجانبي بثبات.
***
“آآآآآه!”
مع صرخةٍ عالية تكاد تمزق الأذن، بدأت أشياء الغرفة تتحطم أو تسقط محدثةً صوت رنينٍ حاد.
“كيف تجرؤين، يا حقيرة، على إهانتي؟”
انفجرت سيارا غضبًا وهي تتذكر هارنا التي كانت تبتسم لها بابتسامةً متسامحة.
“ومن تكونين أنتِ أصلًا! يا هارنا الحقيرة!”
ولأنها لم تستطع السيطرة على غضبها المتفجر، رمت مزهرية الزهور التي كانت في يدها نحو آن التي كانت راكعةً أمامها.
طشّانغ!
‘أُخ!’
رأت آن المزهرية تتحطم أمامها إلى شظايا، فحاولت بكل ما أوتيت ألا تصرخ.
كانت قد توقعت ذلك منذ لحظة دخولها للعمل خادمة في بيت الكونت فورون.
رغم أنها سمعت تحذيراتٍ كثيرة وتعليمات لا تُحصى، إلا أن آن التي اضطرتها الحاجة للمال لأن تصبح خادمة، خفضت رأسها وعضّت شفتيها بقوة.
“لو أنكِ رشيّتِ الشاي كما يجب لما حدث هذا أصلًا!”
حتى بعد أن رمت المزهرية لم يهدأ غضب سيارا، فتقدمت بخطواتٍ واسعة نحو آن.
وبمشاهدة آن المرتجفة وسيارا الواقفة أمامها، خفضت الخادمات الأخريات رؤوسهن خوفًا.
بعد قليل، حين لم تعد آن تحتمل الضرب وسقطت، فاستدارت سيارا بعصبية. عندها فقط حملت الخادمات آن المغمى عليها واختفين.
كانت سيارا تمسح يديها بالمنديل وهي تطحن أسنانها.
“هارنا جورن.”
كانت مجرد دميةٍ تتحرك كما تريد، ثم تجرأت وقطعت الخيط وهربت، وبعدها تظاهرت بالطيبة وهي تتصنع البراءة.
سيارا التي لم تصدق الشائعة بأنها تغيرت، لم يكن أمامها إلا الاعتراف. لقد تغيرت هارنا.
لا تعرف ما الذي حدث، لكن كان هناك أمرٌ واحد يجب أن تتأكد منه.
‘حتى لو تغيرتِ….لا تنسي أنكِ لا تستطيعين فعل شيءٍ من دوني.’
***
بعد عودتي من حفلة الشاي، بدّلتُ ملابسي إلى فستانِ مريح، ثم تجولت في الحديقة وأنا أفكر إن كان عليّ أن أزيّن حديقة بيت الماركيز مثل حديقة بيت الكونت فورون.
على عكس حديقة بيت الكونت فورون المزينة بشكلٍ لطيفٍ ومليءٍ بالتفاصيل، كانت هذه الحديقة مجرد حديقةٍ مُعتنى بها ونظيفةٌ لا أكثر. لكنها أصبحت حديقتي الآن، ولا يمكنني أن أتركها فارغةً هكذا.
هل أصنع أرجوحةً خشبيةً على الشجرة كما كنتُ أتمنى في طفولتي؟
أم أزرع الكثير من الزهور التي أحبها، وأضع طاولةً، وأخرج للنزهة كلما كان الطقس جميلًا؟
وبينما أنا أتخيل بحماسٍ وأنا أضع خططًا لتزيين الحديقة، جاء أحد الخدم راكضًا على عجل.
“آنستي، الماركيز يطلبكِ على وجه السرعة.”
“الآن؟ ماذا حدث؟”
“أظن أنكِ لن تعرفي التفاصيل إلا إذا ذهبتِ.”
اتبعتُ الخادم دون أن أعرف السبب.
وإذا كان يطلبني بهذه العجلة فذلك يعني….
‘هل اكتشف أنني لست هارنا؟’
كانت خطواتي خفيفةً قبل لحظات، لكنها صارت ثقيلةً فجأة.
“هل أنتِ بخير؟”
يبدو أن ملامحي لم تكن جيدة، إذ سمعت سؤال فيرا القلقة وهي تمشي بجانبي.
“أنا بخير.”
ثم دخلتُ المبنى وأنا أبتسم ابتسامةً متكلفة.
رغم أنني كنتُ أخطو على أرضيةٍ خشبية عتيقة الطراز، وأمرّ بجانب لوحاتٍ جميلة….إلا أن رأسي كان مظلمًا تمامًا.
ثم وصلتُ أمام مكتب العمل، فطرقتُ الباب ببطء.
“ادخلي.”
كان الماركيز جورن جالسًا خلف مكتب العمل يرتب أكوام الأوراق، ثم نهض من مكانه حين سمعني أدخل.
“سمعتُ أنكَ طلبتني على عجل.”
“نعم.”
كان وجه الماركيز جورن الذي كان بلا تعبير….يبتسم الآن.
‘يبدو أنه لم يكتشف أنني لستُ هارنا.’
تماسكتُ بعد أن كاد قلبي يسقط، وبقيتُ واقفةً بهدوء لأسمع سبب استدعائه لي.
“سمعتُ أنكِ ذهبتِ اليوم إلى حفلة الشاي.”
“نعم. قضيتُ وقتًا ممتعًا وعدتُ.”
“لكنني سمعتُ أنه لم يحدث أي شيء.”
“لم يحدث شيء؟”
وقفتُ أرمش بعينيّ لأنني لم أفهم كلامه، فاقترب الماركيز جورن خطوةً أخرى. ثم جذبني إلى حضنه وعانقني.
كنتُ مرتبكةً ألوّح بيديّ بلا معنى، لكن يده غير المتمرسة بدأت تربت على ظهري.
فتوقفتُ عن الحركة، ثم حين شعرتُ براحةِ تسري في قلبي….استندتُ ببساطة إلى حضنه.
“كنتُ أعرف أنكِ تغيرتِ.”
“……”
“لكن أن تعودي دون أن تسببي أي حادثة….هذا الأب لا يستطيع تصديق ذلك.”
مال جسد الماركيز جورن الطويل نحوي.
فحين عادت هارنا—التي كانت تصنع المشاكل في كل مرةٍ تذهب فيها إلى تجمعات المجتمع—بهدوء هذه المرة، تأثّر الماركيز جورن كثيرًا حتى أصبح كتفيّ رطبة.
“أبي….هل تبكي؟”
كم كان يعاني في قلبه؟ شعرتُ أنني أفهم سبب تلك الدموع، فدمعت عيناي أنا أيضًا.
و بقينا طويلًا نعانق بعضنا بصمت، نربت على بعضنا ونواسي بعضنا.
“لقد عانيتَ كثيرًا طوال هذه الفترة، أليس كذلك؟ أنا آسفة. من الآن فصاعدًا سأحرص ألا يكون هناك ما يحزنكَ. أعدكَ.”
“هارنا.…”
مع كلماتي، ابتلّ أحد كتفيّ أكثر. لكنني لم أكره ذلك البلل.
______________________
شسمه ماتوقعت يبكي اعترف اني دمعت بعد ليه يا بابا 😔
مره يجنن ابيه يقعد كذا معها طول الوقت وهي بعد ابيها تزوره ☹️
و صح وين امها؟ للحين ماجا طاريها هي فاطسه ولا وش
المهم فجأه تخيلت لو الماركيز يبكي عشانه درا انها مب بنته مب هشانهت تغيرت؟ يارب لا
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"