1
“أوه؟ إنه الدوق.”
أشرتُ بأصبعي وأنا أضع الكأس التي فرغتُ منها على الطاولة، لأرى كاردن وقد ظهر.
“يا جميلتي هارنا، أظن أنه من الأفضل أن تتوقفي عن الشرب الآن. صحيحٌ أن مظهركِ وأنتِ ثملةٌ لطيفٌ وجميل، لكنني قلقٌ على صحتكِ.”
“لا أريد. سأشربُ أكثر.”
نظرتُ إلى كاردن الذي كان يحاول منعي بنظرةٍ متحدّية، ثم شربتُ الشراب الذي جلبته الخادمة دفعةً واحدة.
“أنا أجيد الشرب، أليس كذلك؟”
وبثقةٍ فائضة من أثر الشراب، اقتربتُ من كاردن.
يبدو أنني بدوتُ حارّة، إذ أخذ كاردن يهوّي بيده قرب وجهي بإخلاص. فأمسكتُ بيده التي كانت ترفرف كالفراشة وسألته،
“هل تريد كأسًا أيضًا، كاردن؟”
“هَه!”
“هاه!”
ما إن انتهيتُ من كلامي حتى أطلقت ماي، ومرافِق كاردن تِرين، صوتي دهشةٍ متطابقين وبملامح مصدومة.
‘لماذا يتصرفان وكأنهما رأيا ما لا يُرى؟’
لم أفهم رد فعلهما، فأملتُ رأسي باستغراب، ثم رفعتُ كأس النبيذ الموضوعة أمامي وقدّمتها إلى كاردن.
“تفضل، اشرب.”
“أياً كان ما تقدّمينه، فسأشربه حلوًا ولو كان سمًّا.”
“حسنًا، حسنًا. بما أنها من جميلتكَ، اشربها كلها من دون أن تترك قطرة!”
فشرب كاردن النبيذ دفعةً واحدة كما قلتُ، ثم وضع الكأس الفارغة على الطاولة. و ابتسم وهو يقرّب وجهه مني كأنه يطلب المديح.
وسرعان ما وقعت عيناي على عينيه الجميلتين بلون الجمشت.
من دون أن أشعر رفعتُ يدي ولمستُ وجهه. و بدا أنه يستمتع بلمستي، إذ ابتسم بعينيه.
“كاردن.”
“نعم.”
“عيناكَ جميلتان. تلمعان كأنهما نجوم. أنا أحب النجوم. هم؟ هل ذاك نجم؟”
وبينما أحدّق في عيني كاردن المتلألئتين بضوءٍ جميل، أشرتُ فجأةً إلى شيءٍ يلمع في السقف وتمتمتُ.
“هل تريدينه؟”
“نعم!”
“إذاً سأقطفه وأقدّمه لكِ.”
جثا كاردن على ركبةٍ واحدة، و قبّل ظاهر يدي، ثم وضع يده على الطاولة.
“سيدي الدوق! هل جننتَ؟ هذا القصر الإمبراطوري!”
أوقفه تِرين على الفور وهو يضع قدمه على الطاولة، بينما تحدّثت ماي بجانبي بنبرةٍ تهدئني كأنها تلاطف طفلًا،
“أختي، هذا ليس نجمًا. إنها مجرد زينةٍ من الجواهر.”
“لا، إنه نجم! إنه يلمع! اقطفه لي!”
ومع الثمالة، انفجر داخلي هوس التملك بجنون، فبدأتُ ألحّ وأتخبّط.
“من أجل جميلتي، سأقدّم كل شيء. ليس النجوم فقط، بل القمر والشمس أيضًا!”
وعند سماع كلماتي، أمسك كاردن بسكينٍ ونجح في وضع إحدى ساقيه على الطاولة محاولًا قطف النجم.
“لا يُصدق، حقًا! أمسكوا الآنسة جورن بإحكام!”
“لا تقلقوا علينا واهتموا بذاك! ماذا تفعلون؟ سيدي الدوق على وشك أن يصعد تمامًا!”
كنتُ أقاوم بينما تمسكني ماي، في حين كان ترين يتصبّب عرقًا وهو يكاد يحملني مع كاردن ويهرب.
وهكذا، كانت ليلة الحفل الراقص في القصر الإمبراطوري تزداد عمقًا وسط هذا الصخب.
***
كانت ليلةً مظلمة، حتى ضوء القمر الخافت اختبأ خلف الغيوم.
في ساعةٍ كان الجميع فيها غارقين في نومٍ عميق، كانت الشموع تحرق أجسادها الصغيرة لتضيء غرفةً ضيقة. كانت شموعٌ لا تُحصى مصطفّةً ترسم دائرةً سحرية.
وفوق ألسنة اللهب المتراقصة، ظهر ظل. وكان صاحب الظل امرأةٌ نحيلة.
حدّقت المرأة في الدائرة السحرية التي صنعتها بنفسها، وهي تعبث بشفتيها الجافتين بوجهٍ متوتر، ثم أومأت برأسها كأنها عقدت العزم.
وضعت الشيء الذي كانت تضمّه بعنايةٍ في حضنها في وسط الشموع المتّقدة، ثم أخذت نفسًا عميقًا.
كانت الدائرة السحرية قد اكتملت. لم يعد هناك مجالٌ للعودة أو للندم.
قبضت المرأة على قبضتيها بقوةٍ محاولةً إيقاف ارتجاف جسدها من التوتر، ثم نطقت التعويذة التي ظلّت تردّدها في سرّها عشرات المرات.
“يا سيّد الظلال الحالكة!”
اندفع شيءٌ ما من أعماق صدرها. ففزعت عندما سال الدم من فمها، لكنها ما لبثت أن فتحت شفتيها مجددًا، إذ إن الطقس كان قد بدأ بالفعل.
“يا من تتحكّم بالموت….أُغخ!”
لم يتحمّل جسدها سحر الظلام، فانفجرت كتلةٌ من الدم من فمها.
“….أستدعيكَ وأهديكَ روحي!”
أنهت التعويذة وهي تبتلع الدم المتدفّق بين أسنانها.
وفجأةً، هبّت ريحٌ عاتية أطفأت كل الشموع المتراقصة. بينما ارتخت ساقا المرأة فسقطت في مكانها.
في تلك اللحظة، انبعث نورٌ من الشيء الموجود داخل الدائرة السحرية. وفي طرفة عين، طرد النور الظلام من الغرفة وملأها بضوءٍ أزرق.
اتسعت عينا المرأة الذهبيتان من شدة الضوء الساطع والريح التي اشتدّت مجددًا. وبيدين مرتجفتين، غطّت فمها، بينما أخذ شعرها البرتقالي يتطاير بعنف.
لم يدم الذهول طويلًا؛ ففي لحظةٍ واحدة، اختفى الضوء والريح اللذان كانا كفيلين بابتلاع كل ما حولهما. وعادت الغرفة الصغيرة مظلمةً وهادئة.
كيكيكيك-!
في السكون المطبق، تمزّق الفضاء أفقيًا على نحوٍ غريب، وانبعث صوتٌ شاذ.
ومن ذلك الشقّ الممزّق خرج ذراع أبيض ناصع. ثم تمزّق الفضاء بالكامل، وظهر رجل.
“أأنتِ من استدعاني؟”
ارتسم قوسٌ طويل من الابتسامة على شفتي الرجل الحمراوين، المتناقضتين مع وجهه الشاحب البياض، وهو يسأل المرأة.
“ذ، ذلك.…”
وبينما كانت تتلعثم، ضرب البرق خارج النافذة.
“آهاهاها! أبهذه الجرأة استدعيتِني، أيتها الضئيلة؟”
ضحك الرجل بصوتٍ عالٍ، ثم تصلّب وجهه، وفي لحظةٍ واحدة اقترب من وجه المرأة وسألها،
“حسنًا. ما الذي ترغبين به؟”
وفي تلك اللحظة، ضرب البرق مرةً أخرى. وبين وميضه، ظهر وجه المرأة بوضوح.
كانت تنظر إلى الرجل المرعب الذي يحدّق بها عن قرب، لكنها لم تبدُ خائفة، بل كانت تبتسم بسعادةٍ غامرة.
“ما أريده هو…”
ما إن انتهت المرأة من كلامها حتى ضحك الرجل، وكأن ما حدث قبل لحظات لم يكن سوى وهم، إذ غرفت الغرفة مجددًا في سكونٍ مظلم.
***
كانت ليلة المهرجان السينمائي يومًا احتفاليًا يجتمع فيه نجوم السينما ليستمتعوا معًا.
بدأ المهرجان بجائز التمثيل التي لا تُمنح إلا مرةً واحدة في العمر، وها هو الآن يصل إلى لحظة تتويج جائزة أفضل ممثلة، زهرة المهرجان السينمائي.
وعندما أُعلن عن المرشحات القويات، تقدّمت ممثلةٌ في منتصف العمر إلى الميكروفون وأخرجت ورقةً بيضاء من الظرف.
نظرت إلى الاسم المكتوب عليها، ثم ابتسمت ابتسامةً خفيفة،
“حسنًا، سأعلن النتيجة. جائزة أفضل ممثلةٍ في هذا المهرجان تذهب إلى يون، سونغ، آه! التي أدّت دور بارك بيت في فيلم ‘الحب يركب الطائرة’. تهانينا.”
انفجر تصفيقٌ حار من مقاعد الجمهور. ونهضت امرأةٌ بدت على وجهها علامات الدهشة من نتيجةٍ لم تكن متوقعة، بينما كانت تتلقى التهاني من زملائها الممثلين.
يون سونغ آه، التي تُلقّب بالممثلة العظيمة في الحادية والثلاثين من عمرها. وبهذا اليوم، رفعت بيدها خامس كأسٍ لجائزة أفضل ممثلة.
***
“مبروكٌ يا نونا!”
“شكرًا.”
صعدتُ إلى السيارة بعد ساعات، أتلقى تهنئة مديري دونغ سو الذي لم أره منذ وقت.
ما إن جلست حتى أطلقت زفرةً طويلة. فقد كنت متوترةً طوال حفل التكريم وأنا أرتدي فستانًا غير مريح، لذا كان جسدي مرهقًا بشدة.
كنت قد بدّلت ملابسي قبل الصعود إلى السيارة، فارتديت سترةً بقبعةٍ وسروالًا رياضيًا. ولهذا، أسندتُ جسدي براحة إلى المقعد الخلفي وألقيت نظرةً على الكأس الموضوعة إلى جانبي.
لم أكن أتوقع الكثير، كنت أستمتع بالحفل لا أكثر، ومع ذلك حصلتُ على الجائزة. فشعرت بالفخر، كأن أدائي قد نال اعترافًا حقيقيًا.
“سأضعكِ قريبًا إلى جانب أصدقائكِ.”
مسحتُ الكأس المتلألئة بعناية بطرف كمّ ملابسي.
“ههه.”
كنت أبتسم بسذاجةٍ وأنا أحدّق في الكأس، ثم تصلّبت ملامحي فجأةً خشية أن يكون دونغ سو قد سمع صوتي. حتى مع طول صداقتنا، يبقى الحفاظ على الصورة أمرًا مهمًا.
لحسن الحظ، كان دونغ سو منهمكًا في القيادة. فأرخيتُ وجهي ورفعتُ هاتفي.
“دونغ سو، نادني عندما نصل إلى البيت.”
“ستقرئين رواية ويب مرةً أخرى؟”
“نعم. في الآونة الأخيرة كان جدولي مزدحمًا فلم أستطع القراءة. الآن وصلتُ إلى مشهدٍ مهم تحدث فيه واقعةٌ كبيرة.”
وثقتُ بمهارة المدير المخضرم في القيادة، وغصتُ سريعًا في عالم الرواية.
الرواية التي أقرأها هذه الأيام عنوانها <الآنسة الجميلة والدوق عديم الرحمة>، وهي رومانسية خيالية نمطية. تحكي عن ماي، الابنة الكبرى لأسرة كونتٍ فقيرة، التي تلتقي بدوقٍ جامد فقد مشاعره، وتقع معه في حبٍ قدري.
“يا إلهي، ما حال هذه فعلًا.”
نقرتُ بلساني وأنا أقرأ عن هارنا، خطيبة الدوق وشريرة الرواية التي تعيق البطلة.
موهبتها في تعذيب الناس، وهوايتها الصراخ، شريرةٌ مكرّرة وبلا أمل، جعلت الشتائم تخرج من فمي تلقائيًا.
كنتُ أقرأ بقلقٍ متوقعةً أن ترتكب كارثةً كبرى قريبًا، وبالفعل حاولت هارنا تسميم البطلة ماي.
وفي اللحظة التي كنتُ أقرأ فيها مشهد غضب البطل كاردن بعد اكتشافه الحقيقة، اهتزّت السيارة بعنفٍ فجأة.
“دونغ سو، ما الذي.…!”
ناديتُه بفزع، لكنني لم أستطع إكمال جملتي. فقد اندفعت شاحنةٌ ضخمة تسير عكس الاتجاه بسرعة هائلة واصطدمت بالسيارة التي كنا فيها.
انقلبت السيارة بعجزٍ بعد الاصطدام، ورغم أنني كنت أضع حزام الأمان، ارتطم جسدي هنا وهناك بهيكل السيارة.
ومع ألمٍ لا يُحتمل، بدأ وعيي يتلاشى.
في تلك اللحظة، انبعث ضوءٌ متماوج من شاشة الهاتف الذي كنت أمسكه، وملأ السيارة من الداخل، وكان ذلك آخر ما رأيته قبل أن أغمض عيني.
***
هل كان هذا أثر انغماسي المفرط في التمثيل مؤخرًا؟
حتى هذا العام، واصلتُ التمثيل بلا فتراتٍ انقطاع، فكنتُ مرهقةً جسديًا، لكنني كنت منهكةً نفسيًا أكثر.
‘همم، هل حان وقت الراحة قليلًا؟’
فكّرتُ بأن السفر قد يكون فكرةً جيدة. و خطر ببالي فندقٌ جميل أستمتع فيه بالسباحة وسط مناظر خلابة.
وفي خيالي، كنتُ أرتدي ملابس سباحةٍ جميلة وأدخل الماء الأزرق الصافي لأسبح بمرح.
“هل الآنسة هارنا بخير؟”
“يبدو أنها اصطدمت برأسها أثناء السقوط وأغمي عليها.”
مع الصوت القريب، تلاشى المسبح وعاد وعيي تدريجيًا.
‘هارنا؟’
في اللحظة التي أدركتُ فيها أنني أستفيق من حلم، ركّزتُ على الحوار الدائر بجانبي لفهم الموقف، ثم أدركتُ الحقيقة.
‘هارنا؟ أليست تلك الشريرة التي شتمتها ووصفتها بالمختلّة في رواية الويب التي قرأتها؟!’
كدتُ أفتح عينيّ من شدة الصدمة، لكنني بالكاد حرّكتُ حاجبي.
“يبدو أن الآنسة ستستيقظ، يا ماركيز!”
عند صوت الرجل العجوز الذي لاحظ حركتي الخاطفة، ارتجفتُ وأسرعتُ أتظاهر بالإغماء مجددًا. و رغم أن عينيّ كانتا مغمضتين، شعرتُ بنظراتٍ حادّة، لكن تمثيلي لم يتزعزع.
“همم، لماذا لا تستيقظ؟”
“كنت متأكدًا أنني رأيتُ حاجبيها يتحركان….على أي حال، يبدو أنها ستستيقظ إذا نالت قسطًا إضافيًا من الراحة.”
“حقاً؟ إذاً لننصرف.”
مع نهاية كلماته، لامست يدٌ غريبة جبهتي. يدٌ دافئة وخشنة أزاحت خصلات الشعر التي كانت تغطي وجهي.
بعد قليل، ابتعدت خطوات الأقدام، ثم سُمع صوت فتح الباب وإغلاقه.
عمّ السكون المكان في لحظة. ومع ذلك، واصلتُ التظاهر بالإغماء قليلًا، ثم فتحتُ عينيّ بحذرٍ شديد. وعندما تأكدتُ من خلوّ الغرفة، قفزتُ واقفةً وبدأتُ أتفحّص المكان.
“لا بد أن هناك مرآة. آه، هناك!”
توجّهتُ بسرعةٍ إلى المرآة المعلّقة في مكانٍ غير بعيد. و حين رأيتُ صورتي المنعكسة، فتحتُ فمي بدهشة، ثم أطبقته بقوة.
لم يكن هذا مظهري الأصلي. فتمتمتُ أمام المرآة بقلبٍ فارغ،
“هل أصبحتُ….هارنا؟”
_________________________
ايه نعم كله من الشاحنة تشان
المهم هايات مع روايه قصتها مكرره بس رخصصص رخصصصصص
والصدق عشان فيه حركة تضحك تصير للبطل فجأه بتشوفونها الفصول الجايه 😂
البطله هارنا صدق اسمها غريب بس معليه بنتعود عليه
وذي حساباتي عشان الي وده وال قد وده 😘
توتر: Dana_48i انستا: dan_48i تلقرام: dan_xor
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 1"