بعد أن أوصل ريفر بادا إلى منزلها، عاد إلى فيلا فخمة قائمة على جرفٍ بعيد عن صخب مركز مدينة كانجو.
انتهى من الاستحمام، ثم وقف أمام المرآة يلف منشفة حول خصره ويمرر يده في شعره المبلل.
تحت إضاءة التنجستن الدافئة، برزت عضلات الجزء العلوي من جسده بوضوح في العتمة الناعمة.
وما إن همّ بأن يخطو خطوة، حتى ظهر من خلفه، خارجًا من الظلال، رجل أبيض ضخم في منتصف العمر.
كان لانكستر — حارسه الشخصي وتابعه المخلص.
قال بصوت عميق ثابت:
“يا صاحب السمو، تم التعامل مع عصابة وكر الشياطين كما ينبغي.”
“أحسنت.”
“لا يُتوقع حدوث مشكلة، لكن يُفضَّل الامتناع عن أي تصرفات لافتة. لقد شدد صاحب الجلالة على إبقاء وجودكم هنا سريًا.”
“صحيح. أعتذر.”
انحنى لانكستر باحترام، ثم اختفى في الظلام كما ظهر.
لم يستخدم داميان قبضتيه كثيرًا منذ حادثة الاعتداء في المدرسة الثانوية.
لكن في اللحظة التي سمع فيها أولئك الأوغاد يهينون بادا، فقد أعصابه.
وعندما استعاد وعيه، كان قد أسقط ثلاثة رجال أرضًا.
حدّق في انعكاس عينيه الزرقاوين في المرآة وهمس:
“…يجب أن أكون أكثر حذرًا.”
في الحقيقة، لم يكن اسمه ريفر.
اسمه الحقيقي داميان ألكسندر هاستينغز — ولي عهد برنارد.
مرّت أسابيع منذ أن أخفى هويته وتسلل إلى جزيرة بالي.
ولحسن الحظ، لم يتعرف عليه أحد حتى الآن.
كان يطيل شعره أكثر من المعتاد، ويرتدي نظارات شمسية لإخفاء ملامحه عند الخروج.
وعندما يضطر للتحدث مع أي شخص غير بادا، يتعمد استخدام لهجة أقرب إلى الطبقة العاملة.
والأهم من ذلك، أن أحدًا لم يكن ليتخيل وجود ولي عهد أوروبي في أزقة بالي الخلفية بدلًا من موناكو أو بورتوفينو.
كما أن كثرة السياح الغربيين في كانجو سهلت عليه الاندماج.
لكن أمامها… لم يحاول إخفاء لكنته، ولا الندبة الممتدة على رقبته.
ابتسم بمرارة وهو يتمتم:
“ومع ذلك، لم تتعرف عليّ. يا للخسارة.”
واستعاد في ذهنه اليوم الذي التقاها فيه لأول مرة قبل أحد عشر عامًا.
قبل أحد عشر عامًا — الولايات المتحدة.
كان داميان، البالغ من العمر ثمانية عشر عامًا آنذاك، على متن طائرة متجهة إلى سفارة برنارد في واشنطن العاصمة.
السبب المعلن: تعزيز العلاقات الدبلوماسية مع حليف.
أما السبب الحقيقي فكان مختلفًا.
كان الأمر أقرب إلى منفى مؤقت لإعادة تأهيل صورته.
بعد اعتدائه على أحد زملائه في الجامعة، تصدرت أخباره الصحف لأيام.
اقترحت العائلة المالكة أن يقضي الصيف خارج البلاد حتى تهدأ العاصفة الإعلامية.
الخياران كانا: توزيع الطعام في مخيمات اللاجئين، أو جولة رسمية في الولايات المتحدة.
وبما أنه كان قد أُرسل بالفعل إلى مخيم لاجئين في العام السابق عقابًا لشجار مع مصورين متطفلين، اختار هذه المرة أمريكا.
عند وصوله إلى واشنطن، استقبله السفير بحفاوة رسمية.
لكن الحفاوة تجمدت عندما رأى وجه ولي العهد.
كان داميان مغطى بالكدمات والدماء.
أنفه المكسور مثبت بجبيرة، وضمادات متناثرة على رقبته، بل ويرتدي رقعة عين.
نظر السفير إليه مذهولًا.
قال داميان ببرود:
“لا تنظر إليّ بعين الشفقة.”
“عفوًا؟”
“وجوه الرجال الثلاثة الذين ضربتهم كانت أسوأ حالًا.”
تنهد السفير في داخله.
بهذا الوجه، من المستحيل تنفيذ برنامج نيويورك.
أُلغي الجدول، وأُجّل كل شيء.
بعد أيام، أُرسل الأمير المشاغب إلى ولاية بنسلفانيا ليقيم في منزل هادئ من طابقين في ضاحية مملوكة لأحد المستشارين.
بعبارة أخرى، كان ذلك يعني البقاء هناك بهدوء حتى يلتئم وجهه ويبدو “لائقًا” مجددًا.
كانت المنطقة متشابهة البيوت، ساكنة ومملة.
وبسبب القيود الأمنية، لم يكن يستطيع التجول بحرية.
كان يقضي وقته عادة بجانب النافذة، يقرأ الكتب.
في أحد الأيام، لمح عبر النافذة فتاة آسيوية صغيرة في الفناء المجاور تقتلع الأعشاب الضارة بيديها الصغيرتين.
بدت صغيرة على العمل، لكنها كانت تتحرك بمهارة واضحة.
تسقي الزهور، ترتب الأحواض، وتتوقف أحيانًا لتستنشق رائحة الخزامى.
تمتم ساخرًا:
“أهي جرو أم ماذا؟”
وفجأة انطلق رشاش الماء، فتطايرت القطرات في كل اتجاه.
صرخت الفتاة ونهضت، ثم توقفت تحدق بشيء ما.
تتبع نظرتها، فرأى قوس قزح صغيرًا يتشكل بين خيوط الماء.
“وما المميز في ذلك؟”
ضحك بخفة، لكنه لم يبعد نظره.
ولأول مرة، لم يبدُ المكان المنعزل سيئًا إلى هذا الحد.
في اليوم التالي، خرج في نزهة داخل الحي الهادئ.
لم يكن هناك كثير من المارة، فالجميع يستخدم السيارات.
وصل إلى حديقة صغيرة تتوسطها شجرة ضخمة.
تسلقها بسهولة وجلس على غصن متين، يتأمل المشهد.
لكن سكينة اللحظة لم تدم.
ترددت في ذهنه كلمات والدته، الملكة:
“أنت تؤدي دور البديل بإتقان. مثير للإعجاب.”
ارتجفت قبضتاه.
“البديل.”
كان دائمًا الخطة الاحتياطية لأخته شارلوت منذ ولادته.
كزر إضافي يُخاط داخل الملابس تحسبًا للطوارئ —
يبقى هناك، لكن لا يُستخدم ما دام الزر الأصلي سليمًا.
وجوده كان دائمًا ظلًا.
تمتم بضيق:
“ماذا أفعل بحياتي؟”
كان على وشك الالتحاق بالجامعة، لكن خياراته محدودة بصفته فردًا من العائلة المالكة.
كان فارسًا واعدًا في طفولته، ثم اضطر لترك المنافسة بعد أن أصبح جسده أثقل.
انتقل إلى البولو، لكنه توقف بعد إصابة في الكفة المدورة.
“ربما البحرية…”
وبينما كان غارقًا في أفكاره، سمع حركة أسفل الشجرة.
نظر فرأى الفتاة نفسها، جالسة تستند إلى الجذع وتقرأ كتابًا.
أطلق صفيرًا لجذب انتباهها.
رفعت رأسها.
“مرحبًا.”
اتسعت عيناها، ثم صرخت:
“كيااااه!”
ألقت الكتاب من يدها.
ضحك وقفز من الشجرة، ثم قال وهو يقترب:
“لماذا هذا الذعر؟ سيظن المرء أنك رأيت شبحًا.”
ردت بحدة:
“بهذا الوجه المليء بالضمادات؟ ظننتك مومياء!”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"