بينما كان سيرين يصدر أوامره، اصطبغت عيناه باللون الأحمر القاني. انحنى فانتوم أمامه بعمق وأجاب:
«أمرك يا ماستر، سأنفذ توجيهاتك فوراً.»
لم يكد فانتوم يخطو بضع خطوات، حتى تناهى إليه صوت سيرين مجدداً، بنبرة منخفضة ومظلمة للغاية:
«انتظر.»
“……!”
«الآن.. شممتُ رائحة دماء راشيل.»
“ماذا؟”
لم تكن رائحة دمائها وحدها، بل كانت ممزوجة برائحة دماء شخص آخر تسللت إلى أنفه بوضوح. كان سيرين يعلم يقيناً لمن تعود تلك الرائحة. لم يعتقد للحظة أن راشيل هي من هزمت “بهيموث”؛ فالمنافس الوحيد القادر على مواجهة ذلك الوحش في هذا القصر —باستثنائه هو وفانتوم— ليس سوى شخص واحد.
«أدينهار سيفيستا…… إنه هو مجدداً.»
كان من المفترض أنه مقيد بالأغلال، لكن يبدو أنه استخدم حيلة وضيعة كاللصوص للهرب من سجنه والتوجه نحو راشيل. بمجرد أن تخيل سيرين مشهد لقائهما السري بعيداً عن عينيه، شعر وكأن الغيرة والحقد يعتصران عقله لدرجة الجنون.
راشيل ملكه هو. ولا نية لديه للسماح لأي شخص بلمسها. حتى لو كان الأمر يتعلق بجرحها أو قتلها، فهو الوحيد المخول بذلك. وتحت وطأة مشاعر سيرين المظلمة، بدأت كل الأشياء المحيطة به تفقد حيويتها وتذبل بسرعة.
تصصب فانتوم عرقاً بارداً وهو يقرأ الجو المشحون من حوله. وفي تلك اللحظة، دوى صوت سيرين في أذنه بنبرة أكثر رعباً من أي وقت مضى:
«الخوف هو أقوى الأصفاد التي يمكن أن تُكبل البشر.»
«سيد سيرين.. قد تنال كراهية الآنسة راشيل هذه المرة حقاً.»
جاءت كلمات فانتوم محملة بالقلق، لكن رد سيرين كان حازماً لا يلين:
«لا يهمني. طالما أنها لا تنظر إليّ، فلن يكون أمامي خيار سوى إبقائها بجانبي عن طريق الخوف.»
“……!”
«سأجعل ذلك الوغد عاجزاً عن لمس خصلة واحدة من شعرها.»
كانت الكلمات تفيض بهوس تملُّكٍ خطير وعنادٍ لا يرحم.
«لأن راشيل ملكي.»
شعرتُ فجأة بقشعريرة غريبة تسري في جسدي. وبينما كنتُ أفرك ذراعيّ من البرد، تتبعني أدينهار بنظراته القلقة كالعادة.
«راشيل، ما بكِ؟ هل تشعرين بوعكة؟»
“هاه؟ لا، فقط.. انتابني شعورٌ مرعب فجأة.”
«آه، هذا طبيعي. فبعد ما رأيناه في هذا القصر، لا يبدو المكان وكأن بشراً يعيشون فيه إطلاقاً.»
أومأ أدينهار برأسه وهو يمسح على ذقنه كأنه يتفق معي، ثم تمتم كمن يتحدث إلى نفسه:
«ومع ذلك، فإن دوق كروتشيت يتمادى كثيراً.»
“ماذا؟”
«اختطافكِ بهذه الطريقة ليس أمراً صائباً. علاوةً على أن عائلتكِ أيضاً…… لا، لا شيء.»
أوه؟ ألم يكن أدينهار على وشك قول شيء مهم للتو؟
بدا وكأنه أدرك زلة لسانه، فاكتفى بوضع يده فوق فمه. حدقتُ فيه بعينين ضيقتين وسألت:
“أنت، ماذا كنت ستقول قبل قليل؟”
«هاه؟ أوه، لا شيء على الإطلاق.»
مريب جداً.
“لقد ذكرتَ عائلتي للتو. ما بها عائلتي؟”
انظروا إليه؛ لقد ذكرتُ العائلة فقط وبدأت ملامحه تضطرب ارتباكاً.
وخزتُ خاصرة أدينهار بإصبعي وكأنني أحثه على الكلام. عندما أدرك أنني لن أستسلم، تنهد بعمق وقال:
«حسناً، سأخبركِ. فليس من الممكن إخفاء الأمر للأبد على أية حال.»
“……!”
«لقد تعرض منزل فامينيون لهجوم من قوى مجهولة.. وتمت إبادة العائلة بالكامل.»
“…… ماذا؟”
«أنتِ الآن الوريثة الوحيدة المتبقية.»
لم أستطع كبت صدمتي أمام هذه الأنباء الصاعقة. تابع أدينهار بتعبير جاد:
«قد يكون دوق كروتشيت هو الجاني الذي دبر هذا الأمر.»
“…… هل تم تأكيد هويته كمجرم؟”
«لا، لا يزال ضمن دائرة الاشتباه فقط. لكن الاحتمال كبير؛ فبالنظر إلى وقوع الحادث في اللحظة التي اختفيتِ فيها، يصعب اعتبار الأمر مجرد صدفة.»
“…… أفهم الآن.”
صدقاً، كنتُ أفكر فقط في الهروب من اللعبة، ولم يخطر ببالي أبداً الوضع المأساوي الذي تعيشه “راشيل”. ولأنني لم أستطع النطق بكلمة، بلل أدينهار شفتيه بأسى، ثم ربت على رأسي بحذر وقال:
«تشجعي. أعلم أن هذا الكلام لن يكون مواسياً تماماً، ولكن……»
“…… لا، شكراً لك لقولك هذا.”
ابتسم أدينهار ابتسامة حنونة وأجاب:
«لا تقلقي بشأن ما سيحدث لاحقاً. بمجرد خروجنا من هنا، قررت عائلتنا التكفل بحمايتكِ.»
حقا شخصية أدينهار في غاية اللطف.. أن يهتم براشيل إلى هذا الحد……
وبعيداً عن ذلك، كان عقلي مشتتاً. من خلال ما سمعته حتى الآن، هذه ليست مجرد لعبة رعب عادية. ربما لا ينتهي الأمر بمجرد الهروب من سيرين، بل قد يتطلب الأمر القيام بتحقيقات لكشف الحقيقة وراء ما حدث لراشيل.
لكن سيرين، الخصم النهائي، يمتلك ذكاءً حاداً ولن يكون الأمر سهلاً. إذا كان سيرين هو من قتل عائلة راشيل حقاً، فهذا أمر مروع. تذكرتُ أنني لمحتُ في إعدادات اللعبة أن سيرين “يانديري” (Yandere)، لكن أن يصل به الأمر لإبادة عائلتها ليمتلكها وحدها.. شعرتُ بصداع شديد يفتك برأسي.
ومن المؤكد أن هناك سبباً وراء إغراقي بهذه المعلومات الإضافية عبر أدينهار. هل يجب عليّ الإمساك بذلك الـ NPC المسمى فانتوم وضربه حتى يعترف بالحقيقة؟
إذا فكرتُ في الأمر وكأنني راشيل الحقيقية، فالوضع كارثي. أن أُختطف من قِبل مجنون في يوم، وأفقد كل عائلتي في اليوم التالي.. شعرتُ بالشفقة تجاه راشيل.
فحتى لو كان أشقائي مزعجين، مجرد فكرة موت أخي تجعلني أشعر بهذا القدر من الألم.
تجهم وجهي تلقائياً، وعندما رأى أدينهار رد فعلي، اعتذر مراراً بوجهٍ غارق في تأنيب الضمير:
«لقد صُدمتِ، أليس كذلك؟ أنا آسف لأنني أخبرتكِ بهذا الخبر المؤلم. كنتُ أرغب في تأجيل إخباركِ قدر الإمكان……»
“لا! أنا بخير. الأمر صدمة بلا شك.. لكن هذا هو الواقع، وعليّ تقبله.”
«هل تعتقدين ذلك حقاً؟»
“أجل، شكراً لإخباري.”
«لا داعي للشكر.. أنا من يعتذر لأنني لا أستطيع تقديم مساعدة أكبر.»
خيم الحزن على ملامح أدينهار، ثم حاول تغيير الجو وتحدث بوجهٍ مشرق مصطنع:
«آه، صحيح! هل يمكنكِ مد يدكِ لحظة؟»
“هاه؟”
عندما مددتُ يدي كما طلب، أعطاني أدينهار خاتماً مرصعاً بياقوتة حمراء مربعة. وبالنظر بدقة، كان داخل الفص علامة تشبه الرموز الغامضة. لماذا أعطاني أدينهار هذا؟ سألتُ وأنا أتفحص الخاتم بدقة:
“أدينهار، ما هذا الخاتم؟”
“أوه؟”
“هل تطلب يدي للزواج الآن؟”
عند سؤالي هذا، احمرّ وجه أدينهار كحبة طماطم، ثم شرع في التبرير بارتباك شديد:
«هـ.. هذا هو خاتم رب أسرة فامينيون السابق، الخاتم الذي كان يملكه والدكِ.»
“آه……”
«لأنكِ الآن سيدة أسرة فامينيون التي ستقود العائلة.»
حينها فقط أدركتُ خطئي. لقد سألتُ دون تفكير. ماذا لو سألني أدينهار لماذا لا أعرف شعار عائلة فامينيون؟
وبينما كنتُ أحاول إخفاء ارتباكي، تمتم أدينهار فجأة بصوت خافت بالكاد يُسمع:
«…… الخاتم.. سأقوم بتحضيره عندما أتقدم لخطبتكِ رسمياً لاحقاً.»
“ماذا؟”
كان صوته خافتاً جداً لدرجة أنني لم أسمع ما قاله. وعندما سألتُه مجدداً بقلق، تملص أدينهار من الإجابة بوجهٍ خجول:
«لا شيء، لا شيء على الإطلاق.»
أنا متأكدة أنه قال شيئاً ما. ولكن بما أنه يرفض تكراره، فربما لم يكن أمراً مهماً. بدا أن أدينهار، مثلي تماماً، يجد هذا الموضوع محرجاً فسارع لتغيير الحديث:
«على أية حال، دعنا نبحث عن طريقة للخروج من هنا.»
“أجل.”
أجبتُ بحماس، لكن يبدو أن أدينهار لا يعرف شيئاً عن حقيقة أننا بحاجة إلى مفاتيح للخروج من هذا القصر. وللحصول على المفاتيح، نحتاج إلى خمسة أحجار قمر أخرى على الأقل، مثل الحجر الذي وجده أدينهار.
كان الموقف محرجاً؛ فإذا شرحتُ له هذا، سيسألني كيف عرفتُ ذلك. فماذا سأقول؟ هل أقول إنني تنصتُّ سراً؟
لكن سيرين الذي أعرفه ليس ساذجاً لدرجة تسريب مثل هذه المعلومات، كما أنني لم أرَ أي خدم في هذا القصر. إذاً، كيف سأجيب أدينهار حينها؟
وبينما كان عقلي مشتتاً بالأفكار، أمسك أدينهار بيدي برقة.
وفي تلك اللحظة، دوى صوتٌ يقطر بنية القتل:
«اترك.. تلك اليد فوراً.»
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"