استمرت الحيرة في التعمق بداخلي. في تلك اللحظة، اقترب أدينهار ووضع سترته التي غطاني بها فوق كتفي، ثم سأل بنبرة يملؤها القلق:
«راشيل، هل أنتِ بخير؟»
“أجل، شكراً لك.”
كانت هناك كلمات كثيرة تزدحم في صدري، لكنها لسبب ما لم تجد طريقاً إلى لساني. بمجرد رؤيته، غمرني شعور غريب بالأمان. حينها لاحظ أدينهار الأصفاد التي تقيد يديّ وقدميّ، فقطب حاجبيه مستنكراً:
«ما هذا بحق السماء؟»
“في الحقيقة…”
«انتظري لحظة، سأستعير هذا منكِ قليلاً.»
أخرج دبوس الشعر الذي كنتُ أضعه، وشرع يعبث بالأصفاد، وسرعان ما انفتحت بسهولة ويسر. نظرتُ إليه بعينين متسعتين من الدهشة وسألت:
“كيف فعلت ذلك؟”
«لقد تعلمتُ هذا؛ فوالدي يدير تجارةً من ضمنها صناعة الأقفال.»
“…… أفهم الآن.”
ساد بيننا صمت قصير، قبل أن تتركز نظرات أدينهار على عنقي. لامست أطراف أصابعه الجلد المحيط بياقتي.
«وهذا، ما هو؟»
حينها فقط تذكرتُ الأثر الذي تركه سيرين. جفلتُ من لمسته، وسارعتُ بتغطية الأثر بيدي.
“آه، لا شيء.. لا شيء على الإطلاق.”
بقيت يده معلقة في الهواء للحظة، قبل أن يسحبها وهو يبتسم بمرارة. بسب ذلك، أصبح الجو أكثر غرابة وارتباكاً. ولأنني لم أطق صبراً على هذا التوتر، حاولتُ استئناف الحديث بأي طريقة:
“صحيح، ماذا حدث لك؟ أعني.. بعد أن حبستُكَ في الخزانة.”
«آه…»
بدا وكأن كلماتي قد ذكرته بشيء نسيه، فأخرج غرضاً من جيبه وأراه لي قائلاً:
«في الحقيقة، أنا أيضاً لا أتذكر تفاصيل ما حدث حينها جيداً.»
“……؟”
«كنتُ عازماً على البقاء هادئاً كما أمرتِني حتى تطلبي مني الخروج، لكنني وجدتُ هذا هناك.»
ما أظهره لي كان “حجر القمر” منقوشاً عليه حرف (M). شعرتُ بقلبي يثب فرحاً؛ فهذا هو الشيء الذي كنتُ أبحث عنه بكل جوارحي. إنه المفتاح للخروج من هنا. أمسكتُ بيده التي تحمل الحجر وقلتُ بنبرة حماسية:
“هل كان هذا هناك حقاً؟”
لسبب ما، احمرّ وجه أدينهار قليلاً، لكنه استعاد هدوءه وتابع:
«أجل، ولكن بمجرد أن التقطته، شعرتُ بدوارٍ شديد.. وبعدها لا أتذكر الكثير.»
ربما كان ذلك من حسن حظه؛ فما حدث بعد ذلك كان أبشع من أن يعرفه أدينهار، تماماً كما كان وقع معرفتي بموته بشعاً عليّ.
استقرت عيناه العميقتان والصادقتان عليّ لفترة طويلة. أحكم قبضته على يدي التي كانت فوق يده، وكأنه يعاهد نفسه ألا يفلتني أبداً. ذعرتُ من تلك القبضة وحاولتُ سحب يدي، لكن قوته كانت تحول دون ذلك. وقفتُ أحدق فيه بعينين مضطربتين.
ثم قال مجدداً:
«عندما فتحتُ عينيّ مرة أخرى.. وجدتُ نفسي في مكان مختلف تماماً.»
كانت نظرة أدينهار وهو يقول ذلك مفعمةً بهمٍّ أكبر من ذي قبل. استسلمتُ لتلك الأجواء وسألتُ بذهول:
“أين كان ذلك المكان؟”
أجاب أدينهار دون أن يغير تعابير وجهه:
«قفص.»
يا له من وصف مرعب يتفوه به بكل تلك الرزانة.
من مجرد فكه لأصفادي، استطعتُ أن أخمن كيف تمكن من الهروب من هناك. لكن الأهم من كل ذلك هو أن أدينهار لا يزال على قيد الحياة. شعرتُ ببصيص أمل يلوح في الأفق، لعلنا ننجح حقاً في الهروب هذه المرة. شعرتُ بامتنان عميق تجاهه، ولم أتمالك نفسي من ضمه بقوة من شدة الفرح.
“أنا سعيدة جداً لأنك بخير.”
«را.. راشيل…»
بدا أدينهار مذهولاً من تصرفي المفاجئ، لكنه سرعان ما ابتسم برقة وربت على ظهري بحنان قائلاً:
«لا تقلقي. لقد جئتُ لإنقاذكِ، لذا سأحميكِ حتماً.»
يا له من فتى طيب. لكن مهما بلغت قوة أدينهار، فقد كان دائماً ينتهي به المطاف ميتاً على يد سيرين. لذا، لم أستطع التخلص من شعور القلق بسهولة.
“ومع ذلك، عليك أن توخي الحذر، اتفقنا؟”
«أجل، أعدكِ بذلك.»
مد خنصره ليؤكد وعده، ورفع حاجبيه محفزاً إياي لأبادله العهد. حينها فقط، شبكتُ خنصري بخنصره.
كانت تلك اللحظة مفعمة بالسلام لدرجة جعلتها تبدو غير واقعية.
لذا، لم أدرك حينها أن سيرين كان رجلاً أكثر قسوة ورعباً مما تخيلت، وأنه شخص لا يمكنني هزيمته أبداً بتفكيري الساذج هذا.
كان سيرين غارقاً في أفكاره وهو يتطلع من نافذة مكتبه، حاملاً في يده دعوة من القصر الإمبراطوري. من المعتاد في هذا الوقت من السنة أن تقام المآدب الإمبراطورية. كانت أنواعها تتعدد، لكن الغرض منها كان دائماً واحداً: المتعة والترف.
تنهد سيرين بعمق وتمتم بصوت خفيض:
«مرة أخرى، يقومون بأفعالٍ مزعجة.»
لم يرق له الأمر، لكنه كان يدرك تماماً أنهم سيلاحقونه بمضايقاتهم إن لم يحضر. مرسل الدعوة لم يكن سوى إمبراطور إمبراطورية “هيليون”. وفي هذه الحقبة، كانت إمبراطورية هيليون تُحكم بشكل استثنائي من قِبل إمبراطورين اثنين.
في الأصل، تقتضي القواعد أن يتولى العرش خليفة واحد يعينه الإمبراطور السابق، لكنه وافته المنية إثر حادث غير متوقع. انقسمت القوى داخل القصر الإمبراطوري، وبينما كاد نزاع خطير أن ينشب، تحدث الأميران التوأمان قائلين:
«اتباع معتقدات السلف الشكلية والجامدة لا يناسبنا.»
«نحن اثنان، لكننا واحد في ثقتنا وأفكارنا. إن لم نتمكن من التقاسم بالتساوي، فلا يمكن لأحدهما أن يستأثر بالحكم وحده.»
«أجل، لنتولى العرش معاً ونقتسم المهام.»
«فكرة رائعة، ريزماي.»
«كنتُ أعلم أنك ستفكر مثلي، لويسيس.»
كان أمراً مستحيلاً من الناحية المنطقية؛ أن تشترك شمسين في سماء إمبراطورية واحدة. لكن رأيهما كان راسخاً. وبالطبع ظهرت قوى معارضة، فالتوأمان لم يُتوجا رسمياً بعد.
وهكذا، هبت رياح الدماء في القصر الإمبراطوري؛ حيث بدأ الإمبراطوران التوأمان في تصفية كل من عارض رأيهما. كانت تلك هي اللحظة الأولى التي برزت فيها ملامحهما كطغاة سيثيرون الرعب في قلوب الجميع لاحقاً.
بعد ذلك، لم يجرؤ أحد على الاعتراض. فأي شخص يفتح فمه، كان يختفي عن الوجود دون أثر.
بالطبع، لم يكن هذا ليعني لسيرين شيئاً، ولم يكن يلقي له بالاً. فلم يكن مهتماً بشؤون القصر الإمبراطوري أصلاً، ولولا والده الذي نصبه كخلف له، لما اضطر لمقابلتهما. لكن لسبب ما، كان التوأمان يحبان سيرين بشكل خاص.
ربما لأنهما وجدا فيه شخصاً يناسب ذوقهما في حب الأشياء الجميلة؛ فسيرين كان يمتلك جمالاً لا يضاهى.
«حتى طابع الحفلة هذه المرة مثير للقرف.»
كان الطابع الذي اختاروه هذه المرة هو “حفلة تنكرية”. بل والأنكى من ذلك، أن الدعوة تضمنت طلباً بإحضار “دميته المفضلة” معه. وبالطبع، كانت تلك الدمية هي راشيل. يبدو أن فضولهما قد أُثير لأن سيرين كان يخبئها بعيداً عن الأنظار.
لكن سيرين لم يكن ينوي أبداً أخذ راشيل إلى مأدبة القصر؛ لعلمه التام بسوء ذوقهما وخبث طباعهما.
حالياً، كانت إمبراطورية هيليون تحت حكم مصاصي الدماء الذين انتصروا في الحرب ضد البشر منذ زمن بعيد. اختار مصاصو الدماء التعايش مع البشر واقترحوا معاهدة. لم يكن ذلك شفقة منهم على البشر الضعفاء، بل لأن سبب هزيمة البشر في تلك الحرب كان استسلام إمبراطور هيليون السابق أولاً من فرط روعه.
ومع ذلك، كان نبلاء هيليون يمتلكون طاقة سحرية قوية، مما جعل إخضاعهم صعباً. ولتجنب اندلاع حرب كبرى أخرى، بادر مصاصو الدماء بالسيطرة مسبقاً.
لكن السلام لم يدم طويلاً، ومع مرور الزمن بدأت تلك المعاهدة في التغير والتحريف. وكان من تزعم هذا التغيير هما الإمبراطوران التوأمان، ريزماي ولويسيس.
مع مرور السنين، كانت شوكة البشر تقوى، فاقترح التوأمان حيلة جديدة: إقامة مأدبة دورية تُقدم فيها قرابين لإرواء جوعهم. في الحقيقة، لم تكن مأدبة بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت “لعبة قتل”؛ فمن بين النبلاء المدعوين للحفلة، كان لابد أن يموت أحدهم حتماً.
كان ذلك بمثابة إعلان حرب صريح يهدف إلى قمع البشر بشكل منهجي.
للعلم، لم يكن يحضر مآدب القصر الإمبراطوري إلا من وجهت لهم الدعوة شخصياً. وكان المدعوون يحبسون أنفاسهم رعباً؛ لأن كل مأدبة كانت تنتهي بحمام دم. بعبارة أخرى، كان مكاناً يُفرض فيه تقديم القرابين تحت مسمى الحفلات.
كان سيرين يمقت الاختلاط بهما؛ فهما النوع الأول الذي لا يود معاشرته، إذ لا يوجد سبب لعمليات القتل التي يقومان بها؛ البشر بالنسبة لهما مجرد أدوات لمضاعفة استمتاعهما.
ورغم أن التوأمين يشعران بالملل سريعاً لدرجة تغيير طابع المأدبة في كل مرة، إلا أن حقيقة كونهما لم يملا منه تحديداً كانت تزعجه. كان يتمنى لو يكفوا عن هذا الاهتمام المزعج.
الرسالة التي بدأت بعبارة “إلى أخي العزيز، سيرين كروتشيت”، سرعان ما تحولت إلى حطام ممزق بين يديه.
«أوغاد حثالة.»
نبرة صوته التي يكسوها السأم كانت تحمل في طياتها غضباً دفيناً. في تلك اللحظة، طُرق الباب بعجلة.
«ادخل.»
عندما أجاب سيرين ببرود، دخل فانتوم إلى المكتب بوجه متجهم. كان من السهل استنتاج وقوع أمر مزعج بمجرد رؤية تعبيراته.
«أبلغني بما حدث.»
«لقد هرب الأسير.»
«ماذا؟»
ارتجفت زوايا فم سيرين، ثم…
«ههه، هاه هاه هاه هاه!»
على غير المتوقع، انطلق سيرين في ضحك متواصل ومرتفع. بدا ضحكه مبهجاً لدرجة قد تضلل من يراه حول حقيقة مزاجه. لكن فانتوم كان يعلم؛ أن اللحظة التي يضحك فيها سيرين هكذا، هي اللحظة الأكثر خطورة على الإطلاق.
«أوو.. هل أنت بخير يا ماستر؟»
تلاشت الابتسامة تدريجياً من على شفتي سيرين، ثم قال بصوت يقطر برودة:
«يبدو أنك تحمل رأسك فوق كتفيك للزينة فقط.»
«…… أنا أعتذر.»
«إن كنت تعتذر، فأنت تدرك ما يجب عليك فعله الآن، أليس كذلك؟»
تحولت دعوة القصر الإمبراطوري في قبضة سيرين إلى رماد في لمحة بصر.
«تحرك فوراً. وأحضر ذلك الأسير أمامي.»
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"