رغم أنني صافحتُ يده، إلا أن راشيل ظلت مبتسمة. في المقابل، بدت دوقة كروتشيت الواقفة بجانبنا منزعجة للغاية رغم أنها لم تكن الطرف الذي لم يصافحه.
حين استحضرتُ ذلك الموقف، راودتني فكرة مفاجئة: لابد أن ابتسامة راشيل كانت كذبة أيضاً. شعرتُ برغبة عارمة في تدنيس تلك الضحكة البريئة. إذا كانت حقاً لا تدرك معنى القبح، فماذا لو أريتها الوجه الآخر لهذا العالم؟
‘هل ستظلين تبتسمين لي بالطريقة ذاتها حينها؟’
بدت الفكرة ممتعة بالنسبة لي. لقد ولدتُ غارقاً في القذارة، إنسانٌ أكثر بشاعة من قاع البالوعات؛ لذا لم يكن لديّ أي تردد أو شعور بالذنب حيال تحطيمها. كان الأمر كذلك في الماضي، ولا يزال حتى الآن.
‘إذاً، راشيل الحالية.. ماذا عنكِ؟’
ارتمت على شفتي سيرين ابتسامة مقوسة. وبينما كان يستحضر صورتها في ذهنه وهي غائبة عنه، راح يفرغ الكأس التي في يده ببطء. وبقدر ما كان النبيذ يبلل حلقه، كان ظمأه إليها يتأجج كالنيران.
«هوو……»
ومع طعم المرارة الذي داعب طرف لسانه، بدأت نشوة عطرية تتسلل إليه؛ وإن لم تكن لتصل حد السكر أو تمنحه أي إحساس حقيقي. تذوق النبيذ الأحمر بهدوء، ثم وجه حديثه للشخص الواقف بجانبه بسكون:
«فانتوم.. ماذا تفعل راشيل الآن؟»
«إنها تتحرك تماماً كما توقعتَ يا سيد سيرين. هل أغلق المسارات عليها الآن؟»
مرت على شفتي سيرين ابتسامة ذات بريق خطر، ثم سأل بوجهٍ يخلو من أي نية خبيثة ظاهرة:
«لماذا؟»
«إذا استمر الأمر هكذا، ستكون الآنسة راشيل في خطر.»
لكن رد سيرين جاء دون أدنى تردد:
«لا بأس في ذلك أيضاً. راشيل بحاجة لأن تدرك أنها لا يمكنها العيش بدوني.. أبداً.»
«…… ولكن.»
ظهرت علامات الارتباك في عيني فانتوم، فابتسم سيرين ابتسامة هلالية وأجابه:
«على أية حال، هي لن تموت حقاً.. ليس بعد، على الأقل.»
سكت فانتوم أمام ذلك القول الذي أصاب كبد الحقيقة. وبدا أن صمته قد راق لسيرين، فأمسك بالشوكة والسكين وشرع في تقطيع اللحم أمامه. انسكبت العصارة الحمراء القانية بغزارة، وراح سيرين يضع في فمه قطع اللحم التي تقطر دماً.
أغمض عينيه وأطلق أنيناً قصيراً وكأنه يتلذذ بطعم اللحم الذي يذوب في فمه. ابتلع لقمتُه ثم فتح عينيه مجدداً، وقال بوجهٍ بارد:
«اللعب بدمية دون منغصات ممتعة سيكون أمراً مملاً، أليس كذلك؟»
ضحك فانتوم بمرارة وكأنه خمن بالفعل نوع اللعبة القاسية التي يخطط لها سيده. وفي تلك اللحظة، التقته عينا سيرين الذي قال بلهجة حازمة:
«أطلقه.»
«تقصد.. الأسير؟»
«بالطبع. “بهيموث” سيحتاج حتماً إلى طعامٍ شهي. وإذا شاهدت راشيل ذلك، فسيكون الأمر مثالياً، أليس كذلك؟»
كما هو متوقع؛ لا يوجد سيدٌ أكثر غلظة منه. ومع ذلك، لم ينوِ فانتوم الاعتراض، بل اكتفى بالابتسام والرد:
«أمرك.. يا ماستر.»
كان الممر الموحش يزداد رعباً مع كل خطوة. وبسبب ذلك الشعور البارد، سرت القشعريرة في جسدي وغزاني الصقيع.
“هذا غريب؟”
ذلك الشك الذي ساورني منذ قليل؛ فرغم أن الصوت الوحيد المسموع هنا هو وقع أقدامي، إلا أنني أشعر بوجود شخصٍ آخر غيري. لكنني كلما توقفتُ والتفتُّ خلفي، لم أجد أحداً.
وبينما كنتُ أعيد نظري للأمام، تبدلت الطريق مجدداً. ظهر بابٌ في الممر الذي كان خالياً تماماً قبل لحظة.
“هل كان خروجي خطأً؟”
لو بقيتُ في تلك الغرفة لربما جاء سيرين إليّ على الأقل. شعرتُ بندمٍ طفيف، لكن العودة كانت قد فات أوانها. تنهدتُ وتابعتُ المسير، وحينها بدأت مصابيح الجدران التي تضيء الممر بالوميض والاضطراب. توقفتُ بذعر، قبل أن تلمس قدمي الأرض تماماً.
طق—!
دوى صوت حذاء يشبه تماماً صوت خطواتي. وعندما أنزلتُ قدمي المرفوعة بهدوء على الأرض، دوى صوت الحذاء مرة أخرى. تسمرتُ في مكاني وكأنني تحولتُ إلى حجر.
شعرتُ ببرودة تخترق صدري. مالت رقبتي ببطء نحو الخلف وكأنها مسحوبة بقوة خفية، وما وقع عليه بصري كان……
امرأة ترتدي فستان زفاف أبيض، وشعرها الطويل منسدلٌ بعشوائية. كان بؤبؤا عينيها شاردين وكأن روحها قد فارقتها، ولسانها المتدلي من فمها يصل إلى الأرض، بينما الدماء تنزف بغزارة من جانبي فمها. كانت أظافرها طويلة جداً كأظافر الوحوش الكاسرة، وتلطخها قشور دماء جافة.
لكن أكثر ما جعلني أشعر بالغثيان هو رائحة الدماء القوية. شهقتُ بذعر، وفي تلك اللحظة، ابتسمت المرأة التي تلاقت نظراتها مع نظراتي بشكلٍ شنيع وتمتمت:
«لا يمكنكِ الهرب إلى أي مكان. الوحدة موحشة.. العبي معي.»
كان صوتها حاداً ومخدوشاً كصوت الخفافيش، ومؤلفاً من طبقات متعددة كأنها جوقة من الأشباح. شعرتُ بألمٍ في طبلة أذني وكأنها ستنفجر، فاضطررتُ لإغلاق أذنيّ بكلتا يديّ.
“آه…… أُغ!”
قشعريرة سكنت كل ذرة في جسدي. ومع ذلك، ظلت المرأة في مكانها؛ يبدو أنها لا ترى. فكونها لم تدرك وجودي رغم أنني أمامها مباشرة، يعني أن تلاقي أعيننا قبل قليل كان مجرد صدفة.
‘تباً لهذه اللعبة المجنونة! ألم يكن من المفترض أن أتجنب سيرين فحسب؟’
كنتُ في حالة تخبط تام. ذلك الشيء البشع يتبعني، بل هو الآن أمام أنفي مباشرة! لا يمكن لأي عقل أن يظل سليماً في موقف كهذا. بدأ قلبي يقرع بجنون وبسرعة مذهلة. راحت المرأة تمد ذراعيها الطويلتين وتلوح بهما في الهواء يمنة ويسرة، وكأنها تحاول العثور عليّ.
لو بقيتُ هكذا فسيُقبض عليّ حتماً. لكن ماذا أفعل؟ إذا ركضتُ الآن فستسمعني. يبدو أن هذا الكائن الشنيع، وإن كان كفيفاً، إلا أنه حساسٌ جداً للصوت. لكن كان هناك أمرٌ يثير ريبتي منذ قليل؛ وجه هذه المرأة يبدو مألوفاً جداً.
‘أين رأيتها؟ ملامحها ليست غريبة عليّ.’
لكن تلك الفكرة انمحت من رأسي بسرعة لأنها بدأت تتحرك مجدداً. ذعرتُ حين تقلصت المسافة بيننا؛ فالممر كان ضيقاً جداً، وذراعاها اللتان تزدادان طولاً كانت كفيلة بالوصول إليّ. كانت تبلل لسانها وكأنها تتذوق طعماً مرتقباً، مظهرةً أسناناً طويلة وحادة للغاية.
ماذا أفعل؟ إذا تحركتُ سأُكشف.
ومع اقترابها، ازداد توتري، فقررتُ أخيراً أن أركض. ولكن في تلك اللحظة..
جلينج، جلينج—!
سحقاً! لقد وضع سيرين الأصفاد في يدي!
زادت سرعتي فزعاً من الصوت، وعندها شُدّت السلاسل بقوة. اختل توازني وتعثرت قدماي، فهويتُ على الأرض مباشرة.
“آه……!”
تشوشت الرؤية وتألمتُ من سحجات جلدي على الأرض. لكن ما جعل أنفاسي تضيق أكثر كان ذلك الصوت القادم من الخلف:
«وجدتكِ.»
سمعتُ ضحكة غريبة وشنيعة، وفجأة شعرتُ بشيءٍ لزج يلتف حول قدمي بإحكام.
“أُغ!”
سُحب جسدي بقوة دون أن أملك فرصة للمقاومة. حاولتُ التشبث بالأرض وأنا أخدشها بأظافري، لكن دون جدوى.
‘هل سأموث حقاً هكذا؟ ربما يكون ذلك أفضل. فأنا لا أعرف حتى ما الذي حل بأدينهار. نعم، لنبدأ من جديد من البداية.’
وفي اللحظة التي استسلمتُ فيها لكل شيء، تناهى إلى مسامعي صوتٌ مألوف:
«راشيل.. أغمضي عينيكِ.»
صوتٌ حنون يبعث السكينة في النفس. إنه أدينهار بلا شك. لا أعرف كيف ظهر هنا، لكن هذا ليس المهم الآن. فعلتُ كما قال وأغمضتُ عينيّ بشدة.
حينها، دوى صوت الرصاص المتتالي في المكان الساكن: بام، بام، بام!
«كياااااااك!»
صرخت المرأة بفظاعة. كان صراخها شنيعاً لدرجة أنني اضطررتُ لسد أذنيّ بقوة. وفي الوقت ذاته، شعرتُ بالتحرر من القبضة التي كانت تعتصر ساقي؛ يبدو أنني تخلصتُ من ذلك الوحش بفضل مساعدة أدينهار.
فتحتُ عينيّ مجدداً، فرأيتُ أدينهار وهو يواجه تلك المرأة الملطخة بالدماء. كان شعرها، لسانها، يداها، وقدماها.. كل شيء فيها يمتد بشكل غريب محاولاً اختطاف جسد أدينهار. لكنه كان يتحرك بخفة مذهلة، يشن هجمات مضادة بمسدس في يد وسيف في الأخرى.
كان أدينهار قوياً جداً. بدا أسلوبه في الهجوم رصيناً ومنضبطاً يتسم بالرقي. وبينما كنتُ أراقبه بذهول، نظر إليّ أدينهار وابتسم، ثم همس وكأنه يداعب طفلة:
«لا تنظري.. لم ينتهِ الأمر بعد.»
ثم خلع سترته وغطى بها رأسي كي لا أرى أي مشاهد دموية أخرى. انبعثت رائحته الخاصة التي شممتها من قبل.
لم يكن عليه فعل ذلك؛ فقد رأيتُ من المشاهد الوحشية ما يكفي وزيادة.
لكنه لا يعلم ذلك بالطبع. في تلك اللحظة، سُمع صوت تمزقٍ مقزز كتمزق اللحم النيء، ثم صوت ارتطام شيءٍ ثقيل بالأرض. بعدها، تردد صوت أدينهار المهذب في أذني:
«أعتذر منكِ.. يا دوقة.»
حينها فقط أدركتُ هويتها. لا عجب أنني شعرتُ بتلك الألفة؛ لقد كانت هي الوجه المرسوم في اللوحة الشخصية التي رأيتها في الممر. وهذا يعني أنها هي “دوقة كروتشيت”، سيدة هذا القصر.
ولكن، لماذا تحولت الدوقة إلى وحشٍ كهذا؟ ألم يقتلها سيرين؟
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"