أهذا الوغد جاد؟ أيريدني أن أصدق ترهاته تلك؟
وأخيراً، عندما لامست يده حمالة فستاني، لاحت لي الفرصة المرجوة. وبمجرد أن تراخت قبضته عن يديّ المقيدتين، دفعته بكل ما أوتيت من قوة. ولحسن الحظ، تراجع سيرين بيسر، وبدا على وجهه تعبيرٌ يوحي وكأنه كان يتوقع رد فعلي هذا.
أجبته ببرود تام، محاولةً قدر الإمكان ألا أكشف عما يختلج في صدري من اضطراب:
“لقد وصلتني مشاعرك بوضوح. لذا، كفّ عن هذا الآن.”
التوى طرف شفتي سيرين إثر كلماتي، ثم سألني بنبرة يملؤها التعجب:
«راشيل.. لِمَ أنتِ غاضبة؟»
“……!”
«ألا تدركين مَن هو الشخص الذي يحق له الغضب فعلاً هنا؟»
ألجمتني الصدمة من وقاحته. ففي نهاية المطاف، هو مَن اختطفني إلى هذا القصر دون وجه حق، وهو مَن يزهق روحي كلما لم يرق له تصرفي. ومع ذلك، يرى نفسه الطرف الأحق بالغضب!
أي منطق أعوج يمتلكه هذا الفتى؟ بدا لي سيرين، ببروده المعهود كسايكوبات مختل، عاجزاً تماماً عن فهم وجهة نظري. حاولتُ أن أشرح له موقفي بهدوء:
“أي شخص في مكاني سيستشيط غضباً. أنت لا تعيرني أدنى اعتبار، ولا تراعي مشاعري أبداً.”
بانت لمحة من الحيرة في عينيه. ظننتُ للحظة أن كلماتي قد لامست عقله، لكن…
سرعان ما أجاب بصوتٍ منخفض يقطر برودة:
«لِمَ تقولين هذا؟ ألم تخبريني أنتِ يا راشيل أنني أستطيع فعل ذلك؟»
“…… ماذا؟”
«ألم تقولي إن عليّ تقديم مشاعري فوق أي اعتبار آخر؟ ألم تخبريني أنني أستطيع فعل أي شيء يحلو لي؟»
عقد لسانِي من الذهول. متى تفوهتُ بمثل هذا الكلام؟ بل والأهم من ذلك، كيف يمكن تأويل تلك الكلمات بهذا الشكل المتطرف؟
على الأرجح، فإن من قالت ذلك هي “راشيل” الحقيقية قبل أن أتجسد في جسدها. تُرى ما الذي كانت تفكر فيه عندما قالت ذلك لسيرين؟ ترددتُ في الإجابة، وفي تلك الأثناء، عاود سيرين لمس وجنتي، وهمس بابتسامة فاتنة:
«صمتكِ هذا.. هل يعني أنكِ تؤيدين كلامي؟»
ثقل صدره القوي بدأ يضغط عليّ مجدداً، فبادرتُ بسرعة بإغلاق فمه بيدي وقلت:
“لقد تغيرت الأمور الآن. أريدك أن تبدأ في مراعاة الآخرين قليلاً.”
تبدلت نظراته إلى لؤمٍ طفولي، ثم مرر لسانه فوق كفّي بجرأة. شعرتُ بملمس لزج جعلني أحاول سحب يدي بسرعة، لكنه انقضّ عليها وعضّها بقوة.
“آه…!”
تق.. تق..
تساقطت قطرات دمي على الأرض. شعرتُ بدفء الدماء وهي تبلل يدي، وبألمٍ لاذع في موضع العضة. أحسستُ بقلبي يهوي إلى القاع مرة أخرى.
لقد بات يعضني لأتألم عند كل هفوة. لاحظ سيرين اضطرابي، فلحس شفتيه الملطختين بدمي وقال:
«هذا عقابكِ.. عقابٌ لأنكِ آلمتِ قلبي.»
“……!”
«لذا، كفّي عن استثاري. فأنا لا أريد أن أحطمكِ.»
نهض سيرين أخيراً، وابتعد عن السرير متمتماً بصوتٍ خافت:
«راشيل.. تذكري أمراً واحداً فقط.»
“……!”
«أنا مستعدٌ لفعل أي شيء.. أي شيء على الإطلاق، لكي أمتلككِ.»
وربما شمل ذلك حتى نيل كراهيتي؛ فقد أدركتُ ذلك في نبرته.
غادر سيرين الغرفة تاركاً إياي وحدي. لم أستطع إزاحة نظري عن ظهره حتى اختفى تماماً، وحينها فقط زفرتُ أنفاسي التي كنتُ أكتمها.
عندما هدأت روعي قليلاً، لمحتُ وعاء الماء والمنشفة على الطاولة الجانبية. يبدو أنه اعتنى بي بصدق رغم قسوته الفائقة. تنهدتُ بعمق وأنا أنظر إليهما:
“الأمر يزداد غموضاً.”
لم أعد أفهم حقيقة مشاعر سيرين. إن حبه الجنوني الذي يتأرجح بين اللين والغلظة يثير رعبِي. هل نيلُ حبه سيساعدني حقاً في فك شيفرة هذه اللعبة؟ لم أستطع الوصول إلى قرار حاسم.
عندما فتحتُ عينيّ مرة أخرى، وجدتُ جسدي قد تعافى تماماً. ومع ذلك، لم أستطع كتمان سيل من الشتائم التي اندفعت لذهني:
“تباً.. أيها المختل.”
رأيتُ أمامي أصفاداً تلمع. يبدو أن سيرين، خوفاً من ارتكابي لحماقة أخرى كما حدث بالأمس، قد قيد يديّ وقدميّ بالأغلال. ولحسن الحظ، لم تكن الأصفاد مربوطة بشيء ثابت، بل كانت تربط أطرافي ببعضها البعض فقط. ومع ذلك، فقد بلغت دناءته حدّ وضع طوق حول عنقي، مما أصابني بالذهول.
أنا كلب؟ هل أصبحتُ كلباً عنده؟!
والمثير للريبة أنني شعرتُ بلسعاتٍ كهربائية تنبعث من هذا الطوق كلما تغيرت مشاعري. وبما أنني لا أعلم ما هي الوظائف الأخرى المخبأة فيه، كان عليّ أن أكون شديدة الحذر.
‘لو كنتُ مِتُّ مرة واحدة لكان أهون من هذا الذل.’
أدركتُ مجدداً مدى قبح شخصية سيرين. هو لا يجد غضاضة في قتلي بيده، لكنه يأبى أن أضع حداً لحياتي بنفسي. أي منطقٍ متناقض هذا؟
كانت تنتابني رغبة عارمة في الصراخ بوجهه: “سأقتل نفسي الآن!”، لكنني لزمتُ الصمت. فإذا كان الطوق يرسل شرارات لمجرد تقلب المشاعر، فمن يدري ما الذي سيحدث لو نطقتُ بكلمة “الموت”؟
“عليّ أن أجد أحجار القمر بأسرع وقت ممكن.”
تمتمتُ بذلك محاولةً تهدئة نفسي، وفجأة طرأ أدينهار على بالي. تُرى ماذا حدث له بعد ذلك؟ لقد كنتُ مشغولةً بإنقاذ حياتي لدرجة أنني لم أتمكن من التفكير فيه. في النهاية، إذا مات، فلن يكون لحياتي هنا أي معنى.
“أولاً، عليّ الخروج من هنا.”
أي نوعٍ من الغرف هذه التي تخلو حتى من نافذة؟
بسبب غياب النوافذ، لم أستطع تحديد الوقت. كنتُ بحاجة لمعرفة الوقت لأتمكن من التخطيط لتحركاتي. لم يكن في الغرفة سوى جدران بيضاء صماء، مما أضفى جواً من الضيق الممزوج بوحشةٍ جنائزية.
أهذا عمل سيرين أيضاً؟
“هل يُعقل أنه أقفل الباب أيضاً؟”
اقتربتُ بحذر وأدرتُ مقبض الباب. كان تحريك المقبض صعباً بعض الشيء بسبب الأصفاد التي تربط يديّ، لكن الباب فُتح في النهاية. ومع ذلك، فإن المشهد الذي استقبلني خلفه جعلني أشعر بصدمة وكأن أحداً قد ضربني بمطرقة على رأسي.
“آه……”
كان الممر الممتد أمام الباب مغطىً بورق جدران أبيض ناصع لا يحمل أي نقوش، ويمتد إلى ما لا نهاية. لم يكن هناك أثر لأي نافذة. شعرتُ وكأنني حبيسة داخل متاهة، ولم يكن هناك صوتٌ يكسر الصمت المطبق سوى صدى أنفاسي المضطربة.
في غرفة الطعام الفاخرة بقصر كروتشيت، كانت المائدة الطويلة تزدان بأشهى المأكولات. جلس سيرين أمامها دون أن يلمس شيئاً، غارقاً في أفكاره وهو يحرك كأس النبيذ الأحمر بين يديه كأنه يعبث بلعبة. كان النبيذ يترنح في الكأس بحركة رتيبة، لونه أحمر قانٍ كالدماء.
«هوو……»
تنهد سيرين بعمق. كانت راشيل تستحوذ على كل تفكيره. قطب حاجبيه وهو يتذكر وجهها الغاضب الذي رآه بالأمس.
«تباً.. لا أزال لا أفهم. لِمَ كانت غاضبة مني؟»
كانت تلك هي المرة الأولى التي يرى فيها راشيل تُظهر مثل هذه المشاعر تجاهه. فلطالما كانت راشيل رقيقة وهادئة. بالنسبة لسيرين، الذي نشأ في بيئة من الاضطهاد السادي وتربى كدمية بلا مشاعر، كانت راشيل بمثابة حافزٍ جديد ومختلف.
كانت زوجة أبيه، دوقة كروتشيت، امرأة ماكرة كالأفاعي. كانت تمثل دور النبيلة الرزينة أمام والده الدوق، لكنها كانت تتجرد من إنسانيتها لتتحول إلى شيطان في حضرة سيرين.
والأسوأ منها كان دوق كروتشيت نفسه؛ فقد كان على علم بكل ما يحدث لكنه غضّ الطرف، مفضلاً أن يرى ابنه ينشأ كخلفٍ كفء وقوي من تلقاء نفسه. ربما كان يرى في وجود سيرين وصمة عار، بما أن والدته كانت امرأة غارقة في الفضيحة.
بيد أن الدوقة لم تنجب أطفالاً، وكلما زاد إحباطها، زادت نوبات غضبها وقسوتها تجاه سيرين. وفي خضم تلك الأيام السوداء، جاءت دعوة لتناول الطعام مع عائلة الدوق فامينيون لتعزيز الروابط بين العائلتين.
في الحقيقة، كان سيرين يمقت عائلة فامينيون أيضاً؛ فالدوقة فامينيون كانت تربطها علاقة أخوية وثيقة بزوجة أبيه. كان يرى في زوجة أبيه كائناً يثير الاشمئزاز؛ تعذبه بدم بارد ثم تتظاهر أمام الجميع بالرصانة والرحمة. وفي مأدبة الطعام الكريهة تلك، كانت لمساتها المتصنعة له تثير في نفسه رغبةً عارمة في القيء.
بينما كان جالساً يكتم مشاعره، اقتربت منه طفلة صغيرة وسألته:
“ما اسمك؟”
«سيرين.. سيرين كروتشيت.»
“إنه اسم جميل جداً، ويليق بك تماماً.”
«وما اسمكِ أنتِ؟»
“أنا راشيل، راشيل فامينيون. دعنا نصبح صديقين.”
صراحةً، لم يشعر سيرين بأي شيء تجاهها في البداية. بل كان يمقتها لأنها بدت له كبقية المنافقين. فمن الطبيعي أن تكون ابنة الدوقة فامينيون، الصديقة المقربة لزوجة أبيه، نسخة مكررة منهن؛ كائنات فارغة تفيض بالغرور والزيف. لذا، سخر منها في أعماقه:
‘كفي عن هذا التملق.. لِمَ لا تظهرين حقيقتكِ البشعة؟ فأنا أعلم أنكِ تمقتين مجرد الوجود بجانب حثالة مثلي.’
وانطلاقاً من هذا الشعور بالتمرد، مد يده وصافح يدها التي كانت ممدودة له بصدق.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"