الهواء أصبح مشحوناً بالتوتر، وكأن قلبي قد هوى فجأة في هاويةٍ سحيقة. ابتلعتُ ريقي بصعوبة من فرط التوتر، وعندها تقدم سيرين نحوي بخطواتٍ وئيدة وقال:
«راشيل.. لا تزالين بارعة في الفشل بالكذب.»
“…… هذا.”
«حسناً، هذا الجانب فيكِ يبدو لطيفاً، ولكن..»
“……”
«أحقاً ظننتِ أنني لن أعرف إذا حاولتِ الاختباء؟»
تباً! عندما رأيتُ عينيه الحمراوين تلمعان بنية القتل، شعرتُ وكأن شعر جسدي كله قد وقف فزعاً.
في تلك اللحظة، رسم سيرين ابتسامةً ناعمة، وبخفةٍ متناهية قذف بالسيف الذي كان في يده جانباً. السيف الذي غادر كفه استقر بدقةٍ مذهلة في منتصف الخزانة التي يختبئ فيها أدينهار—طاخ!
تطلعتُ إلى الموقف بذهولٍ مطلق، وأطبقتُ يديّ على فمي لأكتم صرختي.
‘لقد قُضي علينا!’
كان صمود أدينهار وعدم إصداره لأي صوتٍ مدعاةً للفخر في تلك اللحظة الحرجة.
هل سيقوم سيرين الآن بقطع عنق أدينهار أمامي؟ ومن ثم يقتلني؟
اختلطت الأفكار في رأسي، لكن الفكرة التي هيمنت عليّ بقوة هي أنني لا أريد الموت على يده مجدداً. لا أريد! لم أعد أملك القدرة على تحمل طغيانه الجنوني.
حسناً، إذا كان لابد من الموت، فليكن هكذا……!
ركضتُ نحو النافذة على الفور.
«راشيل!»
تردد خلفي صوت سيرين الملهوف وهو ينادي باسمي، لكنني تجاهلته وقذفتُ بجسدي خارج النافذة دون أدنى تردد.
سحقاً! لقد أهدرتُ حياةً ثمينة أخرى، لكن هذا أفضل من مواجهة موتٍ وحشي. إذا كان مقدراً لي الموت على أية حال……
صدقاً، أعتقد أن عقلي كان قد فقد صوابه في تلك اللحظة. ولكن، أي شخصٍ يوضع في مكاني سيتفهم تماماً أن ما هو أرعب من الموت هو “الخوف” ذاته؛ ذلك الألم اللامتناهي الذي يدفع المرء إلى الجنون.
تلاشت الرؤية أمامي وبدأت الأرض تقترب. على الأرجح أنني قد مِتّ. ومع هذه الفكرة، استسلمتُ للظلام وفقدتُ وعيي.
شعرتُ ببرودةٍ تلامس جبهتي، فارتجف جسدي من الصقيع.
“أممم……”
كان البرد قارساً، لكن بفضل الحرارة التي كانت تتدفق إلى وجهي، لم تكن تلك البرودة على جبهتي سيئة تماماً.
كان جسدي يؤلمني بشدة، وكأن آلاف الإبر تنغرز في لحمي. شعرتُ بحرارةٍ وصداعٍ شديدين في رأسي لدرجة أنني كدتُ أتقيأ. رحتُ ألهث بعنف وأنا أصارع الألم.
“هاه، هاه……”
في تلك اللحظة، أحاطت دفءٌ غامر بجسدي.
«لا بأس. أنا بجانبكِ.»
كان الصوت رقيقاً وساكناً كصوت ملاك. شعرتُ حينها ببعض الراحة، ولأنني لم أرغب في فقدان هذا الدفء، أغمضتُ عينيّ وتشبثتُ بمصدره بقوة.
هل هي دمية؟ ولكن لماذا جسدها صلبٌ هكذا كالبشر؟
بينما كانت يداي تتلمسان المصدر بعشوائية، تردد صوتٌ رطب في أذني:
«راشيل.. إلى أي مدى تنوين التمادي في لمسي؟»
أوه؟ هذا الصوت مألوفٌ للغاية.
«هوو.. لستُ أمانع المضيّ قدماً إلى أبعد من هذا، ولكن……»
كانت أنفاسه تضطرب بريبة. صوته الذي همس بإغراء جعل وجنتيّ تشتعلان تلقائياً.
«أنا لا أملك هواية العبث مع المرضى؛ فمتعة التنكيل بهم تكون ناقصة.»
“…… آه!”
عندها فقط فتحتُ عينيّ على اتساعهما. وعندما رأيتُ سيرين أمامي، بأنفاسٍ مضطربة وأذنين محمرتين، لم أتمالك نفسي من الصراخ.
“كياااك! أيها المنحرف!”
ضربتُ صدره بكل قوتي محاولةً دفعه بعيداً، لكن سيرين الذي كان يضغط على شفتيه أحكم قبضته على يديّ بسهولةٍ تامة. وعمد إلى تشبيك أصابعه بأصابعي كي لا أهرب؛ يده الكبيرة قيدت يدي الصغيرة فلم أعد قادرة على الحراك. صرختُ بوجهٍ محمر:
“مـ.. ماذا تفعل؟!”
«أنتِ مَن بدأتِ أولاً.. من الصعب أن تسأليني أنا.»
“…… أُغ!”
«هل تدركين…… كم أفزعتِني؟»
بدا سيرين غاضباً حقاً، لكن خلافاً للمعتاد، لم أشعر بنية القتل. بما أن لون عينيه كان وردياً، فيبدو أنه كان قلقاً عليّ بصدق.
بالطبع، لا أدري إن كانت كلمة “قلق” تليق بشخصٍ مثل سيرين أصلاً.
“اترك…… ني.”
«أرفض.»
“يدي تؤلمني……”
«تحملي؛ فجرحكِ أقل ألماً مما شعرتُ به أنا.»
لم أستطع النطق بكلمة واحدة، وساد صمتٌ مطبق.
بل إن الوضع كان مريباً أكثر لأنني كنتُ مستلقيةً تحته. نظرته التي كانت تتفحصني بدت خطيرة؛ خطورةً من نوعٍ آخر يختلف عن حمله لنصل السيف.
في تلك اللحظة، خفض رأسه نحو الأسفل. ظننتُ أنه سيقبلني، فأغمضتُ عينيّ تلقائياً، لكن ما تلامس لم يكن الشفاه، بل جبهته التي التصقت بجبهتي. فتحتُ عينيّ باستغراب، فتمتم وكأنه ارتاح:
«لحسن الحظ، يبدو أن الحمى قد انخفضت قليلاً.»
آه، هل كان يقيس حرارتي فحسب؟ شعرتُ بضيقٍ طفيف في صدري، وقلتُ له بتذمر:
“بما أنك تأكدت مما تريد، هل يمكنك الابتعاد الآن؟”
ربما لأن حالتي الجسدية كانت في الحضيض، فقدتُ الإحساس بالخوف وتحدثتُ بجرأة. توقعتُ رداً حاداً، لكن لدهشتي، اكتفى سيرين بالنظر إليّ بصمت، محافظاً على مسافةٍ قاتلة حيث تتلامس أطراف أنوفنا. حرك شفتيه قليلاً ثم قال:
«أكنتِ تنوين الموت حقاً؟»
“ماذا؟”
«سألتكِ.. أكنتِ تنوين الموت أمامي؟»
كان الأمر كذلك؛ لأن رؤية “النهاية السيئة” مجدداً كانت مرعبة. في تلك اللحظة، أفلتت الإجابة مني دون وعي:
“لو لم أحاول الموت بنفسي…… لكنتَ أنت مَن سيقتلني.”
“……!”
بالطبع، ندمتُ فور قول ذلك. كيف سيفكر سيرين بي بعد هذا الكلام؟ ربما تسببتُ في تعكير مزاجه دون داعٍ.
انتظرتُ رده بقلقٍ وتوجس، وشعرتُ بالخوف مما قد ينطق به.
حينها، انطلقت منه ضحكةٌ خفيفة وسط الصمت، وأمال رأسه وكأنه لا يفهم شيئاً:
«هذا غريب.. لِمَ تفكرين هكذا؟»
“……!”
اصبحت نظرته باهتةً وحزينة، وبدأ لون عينيه يتحول تدريجياً إلى الأحمر القاني. شعرتُ برغبةٍ عارمة في ضرب فمي الذي تفوه بذلك الهراء.
«أنا أحبكِ بكل هذا القدر……»
“…… سـ.. سيرين.”
«لماذا لا تفهمين قلبي؟»
“ليس الأمر كذلك……!”
«آه، هل كان تعبيري عن حبي ناقصاً؟»
لقد وقعتُ في ورطة؛ سيرين لا يستمع إليّ على الإطلاق.
بدأت نية القتل تتصاعد منه مجدداً. فكرتُ في عقلي أنني قد انتهيت، لكن جسدي تحرك أولاً لسببٍ ما؛ شعرتُ أن عليّ تدارك الأمر بأي ثمن.
“انـ.. انتظر لحظة! سيرين! اهدأ قليلاً.”
أجاب وهو يرسم ابتسامةً رقيقة خالية من المشاعر:
«أهدأ؟ راشيل، أنا لستُ غاضباً على الإطلاق.»
كاذب. عيناك أصبحتا حمراوين، وأنت تنوي قتلي!
وكما توقعت، زاد من ضغطه على يدي التي يمسكها، وتمتم بابتسامةٍ باردة:
«راشيل.. توقفي. قبل أن أضطر لإطباق هذا الفم الآن.»
“……!”
أصبح مبتسماً بطريقةٍ مرعبة. ثم قال وكأنه يعلن حكم الإعدام:
«سأعلمكِ الآن وببطء.. كم أحبكِ.»
في طرفة عين، استقرت شفتاه فوق شفتيّ. سرى دفءٌ غامر فوق ثغري، وتجمدتُ في مكاني عاجزةً عن الحراك. كان يمتص شفتيّ تارةً برقةٍ تثير القشعريرة، وتارةً بعمقٍ شديد.
ماذا؟ ألم يكن ينوي قتلي؟
لطالما قتلني سيرين كلما شعر بعدم الثقة، وظننتُ أن هذه المرة لن تختلف. لكن، وخلافاً لتوقعاتي، بدلاً من أن يسلبني حياتي، كان يسلبني شفتيّ، مما غمرني في حالةٍ من الذهول والارتباك.
كانت الحمى تؤلمني والأجواء المتصاعدة تذهب بعقلي. أما سيرين، فكان يلتهم شفتيّ بهدوءٍ وبراعةٍ تامة. بدأت أنفاسي تضطرب وارتخى جسدي تماماً.
‘هذا الوضع خطير.’
بدأت كلماتٌ مرعبة تلوح أمام عيني مثل: “هوس، حبس، دمار، قسوة”. لكن قوة سيرين التي كانت تقيد يدي كانت أعظم من أن أتحرر منها.
“آه……”
عندما بدأتُ ألهث لفقداني القدرة على التنفس، ابتعدت شفتاه أخيراً. كان سيرين ينظر إليّ بعينين ضاريتين كوحشٍ وجد فريسةً شهية. وعندما ابتلعتُ ريقي بصعوبة من شدة التوتر، انطلقت منه ضحكةٌ ساخرة وقال:
«لا تعرفين حتى كيف تتنفسين……»
“……!”
«يبدو أنني سأعاني كثيراً لترويضكِ.»
مـ.. ماذا؟!
اصطبغ وجهي باللون الأحمر في لحظة. تقدم نحوي باستفزاز وكأنه لا ينوي منحي فرصةً للراحة. عاد ليقبلني مجدداً، ثم نزل نحو ذقني تاركاً أثراً سرياً في كل بقعة، حتى وصلت شفتاه إلى خط عنقي.
بمجرد أن لامست أنفاسه الحارة عنقي، ارتجف جسدي غريزياً؛ فقد تذكرتُ المرة التي عض فيها عنقي من قبل. عندها، همس وكأنه يهدئ روعي بأسى:
«اششش.. ارخي جسدكِ. لن أؤلمكِ.»
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"