4
شَـــا— كان صوت المطر ينهمرُ بعنفٍ على النافذة.
في كل مرة أتحرك فيها، كان أرض الخشب يئنّ تحت قدمي.
كان هذا القصر القديم من النوع الذي يحمل بكل فخر تاريخ عائلة كروشيه العريق وسمعتها الرفيعة.
الممرات، المشبعة بالتقاليد، كانت أنيقة، لكنها من ناحية أخرى كانت بالية وقديمة لدرجة توحي بوجود أشباح.
تركني فانتوم بمهمة ضخمة.
تفقد ساعة الجيب التي أخرجها من جيب صدره، وترك وراءه وداعًا غريبًا يوحي بأننا سنلتقي مجددًا، ثم صعد إلى القطار واختفى.
المذهل، أن قضبان القطار اختفت دون أثر بمجرد أن غاب عن الأنظار.
ليس هذا فحسب، بل حدث تغيير في جسدي.
ظهر سبعة خطوط تشبه الباركود على معصمي الأيسر. وكأنها كانت تَسمُ حياتي نفسها.
لم يزد هذا الأمر سوى الضغط عليّ.
فكرة اختفائها جعلت قلقي يتزايد.
غارقة في أفكاري، واصلت التقدّم.
“أولاً، يجب أن أجد ‘آدينهار’ قبل أن يعثر عليه ‘سرين’.”
لذا، كان عليّ إخفاؤه في القصر.
وإلا، لما استطعت الهروب من هذه اللعبة بسلام.
“أيضًا، هذا القصر مظلم حقًا… أليسَت مصابيح الحائط مضاءة حتى؟”
كان القصر شاسعًا.
وعندما وصلت إلى نهاية الممر الطويل، رأيت درجًا يؤدي إلى الأسفل ونافذة مفتوحة.
كانت النافذة تهتز بفعل الرياح والأمطار، مُحدِثةً قعقعة خطيرة.
وكانت الأرض في حالة من الفوضى من مياه الأمطار المتساقطة من إطار النافذة.
“من الذي ترك النافذة مفتوحة في مثل هذا اليوم؟”
أغلقتها بحرص، فركت ذراعيّ للتدفئة، ثم توجهت إلى الطابق السفلي.
كان الهواء البارد يجعل أنفاسي تتصاعد كسحابة بيضاء.
على امتداد جدران الدرج، كانت تتدلى عدد لا يحصى من اللوحات الشخصية.
على الأرجح، كانوا أفراد عائلة “كروشيه”.
مررت يدي على إطار إحداها، والغريب، أن الغبار لم يتطاير.
ورغم ذلك، لم تكن هناك أي علامات على وجود خَدَم.
“أين ذهب الجميع ما عدا ‘سرين’؟”
لا يمكن أن يكون سرين يعيش وحده في هذا القصر الشاسع.
لكن المفقودين لم يكونوا فقط الخدم.
لم أرَ أفراد عائلته قط أيضًا.
تذكرت بشكل غامض أنني قرأت في وصف اللعبة أنه كان في صراعات يومية على السلطة مع الدوقة، زوجة أبيه، وليست والدته البيولوجية.
بالطبع، ربما تم إخفاء بعض الأمور عني أثناء احتجازي، لكن ذلك كان مزعجًا.
ألم يقتلهم “سرين” جميعًا؟
هززت رأسي بقوة لأتخلص من هذه الفكرة المشؤومة ونزلت إلى الطابق السفلي.
بمجرد أن وطأت قدمي آخر درجة، أضاءت مصابيح الحائط الوامضة الممر.
“……!”
قبل أن أتمكن حتى من الدهشة من ذلك، دوى صوت خطوات حثيثة من مكان ما.
ثم توقفت، وغطت يد كبيرة رطبة أنفي وفمي.
“أغ…!”
شُدِدتُ بقوة.
في غمضة عين، جُذِبتُ إلى الظلام، وأنا أشعر بلمسة باردة ورطبة خلفي.
من كان؟ أهو “سرين”؟
بدأ قلبي يخفق بجنون.
لكن الرائحة لم تكن رائحة “الأكوا” المنعشة التي يحملها سرين، بل كانت تفوح منها رائحة خفيفة من خشب السرو والحمضيات، كأنني في غابة.
ثم سمعت صوتًا حازمًا لكنه لطيف قرب أذني.
“صهٍ. اثبتي مكانك.”
“……!”
“إن تحركتِ، فقد نُكتشف. يا ريتشل.”
عندها فقط أدركت من يكون.
صديق طفولتي القديم، “آدينهار سيبرتا” — الشخص الذي كنت أبحث عنه يائسة ويجب عليّ إنقاذه.
رفعت رأسي ببطء، وخفض هو نظره إليّ.
في ضوء القمر الذي ملأ الغرفة، رأيت وجهه: شعر أشقر لامع، عينان بنفسجيتان تذكران بزهور الـستاتايس، أنف حاد، شفتان قرمزيتان.
كان ذا مظهر أنيق، لطيف، وسيم.
“كنت قلقًا جدًا… أنا سعيد لأنكِ بخير، يا ريتشل.”
تحدث بابتسامة لطيفة.
“لقد اشتقت إليكِ حقًا.”
أزال ببطء الأصابع التي كانت تغطي فمي.
نظرت حولي بسرعة وهمست بصوت منخفض:
“لماذا أتيت إلى هنا؟”
“سمعت أن الدوق كروشيه أخذكِ…”
“ولكن أن تأتي بتهور بمفردك إلى هنا… ماذا لو حدث لك مكروه؟”
على ما يبدو، لم يكن يتوقع التوبيخ، فاتسعت عينا آدينهار، ثم ضحك ضحكة محرجة.
“ظننتُ… أنكِ قد تكونين في خطر… لقد كان دوق بامينيون قَلِقًا جدًا أيضًا.”
بعد تردد، أضاف الجزء الأخير بقلق.
“…إنه دوق كروشيه سيئ السمعة، أليس كذلك؟”
وهو يعلم ذلك، ورغم ذلك أتى إلى هنا أعزل… تنهدت أمام آدينهار الساذج.
هل كان يعلم كم مرة رأيته مذبوحًا؟
هززت رأسي عند الفكرة، مرتعشة، وحذرت آدينهار بنبرة حازمة:
“أولاً، شكرًا لك لأنك جئت لإنقاذي. ولكني أريدك أن تعود الآن.”
“هاه؟”
“بالطبع، لا أستطيع الذهاب معك. هناك شيء يجب أن أفعله هنا.”
“لكن…”
بدا آدينهار عاجزًا.
“لماذا؟”
كان ردة فعله غريبة، فسألته.
ابتسم ابتسامة محرجة وقال:
“منذ أن دخلت هذا القصر، اختفت المخارج…”
“…ماذا؟”
ما هذا الهراء؟ مضى وقت طويل من الصمت بيننا.
ألقيت نظرة مريبة عليه، فلوح بيديه مضيفًا أعذارًا.
“هذا صحيح! يا ريتشل أردت تفقد القصر أولاً لأخرجك بسلام، ولكن… بمجرد أن وطئت قدمي، اختفت الأبواب عن الأنظار وجدت نفسي في غرفة لم أعرفها.”
آه، هذا هو الأمر.
هذه اللعبة الملعونة، ما إن تدخل القصر حتى تُفعّل فخًا — فلا يمكنك الخروج بشكل طبيعي.
باختصار، يتحول المكان إلى متاهة.
يبدو أن الشخص الوحيد القادر على إيجاد المخرج هو مالك القصر، سرين.
آدينهار، بيادة التضحية من أجل تقدّمي في اللعبة، لا يمكنه المغادرة دون مساعدتي.
“هاهاها…”
اللعنة! كدت ألعن بصعوبة، ارتجفت شفتاي.
لدى ملاحظته ردة فعلي، سألني آدينهار بتوسل، شاعرًا بأن هناك خطبًا ما:
“هل أخطأت؟”
مثل جرو ضائع، نظر إليّ آدينهار.
رؤيته بهذه البراءة زادت من ضيق صدري.
ماذا أفعل به؟ أنت، غير المدرك لمصيرك، لا تفكر إلا في إنقاذي، هذا يجعل إحساسي بالمسؤولية أثقل.
ثم، سمعت صوت صفير في مكان ما — لحن لعبة الغميضة. “اختبئ، اختبئ، لا تُظهر خصلة شعرك” — اللحن كان واضحًا لدرجة جعلت جسدي يتصلب.
ومن ثم، دوى صوت خطى في الممر الهادئ.
بغريزتي، عرفت أنه سرين.
إذا وقعنا هنا مع آدينهار، فسينتهي كل شيء.
أشرت له بأن يهدأ، وأنا أبحث عن مكان للاختباء.
في هذه الأثناء، كانت الأبواب تَصِرُّ وتُفتح ثم تُغلق بعنف مرارًا.
حرّك آدينهار شفتيه بصمت قائلاً:
“ماذا نفعل؟ سنُكتشف هكذا.”
كان هناك مسدس في حزامه.
مد يده نحوه، لكنني أوقفته.
كلما فشلت، كان آدينهار يموت دائمًا.
هذا يعني أنه لا يمكنه أبدًا هزيمة سرين.
سيكون من غير المجدي استفزازه.
في تلك اللحظة، لمحت خزانة ملابس قديمة.
أشرت لـآدينهار بالدخول إليها.
لكنه هز رأسه، مشيرًا بصمت أنه لا يستطيع تركي.
كانت خطوات سرين تقترب أكثر.
قرصت خاصرة آدينهار، حاثّة إياه بصمت على فعل ما أقول.
لا يزال يرفض بعناد.
شعرت بإحباط خانق، لكن فقدان أعصابي هنا سيجعلنا نُكتشف فورًا.
“ريتشل… أغ!”
حاول إصدار صوت، فغطيت فمه بسرعة، وتحدثت من بين أسنان مطبقة:
“لن أموت. لذا أرجوك، افعل ما أقول هذه المرة فقط.”
أخيرًا، دخل الخزانة على مضض.
زفرت بارتياح.
بام―!
مع ضجة عالية، طُرد الباب من مكانه.
ظهر “سرين”، وعيناه تتوهجان بالأحمر.
همس بابتسامته الشيطانية المميزة:
“ماذا كنتِ تفعلين هنا، يا ريتشل؟”
ثم لعق نصل سيفه بلسانه.
بدأت يداي تتعرقان طبيعيًا.
لكنني ارغمت نفسي على ابتسامة عادية ورددت:
“كنت فقط أتجول في القصر.”
صوتي لم يرتعش، أليس كذلك؟
ضحك بصمت، ثم محا الابتسامة من وجهه وقال ببرود:
“سمعتُ صوتًا آخر غير صوتك.”
“…لا بد أن سمعك خُدع…”
“أين أخفيتيه؟”
“…!”
“أترى لو ألقي نظرة؟”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 4"