«شووو—» انبعث من خلف النافذة صوتُ هطول المطر بغزارةٍ وحشية.
كانت الأرضية الخشبية تطلق صريرًا حادًا مع كل خطوةٍ أخطوها؛ صريرٌ يليق بقصر عائلة “كروتشيت” العتيق، الذي يفاخر بتاريخه الطويل وسمعته المرموقة. بدت الممرات، التي تفوح منها رائحة التقاليد، أرستقراطيةً ومهيبة، لكنها في الوقت ذاته كانت باليةً وموحشة وكأنها مرتعٌ للأشباح.
فانتوم، الذي ترك لي تلك المهمة الشاقة، تفقد ساعة جيبه، ثم غادر مستقلاً قطاره بعد أن ترك ورائه تحيةً غامضة توحي بلقاءٍ قريب.
ويا للعجب، فبمجرد اختفائه، تلاشت قضبان القطار وكأنها لم تكن.
لم يقتصر الأمر على ذلك، بل طرأ تغييرٌ على جسدي أيضًا؛ إذ ظهرت على معصمي الأيسر خطوطٌ تشبه الرمز الشريطي (Barcode). سبعة خطوطٍ بالتحديد، وكأنها عدّادٌ يعرض ما تبقى لي من فرصٍ في الحياة.
‘هذا يزيد من وطأة الضغط النفسي فحسب. سأشعر بالذعر مع اختفاء كل خط.’
استمررتُ في التقدم غارقةً في أفكاري.
«أولًا، عليّ العثور على “أدينهار” قبل أن يجده “سيرين”.»
يجب أن أخبئه في مكانٍ ما داخل القصر، وإلا فلن أتمكن من الهروب من هذه اللعبة بسلام.
«لكن القصر غارقٌ في ظلامٍ دامس؛ حتى مصابيح الجدران لم تُشعل!»
كان القصر فسيحًا للغاية. وعندما وصلتُ إلى نهاية ممرٍ طويل، رأيتُ درجات السلم المؤدية للأسفل ونافذةً مفتوحة. كانت النافذة تهتز بعنفٍ تحت وطأة الرياح والمطر، مصدرةً صوت “طاخ، طاخ” مريب، بينما تبللت الأرضية بقطرات المطر المتسربة من الإطار.
“مَن الذي ترك النافذة مفتوحةً في طقسٍ كهذا؟”
أغلقتُ النافذة بحذر، ورحتُ أدلك ذراعيّ من البرد بينما أهبط نحو الطابق السفلي. وبسبب الصقيع، كان نَفَسي يخرج كبخارٍ أبيض مع كل شهيق وزفير.
اصطفت على الجدار الجانبي للدرج صورٌ شخصيةٌ لا تُحصى، خمنتُ أنها لأفراد عائلة “كروتشيت”. وبلا وعي، مررتُ يدي على أحد الإطارات، ولدهشتي لم أجد ذرة غبارٍ واحدة، رغم أنني لم ألحظ أي أثرٍ للخدم في المكان.
“أين ذهب الجميع باستثناء سيرين؟”
من غير المنطقي أن يعيش سيرين وحده في هذا القصر الشاسع.
لم يكن الخدم وحدهم المتوارين عن الأنظار، بل لم أرَ أي فردٍ من عائلته قط. أتذكر أنني قرأتُ في وصف اللعبة شيئاً عن صراعٍ يومي بينه وبين زوجة أبيه الدوقة، التي ليست أمه الحقيقية.
ربما لم أرهم لأنني كنتُ حبيسة الغرفة، لكن الأمر ساورني بالقلق. هل يُعقل أن سيرين قد أبادهم جميعًا؟
نفضتُ تلك الأفكار المشؤومة عن رأسي وتابعتُ الهبوط. وبمجرد أن وطئت قدماي الدرجة الأخيرة، أضيئت مصابيح الجدران دفعةً واحدة، لتغمر الممر بنورٍ ساطع.
“……!”
وقبل أن أستوعب المفاجأة، دوى صدى وقع أقدامٍ تركض بلهفة. وسرعان ما توقف الصوت، لتنطبق يدٌ كبيرة مبللة على فمي وأنفي وتكتم أنفاسي.
“اممم…!”
سُحب جسدي بقوة، وشعرتُ بملمسٍ بارد ورطب خلف ظهري وأنا أُجرّ نحو الظلام.
‘مَن هذا؟ هل هو سيرين؟’
بدأ قلبي يقرع بجنون، لكن الرائحة التي انبعثت لم تكن رائحة “أكوا” المنعشة التي تميز سيرين، بل كانت رائحة خشب السرو الخفيفة الممزوجة بعبير الحمضيات، وكأنني في غابةٍ وارفة. ثم ترنم في أذني صوتٌ حازم لكنه ناعم ورخيم:
«اششش. ابقي هادئة.»
«……!»
«إذا تحركتِ، فقد يُكشف أمرنا، يا راشيل.»
حينها فقط أدركتُ هوية هذا الشخص. إنه صديق طفولتي القديم، “أدينهار سيفيرتا”؛ الشخص الذي كنتُ أبحث عنه جاهدةً، والمنوط بي إنقاذ حياته مهما كلف الأمر.
رفعتُ رأسي ببطء، فخفض نظره ليتطلع إليّ. وتحت ضوء القمر المتسلل إلى الغرفة، بدت ملامحه واضحة؛ شعرٌ ذهبي متلألئ، وعينان أرجوانيتان تشبهان أزهار “ستاتيس”، وأنفٌ حاد يتناغم مع شفتين حمراوين. كان وسيمًا بملامح توحي بالاستقامة والطيبة.
«كنتُ قلقًا للغاية عليكِ، أنا سعيدٌ لأنكِ بخير، يا راشيل.»
قالها وهو يبتسم برقة:
«لقد اشتقتُ إليكِ حقًا.»
أرخى أصابعه عن فمي تدريجيًا، فالتفتُ حولي بسرعة وقلتُ بصوتٍ خفيض:
“لماذا دخلتَ إلى هنا بحق السماء؟”
“سمعتُ أن دوق كروتشيت قد اختطفكِ، لذا…”
“حتى لو كان الأمر كذلك، كيف تأتي للبحث عني بمفردك وبكل هذا التهور؟”
بدا أن أدينهار لم يتوقع توبيخي، فاتسعت عيناه ذهولاً ثم ضحك بإحراج:
“خفتُ أن يصيبكِ مكروه.. حتى الدوق فامينيون كان قلقًا للغاية.”
تردد قليلاً قبل أن يضيف بنبرةٍ يملؤها الوجل:
“…… إنه دوق كروتشيت الذي تتحدث عنه الشائعات، أليس كذلك؟”
لقد جاء إلى هنا بلا أي استعداد وهو يعلم خطورة الرجل. تنهدتُ بعمق وأنا أنظر إلى سذاجته.
أيعلم كم مرةً رأيتُ فيها رأسه مقطوعًا؟ هززتُ رأسي بقوة لأطرد تلك الصور المروعة، وقلتُ له محذرة:
“أولًا، أنا ممتنةٌ لأنك جئت لإنقاذي. لكنني أريدك أن تعود فورًا.”
“ماذا؟”
“بالطبع، لا يمكنني الذهاب معك؛ فهناك أمرٌ يجب عليّ إنجازه هنا.”
“ولكن……”
بدا أدينهار مرتبكًا ومتلعثمًا.
“ما الخطب؟”
سألتُه مستغربةً رد فعله، فابتسم بارتباك وقال:
“الحقيقة هي.. منذ أن دخلتُ هذا القصر، اختفى المخرج تمامًا…”
“…… ماذا؟”
أي هراءٍ هذا؟ ساد صمتٌ طويل بيننا. وعندما رمقتُه بنظرةٍ مرتابة، لوح بيده نافيًا وراح يبرر:
“أقسم لكِ أنني صادق يا راشيل! حاولتُ استكشاف القصر مسبقًا لأتمكن من إخراجكِ، ولكن.. بمجرد أن وطئت قدماي داخل هذا القصر، اختفى الباب من أمام عينيّ، ووجدتُ نفسي واقفًا وحيدًا في غرفةٍ لا أعرفها.”
آه، لقد فهمت. يبدو أن هذا القصر الملعون يفعل فخًا يمنع الخروج منه بالطرق العادية بمجرد الدخول إليه؛ بكلماتٍ أخرى، يتحول إلى متاهة.
على الأرجح، الشخص الوحيد القادر على العثور على المخرج هو سيد القصر، سيرين. ويبدو أن أدينهار، الذي قُدّر له أن يكون ضحيةً تدفعني للتقدم في اللعبة، لن يتمكن من مغادرة القصر أبدًا دون مساعدتي.
“هاهاها……”
سحقًا! كدتُ أتلفظ بسُبّة لكنني كتمتها، بينما ارتجفت شفتي لاإراديًا. وعندما لاحظ أدينهار رد فعلي الغريب، سألني بنبرةٍ بائسة:
“هل.. هل ارتكبتُ خطأً ما؟”
حدق بي أدينهار كجروٍ ضال. ورؤيتي له بهذه البراءة جعلتني أشعر بضيقٍ أكبر في صدري.
‘ماذا أفعل بهذا الفتى؟ رؤيتك وأنت لا تدري مصيرك وتريد إنقاذي فحسب، تجعل مسؤوليتي تجاهك أثقل.’
في تلك اللحظة، سمعتُ صوت صفيرٍ يترنم بلحنٍ مألوف؛ كان لحن أغنية “الغميضة”. تجمد جسدي فور سماع تلك النغمات الواضحة التي استحضرت في ذهني كلمات: «اختبئ جيدًا.. لئلا يظهر شعرك».
ثم دوى وقع خطوات شخصٍ ما في الممر الهادئ. وبفطرتي، أدركتُ أن صاحب الخطوات هو سيرين.
إذا كُشف أمري وأنا مع أدينهار، فستكون النهاية. وضعتُ إصبعي على فمي إشارةً لأدينهار بالصمت، ورحتُ أجول بعينيّ بحثًا عن مخبأٍ له. وفي تلك الأثناء، تكرر صوت فتح الأبواب “صررر” ثم إغلاقها بقوة “طاخ!”.
حرك أدينهار شفتيه بصمتٍ قائلاً:
“ماذا نفعل؟ سيكتشف أمرنا بهذا المعدل.”
كان يضع مسدسًا في حزامه، وحاول مد يده إليه كاستعدادٍ أخير، لكنني منعته. ففي كل مرةٍ كنتُ أفشل فيها، كان أدينهار يلقى حتفه أيضًا.
وهذا يعني أن قوة أدينهار لن تجدي نفعًا أمام سيرين؛ فلا فائدة من استفزازه. في تلك اللحظة، لمحتُ خزانةً قديمة، فأشرتُ بذقني لأدينهار كي يدخل إليها.
لكن أدينهار هز رأسه رفضًا، وقال بتحريك شفتيه إنه لا يمكنه تركي. وفي غضون ذلك، كانت خطوات سيرين تقترب أكثر فأكثر من هذه الغرفة.
قرصتُ أدينهار في جنبه، وأشرتُ له بحدةٍ أن يفعل ما أُمر به. ومع ذلك، استمر في عناده. شعرتُ بضيقٍ وكأن صدري سينفجر من إصراره، لكن الغضب هنا كان سيعجل بانكشافنا.
“راشيل.. اممم!”
وعندما حاول التحدث، كتمتُ فمه بسرعة، ورجوتُه بنبرةٍ حازمة من بين أسنانٍ مطبقة:
“لن أموت. لذا، أرجوك، استمع إليّ هذه المرة فقط.”
حينها فقط، دخل الخزانة على مضض. وبمجرد أن تنفستُ الصعداء…
طاخ!
سقط باب الغرفة محطمًا بصوتٍ مدوٍ. وظهر سيرين وعيناه قد تحولتا إلى اللون الأحمر القاني.
همس وعلى وجهه تلك الابتسامة الغريبة التي تميزه:
«ماذا كنتِ تفعلين هنا، يا راشيل؟»
ثم لحس بلسانه نصل السيف الذي يحمله. تصبب العرق من يديّ لرؤية ذلك المشهد، لكنني تظاهرتُ بالهدوء وأجبتُ بابتسامةٍ مصطنعة:
“كنتُ أتجول لاستكشاف القصر.”
‘هل ارتجف صوتي؟’
لم يقل شيئاً واكتفى بالضحك، ثم فجأة تلاشت الابتسامة عن وجهه وقال ببرودٍ قاتل:
«لكنني سمعتُ صوتاً آخر غير صوتكِ؟»
“…… لابد أنك واهم……”
«أين خبأتِهِ؟»
“……!”
«هل أبحث عنه بنفسي؟»
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 4"