لا أدري أكان يمزح أم يتحدث بجدية؛ لذا رحتُ أحاول جاهدةً سبر أغوار نواياه. لمعت عيناه ببريقٍ غريب وهو يحدق بي، وعندما ابتلعتُ ريقي مرة أخرى، انطلقت من بين ثناياه ضحكةٌ صافية.
“هاهاها. إنها مزحة يا راشيل.”
“…!”
“من المستحيل أن أؤذيكِ، أليس كذلك؟”
ثم حرر “سيرين” جسدي، وحينها فقط شعرتُ أن أنفاسي قد عادت لمجراها. في تلك اللحظة، وبينما كانت ابتسامة عميقة ترتسم على وجهه، قطب حاجبيه قليلاً وكأنه استشعر شيئاً ما، ثم تمتم:
“يا للأسف. يبدو أن عليّ الخروج لبرهة؛ أظن أن دخيلاً قد اقتحم القصر.”
داعب شعري بحنوٍّ وهو يضيف:
“سأتعامل معه وأعود فوراً، هل تنتظرينني قليلاً؟”
“أوه.. حسناً، اذهب.”
لقد تغير الأمر حقاً. شعرتُ بلطفه يغلف كلماته على غير العادة. وبمجرد سماع ردّي، غادر سيرين الغرفة. ومع ذلك، لم يطمئن قلبي؛ بل ألصقتُ جسدي بالباب وأرهفتُ السمع. سمعتُ صدى خطواته، توقفت عند نقطة معينة لبرهة—ربما ليتأكد من سكوني—وعندما لم يلحظ مني أي حركة، استأنف سيره حتى تلاشت الخطوات تدريجياً.
“أوف.. كدتُ أموت رعباً.”
لم أستطع مسح صدري بارتياح إلا بعد أن تأكدتُ من ابتعاده تماماً.
“عليّ أن أكون يقظة.”
بيد أن اللعبة الحقيقية قد بدأت للتو. فبقائي هنا انتظاراً لعودته لن يقودني إلا لموتٍ محتم، لكنني في الوقت ذاته شعرتُ أن خروجي من الباب قد يجعله يظهر أمامي في أي لحظة.
أجلتُ نظري في أرجاء الغرفة؛ نافذة صغيرة، خزانة كتب مكدسة، وسرير متهالك. تساءلتُ إن كان هذا مكاناً يصلح لعيش البشر أم أنه مجرد زنزانة. رحلتُ في تفكيرٍ عميق وأنا أتحسس ذقني.
“لو كان الأمر بيدي، لهربتُ وحدي فوراً. لكن إذا مات ‘أدينهار’، فلن تتقدم اللعبة أبداً.”
لذا، بدا لي أن الهروب التام من قبضة سيرين الآن هو ضربٌ من المحال.
“لكنه، بأعجوبة، لم يقيدني هذه المرة؟”
في المرات السابقة، كان يغادر الغرفة دائماً وأنا موثقة الأغلال. هل يعني هذا أن تحركي الآن مسموح؟
“همم.. يبدو أن سيرين ينقلب وحشاً فقط عندما أحاول الهرب؟ ربما فكّ قيودي لأنه واثقٌ تماماً بأنني لن أفعل.”
إذاً، لِمَ التحرك بريبة وتخفٍ؟
فتحتُ باب الغرفة بكل جرأة. ولكن، وعلى عكس شجاعتي الظاهرة، أغمضتُ عينيّ بشدة بمجرد فتحه، خشية أن يظهر سيرين حاملاً نصله ليسألني عن سبب خروجي ويطعنني. كاد قلبي أن ينفجر من فرط التوتر.
لحسن الحظ، لم أسمع صوتاً. فتحتُ عينيّ بحذر، فلم أجد أحداً. يبدو أن أفعالي الأخيرة قد غيرت مجرى الأحداث بالفعل.
وفي تلك اللحظة، سمعتُ صوتاً يشبه “تشو تشو.. طاخ طاخ”، كصوت قطارٍ يسير على قضبانه. فركتُ عينيّ، لكن لم يكن هناك أي قطار حقيقي. ومع اعتياد عينيّ على الظلام، بدأتُ ألمح مسار قطار لعبة، وقطاراً صغيراً يقترب عبر هذا المسار. لم يكن مجرد مجسم، فقد كان الدخان ينبعث منه حقاً!
انحنيتُ لأتفحصه عن قرب، فتوقف القطار أمامي بدقة. انفتح الباب، وخرج منه رجل نبيل يرتدي حلة سوداء. لم يكن مجرد دمية، فقد كانت حركاته حيوية وكأنه إنسان حقيقي.
هل هو قزم؟
وبينما كنتُ غارقة في تساؤلاتي، انحنى النبيل الصغير أمامي باحترامٍ شديد مؤدياً التحية. كان يرتدي قناعاً ذهبياً يغطي نصف وجهه.
“تحياتي، يا آنسة راشيل فامينيون.”
تابع حديثه بهدوء وهو يبتسم بضعف:
“أنا الـ NPC ‘فانتوم’، وسأقوم بمساعدتكِ في دفع مجريات اللعبة من الآن فصاعداً.”
“آه…”
لا عجب أنني شعرتُ بألفةٍ مريبة تجاهه، فحتى اسمه “فانتوم”.
“أولاً، أهنئكِ على تجاوز المرحلة الأولى.”
لم أشعر بذرة من السعادة لتهنئته. أين كان عندما كنتُ في أمسّ الحاجة إليه؟ ظهورُه المفاجئ الآن كـ NPC بعد أن تجاوزتُ الخطر بشق الأنفس بدا لي تصرفاً انتهازياً. لو كان ينوي مساعدتي حقاً، لظهر قبل أن أواجه الموت الشنيع على يد سيرين! انطلقت مني ضحكة جوفاء، ثم قلتُ بنبرةٍ مخنوقة يملؤها الغضب:
“لا يهم! بما أنك NPC، أخرجني من هنا حالاً.”
“هذا غير ممكن.”
ألم يكن رده سريعاً أكثر من اللازم؟
رفضٌ قاطع دون أدنى تفكير. لكنني كنتُ أتوق للخروج من هذه اللعبة المجنونة. في تلك اللحظة، مرّت حوادث موتي الثلاثة أمام عينيّ كشريط ذكرياتٍ عابر.
“لماذا غير ممكن؟! لم تكن لدي رغبة في لعب هذه اللعبة منذ البداية!”
نظر إليّ فانتوم بأسى وقال:
“بما أنكِ بدأتِ اللعبة بالفعل، فلا يمكنكِ العودة حتى تصلي إلى النهاية.”
“أخبرتُك! أنا لم أبدأ هذه اللعبة!”
“ولكنكِ هنا بالفعل، أليس كذلك؟”
“…!”
“مبارك لكِ! أنتِ الشخص المختار.”
كدتُ أن أمسك بتلابيب ذلك القزم الصغير. كان فانتوم يصفق بحرارة ووجهه يخلو من أي تعبير حقيقي.
‘كيف يمكنه التحدث ببرودٍ هكذا؟ وفوق ذلك، هذا الـ NPC لا يفقه لغة التفاهم أبداً؟’
رغم فوضى أفكاري، رحتُ أسأل بهدوء عما يريبني. فبما أنه لا ينوي إخراجي، كان من الحكمة الحصول على أكبر قدر من التلميحات.
“سمعتُ أنني إذا مِتُّ سبع مرات أخرى، سأُحبس في هذه اللعبة. ماذا يعني ذلك؟”
“أوه، لا يعني الكثير. ببساطة، إذا واجهتِ الموت عشر مرات، سيلحظ السيد سيرين أنكِ تقومين بلفّ عقارب الوقت. وحينها، ستتحولين إلى جثة تزين هذا القصر، تماماً مثل العديد من اللاعبين الذين فشلوا في الوصول للنهاية.”
بمجرد انتهاء كلامه، أضاء الرواق لبرهة. كانت الزينة المصطفة في الرواق ليست لوحاتٍ فنية، بل جثثاً متجمدة معلقة على أوتاد. شعرتُ بقشعريرة تسري في عمودِي الفقري.
“هـ.. هل كل هؤلاء كانوا لاعبين؟”
“بالضبط. بشرٌ جاؤوا إلى هنا لمحاولة إخضاع السيد سيرين.”
ألجمتني الصدمة أمام ذلك المشهد المروع. تابع فانتوم شرحه بلطفٍ مبالغ فيه:
“سيبقون أصدقاء للسيد سيرين إلى الأبد. وبما أن هناك الكثير من الأصدقاء هنا، فلا داعي للقلق يا آنسة راشيل؛ لن تشعري بالوحدة إذا فشلتِ في المهمة.”
سحقاً له من وغد. شعرتُ بدوارٍ شديد، فأمسكتُ برأسي الذي يكاد ينفجر وسألتُ:
“إذاً، كيف ستخرجني؟ هل يكفي الخروج من هذا القصر؟”
“نعم، هذا صحيح.”
عند سماع رده، لم يعد يهمني ‘أدينهار’ أو غيره؛ أردتُ الخروج فوراً. لكن فانتوم، وكأنه قرأ أفكاري، قال بلسانٍ لاذع:
“للمعلومية، إذا فشلتِ في إنقاذ السيد أدينهار، فستطاردكِ روحه الشريرة بعد هروبكِ من القصر. فهذا المسكين قد واجه ذلك المصير المأساوي لأنه جاء لإنقاذكِ بحماقة.”
مهلاً، هذا الشيء.. يبدو أن أسلوبه في الكلام أصبح وقحاً بشكل مريب.
لكن، وسرعان ما عاد فانتوم يبتسم بوضوح ويقول:
“السيد سيرين شخصٌ وحيدٌ جداً. أتمنى أن تتمكني من تهدئة قلبه. إذا حدث ذلك، فستنالين سعادةً لا تضاهى.”
“وما هي هذه السعادة؟”
سألتُ بلامبالاة، فأجاب فانتوم وكأنه يتعجب من جهلي:
“أن تصبحي عروس سيرين السعيدة!”
“وعندما يحدث ذلك، سأتمكن من تسجيل الخروج تماماً من اللعبة لأنني حققتُ النهاية السعيدة، صح؟”
بدا أن كلامي قد أزعجه، فاعتصر وجهه بعبوسٍ شديد.
“يا لكِ من بشرية قاسية! ألا يجب أن تعيشي معه حياة سعيدة وتنجبي منه أطفالاً؟”
أمسكتُ بفانتوم على الفور، فقد استقر جسده الصغير في قبضة يدي تماماً.
“أتمزح معي؟ أخبرتني أنني سأخرج بمجرد رؤية النهاية! والآن تقول ماذا؟ أن أعيش هنا مع ذلك المجنون للأبد؟ تباً، أنت لا تعني ذلك، أليس كذلك؟”
شددتُ قبضتي عليه، فامتقع لون فانتوم وراح يتخبط محاولاً الإفلات وهو يصرخ بذعر:
“إذ.. إذا قتلتِني، فلن تخرجي من اللعبة أبداً!”
نظرتُ إليه بريبة، لكن لم يكن أمامي خيار سوى إرخاء قبضتي. ولكن ما هذا الشعور المزعج الذي يراودني؟
وحين استعاد أنفاسه، راح يسعل ويتحسس عنقه وهو يتمتم بتذمر:
“يا لها من شخصية فظة.”
“لأن حياتي على المحك، بينما أنت تستمر في إلقاء نكاتٍ سخيفة.”
“احم، على أية حال، إذا أردتِ الخروج من القصر فعليكِ العثور على المفتاح. ولأجل ذلك، يجب عليكِ إيجاد 6 ‘أحجار قمر’ (Moonstones) مخبأة في أرجاء المنزل، وجمع الحروف المكتوبة عليها. فموقع المفتاح مدونٌ على تلك الأحجار.”
كنتُ أعلم أن الأمر لن يكون سهلاً، لكنني شعرتُ بالإنهاك من الآن.
‘بكلماتٍ أخرى، عليّ سرقة 6 أحجار قمر.’
أومأ فانتوم برأسه وكأنه قرأ أفكاري، ثم فرقع أصابعه مكملاً شرحه:
“بالضبط، عليكِ سرقة الأحجار الستة. لكن، من الأفضل أن تحذري كي لا يمسك بكِ السيد سيرين. فكما تعلمين، إذا ماتت الآنسة راشيل، فستبدأين من البداية.”
“…”
“وللعلم، إذا حدث ذلك، فستُحذف الأحجار التي جمعتِها وسيتغير موقعها. تذكري جيداً، كلما قلّت فرص حياتكِ، زادت صعوبة اللعبة.”
لم أتمالك نفسي من التلفظ بسُبّة. لقد تلاشت آمالي في النجاة. هل يمكنني العيش حقاً في ظل هذه الظروف؟ شعرتُ فجأة أن مستقبلي بأن أكون مجرد جثة معلقة في هذا الرواق قد اقترب جداً.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"