شعرتُ برغبةٍ عارمة في القيء. لقد عُدتُ مجددًا إلى نقطة الصفر، إلى البداية ذاتها. أن أموتَ مرةً أخرى بهذه الطريقة… انطلقت مني ضحكةٌ يملؤها العجز والذهول.
«ماذا؟ إذا مِتُّ سبع مرات أخرى فسأُحبسُ داخل هذه اللعبة؟»
تباً لذلك المطوّر اللعين، ألا يملك ذرة من ضمير؟ كان الأجدر به أن يجعل مستوى الصعوبة أهون قليلاً. ما هذا الهراء؟
لقد كان ذكاء “سيرين” المبرمج مبالغاً فيه بشكل يبعث على الجنون. مَن كان يتخيل أنه سينتظر في سكونٍ تام، كاتماً أنفاسه، ليتحقق من خروجي؟ تنهدتُ بأسى على حالي المزرية، فأنا بحاجةٍ لأن أكون أكثر دهاءً منه.
أنا مجرد إنسانة عادية؛ لستُ بذكاءٍ خارق، ولا أمتلك مهاراتٍ استثنائية في الألعاب، ولا حتى براعة في المكر والدهاء. لذا، فإن هذا الوضع بالنسبة لي ليس سوى جحيمٍ مطلق.
بدأت رحلة تجسدي في هذه اللعبة في ذلك اليوم الذي فتح فيه شقيقي الأصغر -صانع محتوى ألعاب الرعب- بثاً مباشراً. وكما هو متوقع من لعبةٍ ذاع صيتها بصعوبتها “الجهنمية”، عجز أخي عن تجاوز حتى مراحلها الأولى، فانتهى به الأمر بإغلاق البث غاضباً، وخرج لاحتساء الشراب مع أصدقائه لتهدئة أعصابه.
في ذلك الوقت، كان والداي خارج المنزل في اجتماعٍ لزملاء الدراسة، فبقيت وحدي أتسكع على سريري، منغمسةً في قراءة رواية خيالية رومانسية شهيرة. كانت الساعة تشير تماماً إلى منتصف الليل.
حينها، انبعث صوتٌ من غرفة أخي. ظننتُ طبيعياً أنه قد عاد، فلم أعر الأمر اهتماماً. لكن صوت الباب وهو يُفتح ويُغلق تكرر مراراً، وكأن أحداً يبحث عن شيءٍ ما.
استمر الضجيج حتى عجزتُ عن التركيز في روايتي. تملكني الغضب، فنهضتُ لأوبخ أخي وأطلب منه الكف عن المزاح، لكنني حين فتحتُ الباب، كان الرواق غارقاً في الظلام وكأن أحداً لم يطأه قط.
بيد أن باب غرفة أخي كان موارباً قليلاً. حسبتُ حينها أنه مجرد مقلبٍ منه، فدفعتُ الباب… وفجأة، اشتعلت شاشة حاسوبه المطفأة بوهجٍ ساطع.
ظهر عنوان اللعبة على الشاشة؛ في الخلفية كرسي فارغ بحبالٍ مفكوكة، وقبوٌ غارقٌ بالدماء. كانت لعبة الرعب «هلوسة المطارد (Hallucination of Tracker)» التي كان أخي يلعبها منذ قليل.
“ماذا؟ ألم يغلق الحاسوب قبل رحيله؟ تباً، لقد أفزعني!”
مددتُ يدي إلى الفأرة ونقرتُ على زر الإغلاق. لكن شيئاً مريباً حدث؛ فبرغم أن النقرة كانت واضحة، إلا أن اللعبة لم تُغلق.
“ما الخطب؟ هل تعطل النظام؟ المنظر على الشاشة يثير الرعب، لماذا لم يغلق هذا الأحمق الجهاز بشكل صحيح؟”
تملكني الخوف، فحاولتُ إطفاء الشاشة من زر الطاقة بدلاً من إغلاق اللعبة، ولكن…
“ما.. ما هذا؟ لماذا لا ينطفئ؟”
مهما ضغطتُ على الزر، ظلت الشاشة صامدة. وفي تلك اللحظة، تحرك مؤشر الفأرة من تلقاء نفسه، ونقر على زر “بدء اللعبة”.
رتعش جسدي بالكامل من شدة الذعر. صرتُ أطرق الشاشة بجنون، وضغطتُ على زر التشغيل في الهيكل الرئيسي للحاسوب لإجباره على الانطفاء، لكن دون جدوى. وفجأة، تسللت إلى أذني موسيقى خلفية هادئة وجنائزية. سيطر ذلك الصوت المثير للتوتر على أرجاء الغرفة، فشعرتُ وكأن قلبي سيتوقف.
كان الخوف من بقائي وحيدة في هذه الغرفة، حيث شعاع الضوء الوحيد ينبعث من الشاشة، ينهش روحي. نهضتُ بسرعة لأشعل أنوار الغرفة، لكن المصباح لم يضيء وكأن كهرباءه قد قُطعت. حينها فقط أدركتُ أن الأمور تأخذ منحىً غريباً، وحاولتُ الخروج من الغرفة ولكن…
طاخ!
أُغلق الباب بقوةٍ هائلة وكأنه كان يتوقع حركتي. حاولتُ فتحه بكل ما أوتيتُ من قوة، لكنه كان موصداً وكأن قفلاً غير مرئي يحكمه. وفي تلك اللحظة، رنّ في أذني صوتُ ضحكةٍ شنيعة، تبعها صوتٌ رخيم وناعم مشبعٌ بالرطوبة:
«راشيل.. كيف سمحتِ لنفسكِ بأن تُقبضي بهذه السرعة؟ لقد أخبرتكِ أن تختبئي جيداً.»
“هيك..!”
عجزتُ عن التنفس من شدة برودة ذلك الصوت. وبينما كنتُ أرتجف رعباً، عاد صوته يتردد من جديد:
«ارتجافكِ هذا لن يشفع لكِ. أنا المنتصر في هذه اللعبة. والآن.. في اللعبة القادمة، أنتِ “المطاردة”.»
مـ.. ماذا؟ مستحيل أن يكون هذا الكلام موجهاً لي، أليس كذلك؟
«سأنتظركِ.. لتجدييني.»
شعرتُ وكأن أحداً يراقبني. أدركتُ أن بقائي في هذه الغرفة سيعرضني لخطرٍ محدق، فأخذتُ أدير مقبض الباب بجنون محاولةً النجاة.
«عندما أعدُّ للثلاثة، سنبدأ من جديد.»
استمر صوته في التردد، وكلما ازدادت مقاومتي، بدا صوته أقرب فأقرب.
«أغمضي عينيكِ، سُدّي أذنيكِ، وأطبقي فمكِ.. قبل أن أسمع أنفاسكِ.»
ثم رنّ صوتُ “بيب، بيب، بيب” ثلاث مرات، تماماً كصوت جهاز تخطيط القلب حين يعلن الخطر. وفجأة، تلطخت رؤيتي باللون الأحمر القاني، واقتحمت أنفي رائحة دمٍ نفاذة. عجزتُ حتى عن الصراخ، وسقطتُ مغشياً عليّ في مكاني دون حراك.
عندما استعدتُ وعيي، وجدتُ نفسي داخل عالم هذه اللعبة. ومنذ ذلك الحين، حاولتُ بكل السبل الهروب من هنا، وكانت النتيجة هي موتي ثلاث مرات.
خيم الظلام الدامس مرةً أخرى.
دق، دق، دق— رنّت أجراس برج الساعة.
بتُّ الآن أحصي الأرقام في قلبي بآليةٍ معهودة، وتزامناً مع ذلك، سمعتُ وقع خطواتٍ تقترب مني شيئاً فشيئاً.
«لا يمكنني الانتظار أكثر من ذلك.»
إذا مِتُّ سبع مرات أخرى، سأُحبس في هذا العالم للأبد. صراحةً، لا يزال الأمر يبدو كالحلم، فوجودي هنا أصلاً يتنافى مع العقل والمنطق، لكنني لا أجرؤ حتى على تخيل ما سيحدث لو خُرق ذلك التحذير.
أن تُحبس للأبد في عالم لعبة رعب.. أيُّ رعبٍ يفوق ذلك؟ لو كان تصنيف اللعبة مختلفاً، لما كنتُ كافحتُ للهروب بهذا الشكل، وربما كنتُ استمتعتُ بالأمر. لا أدري إن كان ذلك التهديد حقيقياً أم زيفاً، لكنني أردتُ العيش بسلام. لم أطمح يوماً للثراء أو الجاه، بل أردتُ فقط حياةً عادية كبقية البشر.
ولأجل ذلك، كان عليّ الهروب من هذه اللعبة مهما كلف الثمن. بما أنني أملك سبع أرواحٍ متبقية، فقد حان الوقت لإعمال عقلي من أجل دفع القصة للأمام.
ذلك اللعين “سيرين” يثور كلما حاولتُ الهروب، فماذا لو فعلتُ العكس تماماً؟
بمجرد أن خطرت لي الفكرة، فككتُ الحبال المرتخية. وقبل أن يفتح الباب ويدخل، نزعتُ بنفسي الغمامة عن عيني والكمامة عن فمي. ثم ركضتُ نحو الباب وانتظرتُ لحظة فتحه.
تكة— سمعتُ صوت دوران المقبض، وفي اللحظة التي خطى فيها داخل الغرفة، لففتُ ذراعيّ حول عنقه وعانقتُه بجنونٍ مدروس.
“صباح الخير! سيرين!”
ولم أنسَ أن أرفع قدمي عن الأرض لألقي بكامل ثقلي عليه. أيها الحثالة اللعين، هذا انتقامي لموتي على يدك ثلاث مرات.
“…!”
ارتبك “سيرين” وجفل من المفاجأة. أطلقتُ ضحكةً رنانة، وقمتُ بعضّ شحمة أذنه.
“سيرين، لقد اشتقتُ إليك!”
“را.. راشيل.”
عندما كان يقتلني، كان يتصرف كالمجنون، لكن عندما بادرتُه بهذا الهجوم العاطفي، توردت وجنتاه ببراءة.
“أردتُ أن أفاجئك، لماذا تأخرتَ هكذا؟ ألم تشتق إلي لي؟”
“ليس الأمر كذلك..”
“آه، هل وجدتَ دميةً أكثر متعةً مني؟”
برد صوتي وأنا أطرح السؤال، تماماً كما كان يفعل هو. بدا على “سيرين” ارتباكٌ نادر، لكنه سرعان ما استعاد هدوءه وابتسم بكسل وهو يصحح سوء فهمي.
“ليس لي سواكِ، راشيل.”
ثم همس وهو يداعب خصلات شعري بنعومة:
“أنتِ تعلمين، أليس كذلك؟ لا أحد يملك القدرة على إفقادي صوابي غيركِ.”
بالتأكيد، لم يكن خصماً يستهان به. ساد بيننا جوٌّ مشحونٌ بالتوتر كأننا في مباراة لشد الحبل. لم أرغب في إظهار توتري، لكن هالته كانت تحرق أعصابي. وفي اللحظة التي ابتلعتُ فيها ريقي لاإرادياً، تقوست عيناه القرمزيتان الغامضتان كألوان الباستيل بجمالٍ أخاذ، ثم…
“آه..!”
دفعني نحو الجدار في لمح البصر. وقبل أن أتمكن من المقاومة، وجدتُ نفسي محاصرةً تماماً بين ذراعيه. اقترب مني حتى كادت أنفاسنا تمتزج، وهمس وكأنه على وشك تقبيلي:
“أخبريني، راشيل.”
“… همم؟”
“لماذا ينبض قلبكِ بهذه السرعة منذ قليل؟”
“…!”
“وكأنكِ.. تكذبين عليّ.”
تلاشت الابتسامة عن شفتيه تدريجياً، وفي تلك اللحظة تجمد جسدي تماماً. وبينما كنتُ أراقب عينيه بقلق، دفن وجهه فجأة في عنقي. شعرتُ بملمس لسانه الرطب وهو يلامس بشرتي بوضوح.
عجزتُ عن التنفس، وتسارعت نبضات قلبي أكثر، فتشبثتُ بطرف ثيابه بقوة. في تلك اللحظة، انتشر ألمٌ لاذع في جسدي، وارتخت قوى ساقي تماماً.
“آه..!”
كان ذلك لأن “سيرين” قد عضّ عنقي. وبينما كان ينهش لحمي الحيّ بأسنانه، اغرورقت عيناي بالدموع من شدة الألم. لم يكن أمامي سوى إطلاق أناتٍ متلاحقة بعجز؛ فلو حاولتُ دفعه، لشعرتُ أنه سيقتلني مرة أخرى.
هذا اللعين… ما حقيقته؟ هل هو مصاص دماء؟ لم أتخيل قط أنني سأصل لمرحلةٍ يمتص فيها دمي وهو ينهش عنقي.
وبينما كانت الأفكار تتصارع في رأسي، همس “سيرين” بصوتٍ أكثر انخفاضاً وبللاً:
“ستُعاقبين.”
“…!”
“إن تجرأتِ يوماً على التفكير في الهروب مني.”
يبدو أن مجرد التفكير في الأمر محرمٌ عليه. ذُهلتُ من شدة دقته ومراقبته، وشعرتُ وكأن عقلي قد أصبح صفحةً بيضاء من الصدمة.
ماذا أفعل؟ هل فشلت هذه المحاولة أيضاً؟
وبينما كنتُ غارقةً في اليأس، مطبقةً شفتي بصمت، رفع “سيرين” رأسه ببطء. كانت شفتاه الملطختان بدمي تزيدانه رعباً وشراً. حينها، ابتسم مجدداً بمكرٍ وقال:
“لكن، كانت هذه المحاولة منعشةً حقاً. كدتُ أنخدعُ بكِ للحظة، راشيل.”
كلما امتلأت عيناي بالرعب، بدا هو أكثر استمتاعاً. همس وهو يشدد قبضته على فخذي:
“ترى، هل أضع علامتي الخاصة عليكِ هكذا وأنهي الأمر؟”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 2"