كانت السيدة لا تزال جميلة، كأنها تتباهى بشبابها الذي لم يغب.
“كان ينبغي أن أستقبلكِ بنفسي أولًا. لكن ترتيب القصر استغرق وقتًا أطول مما توقعت.”
“أوه، لا بأس. أنا بخيرٍ يا بنيّ.”
“هل صحتكِ أفضل الآن؟”
“بالطبع، لقد تعافيتُ تمامًا. قال كينيث أن الانتقال إلى هنا سيكون أفضل من بقائي في ذلك القصر من نواحٍ كثيرة، فجئت. أليس المكان هادئًا لكونه خارج العاصمة، كما أن المناظر جميلة؟”
هكذا تقول السيدة، لكن الحقيقة أن الجميع يعرفها.
ليس لدى الكونت الجديد سببٌ ليُبقي زوجة أبيه التي لا تربطه بها رابطة دمٍ في القصر الرئيسي. بل إن الأمر أوضح حين يكون لابنها، أخيه غير الشقيق، قصرٌ آخر ثمينٌ وعريقٌ قد مُنح له إرثًا.
أنا أعرف الكونت الجديد الذي سلّم أخاه قصرًا خاصًا كاملًا دون اعتراض. و لا أعني أنني أعرف اسمه أو أعماقه أو ماضيه الذي يرغب في إخفائه.
كان ذلك مساء أحد أيام الخريف. حينها لم يكن سوى الابن الأكبر لإرنست غوين، قبل أن يصبح كونت غوين الجديد، وقد صادفته مرة.
“….آه. إليانور تلك.”
لا أعرف اسمه حتى الآن، لكنه على الأرجح لم يكن أمرًا يستحق اهتمامه.
في ذلك الوقت كان يتولى شؤون العمل بدل أبيه العجوز، بينما كان والده يستمتع بحياته في القصر الخاص. ولذلك لم يكن دخوله هذا القصر، الذي لم يسمح إرنست غوين لأحدٍ بدخوله، أمرًا صعبًا.
لم يدخل هذا المكان إلا في ذلك اليوم، لا لأنه مستحيل، بل لأنه غير مرغوبٍ فيه.
على أي حال، في ذلك اليوم، توقف في وسط الحديقة ونظر إليّ من الأعلا. و كنتُ قد خرجت إلى الحديقة دون أن أتوقع لقاءه، فنظرتُ إليه بثباتٍ قبل أن أخفض بصري في النهاية.
وأمامي، ألقى نظرةً قصيرة نحو القصر حيث يوجد إرنست غوين، ثم تمتم.
“للأسف. حتى لو استمتعتِ بمرافقة شيخ حُدد له يوم موته، فلن تجني شيئًا.”
ما زلتُ أذكر بوضوح تلك العينين الخاليتين من أي إعجابٍ أو رغبة، وغرابتهما. كما أذكر كيف أضاف بابتسامةٍ مهذبة ونبرةٍ رسمية.
“وسيدكِ التالي لن يختلف وضعه كثيرًا.”
حين قال ذلك أدركت أخيرًا ما الذي يعنيه. شعرتُ أنني على وشك الضحك، فتجمدت ملامحي.
حاولت ألا أسخر. فهو، مثله مثل من هم خارج هذا القصر، يُطلق أحكامًا دون أن يعرف أو يحاول أن يعرف.
يبدو أنه أساء فهم تعابيري، لكن سواءً آنذاك أو الآن، لم يكن ذلك مهمًا. فحتى لو سخرت من سيدٍ لا أعرفه، فلن يهمه الأمر.
“إنه لأمرٌ مضحك. نحن نعلم أن العبودية لم تعد موجودةً في هذا العالم، لكن لو كان ما قدمه لكِ أبي مجرد رعاية، لما كُتب ذلك الاسم السخيف في السطر الأول من قائمة مقتنياته.…”
كان في عينيه ازدراءٌ لا يعرف اتجاهه، كأنه يقول أنني لا أختلف عن عبدةٍ تُباع وتُشترى. شعورٌ لا يُدرى أكان موجّهًا إلى أبيه، أم إلى تلك التي يُشاع أنه أهمل عمله من أجلها، “إليانور الجميلة”.
“….…”
“ومع ذلك، يبدو أن هناك من يرى أنكِ تستحقين غرفةً واحدة في هذا القصر، أو أكثر من ذلك….ما رأيكِ، يا سيدة مارليير؟”
نادَى إيزابيل في أثناء حديثه. لا بد أنها أظهرت من خلفي رغبةً في التحدث.
“سيدي الشاب. كما تعلم، هي…|هي ليست من النوع الذي يعرف تلك الأمور. الآنسة هي فقط….”
“آنسة….”
أعاد الكلمة على لسانه كأنه يتذوقها باستمتاع، ثم سأل،
“فقط ماذا؟ هل تضع شريطًا مخمليًا في شعرها؟”
حين سأل إن كنتُ أبيع جسدي، شهقت إيزابيل وفقدت قدرتها على الكلام. فقد قالت أتني لست عشيقة إرنست غوين، لكنها لم تستطع أن تشرح وضعي بدقة.
ذلك التلعثم والصمت من إيزابيل، التي مكثت في هذا القصر أطول من غيرها مع كبير الخدم، كانا سبب كل ما عانيته من ازدراءٍ واحتقارٍ وحيرة.
الألقاب الملتبسة، المعاملة الناقصة، والمكانة غير الواضحة.
وفي النهاية، ترك نظره الخادمة الصامتة واتجه إليّ.
“….لماذا لا تجيبين؟”
تحوّل صوته الذي كان يحمل شيئًا من الاحترام إلى نبرةٍ متعالية.
ثم فهمت سؤاله متأخرة، وأجبتُ أخيرًا.
“أنا لستُ امرأةً تتقاضى مالًا مقابل جسدها. ولم يحدث شيءٌ من هذا القبيل قط.”
اكتفيتُ بهذا النفي البسيط. فكلانا يعرف أنه لا شيء آخر يقال، ولا حاجة لقول المزيد.
“صحيح. في الحقيقة، كنتُ فقط أفتعل الذرائع لأنني لا أحب الآنسة كايل.”
ابتسم الرجل بسلاسةٍ وهو ينظر إليّ، كما لو كان يقيّم قطعةً فنية.
“وبالدقة، أنا لا أحب كل ما في هذه ‘الخزنة الخضراء’. وأظن أن الآنسة كايل ستفهم السبب. فأنا أُعدّ هواة الجمع مجانينَ حقاً.”
أضاف ذلك، مواصلًا كلامه بصوتٍ هادئ ومهذّب.
“كل ما أريده هو أن أقول أنني لم أعد أرغب في أن يكون لي أي شأنٌ بهذا القصر. لا أريد امتلاكه، والمشاحنات مع جامعٍ عجوزٍ أمرٌ ممل.”
كانت إليانور كايل التي يذكرها في حديثه غريبةً عني. ليست الثعلب الذي أغوى الكونت العجوز، ولا العاهرة التي تلوّح بتنورتها، بل إليانور كايل فقط.
إليانور الجميلة فحسب.
كأن قول إرنست غوين أن الجميع سيطمع بكِ أو يرغب في امتلاككِ ليس حقيقةً مطلقة.
“كان والدي العزيز يتوق إلى أن يسكب المزيد في هذا القصر….لكن ذلك، على الأرجح، ليس ذنب الآنسة كايل.”
قال ذلك فقط ثم ابتعد.
ولأن اعترافه بأنه “لا يريدني” كان جديدًا على نحوٍ غريب، ما زلتُ أذكر بوضوح كيف حدّقت في ظهره الذي بدا مألوفًا وغريبًا في آنٍ واحد.
لو كان هو من أصبح سيد هذا القصر، هل كنتُ سأُطرد؟ و لو لم يكن دانيال غوين هو المالك؟
كانت فكرةً لا طائل منها الآن، لكنها مع ذلك خطرت لي.
نظرة السيدة، المختلفة تمامًا عن نظرة الكونت آنذاك، كانت تجول خارج القصر بعينين متألقتين.
“يا إلهي، مضى زمنٌ طويل منذ آخر مرة جئتُ فيها. تغيّر قليلًا، لكنه ما زال جميلًا.”
“يسعدني أن تريه جميلًا بعينيكِ أيضًا، يا أمي.”
“ومن غير الأعمى يمكنه أن يرى هذا المكان غير جميل؟”
واصلت السيدة إعجابها طويلًا. وبين كلماتها، سمعتُ دانيال غوين يتمتم.
“….ما أراه جميلًا يكون جميلًا في أعين الآخرين أيضًا.”
لم يكن صوته عاليًا، ولا يبدو أنه قالها ليسمعها أحد. و لم أسمعها بقدر ما قرأتُ حركة شفتيه، ومع ذلك شعرت كأن صوته وصل واضحًا إلى أذني.
وكأن الأمر خارج عن إرادتي، أصغيتُ لما سيقوله بعد ذلك.
“لنَدخُل. الريح باردة.”
لم يتبع ذلك كلامٌ ذو شأن. ومع صوت فتح باب القصر ثم إغلاقه، أغلقتُ أنا أيضًا النافذة.
يبدو أن دانيال غوين كان يعرّف والدته على مقتنياته التي جمعها في أرجاء هذا القصر. فتذكّرتُ القطع التي أدخلها من بوابة القصر.
كيف كان يعرّفها لها؟ هل يذكر أسعارها، أصولها، مصادرها؟ أم يحدّثها عن انطباعه عنها؟
ما يحدث تحت قدمي أو فوق رأسي لا يصلني، فدرتُ في مكاني كما لو كنتُ دمية صندوقٍ موسيقي.
ثم، وقد خطر لي شيءٌ فجأة، فتحتُ باب غرفتي بحذرٍ و اتجهتُ إلى نافذة الممر المطلة على الفناء الخلفي.
و خشية أن أتعثر وأُصاب، فُرشتُ أرضية الطابق الثاني كاملًا بسجادٍ ناعم، فلا يُسمع صوت خطوات. ثم إن الحذاء المنزلي الذي أرتديه خفيفٌ وناعمٌ أصلًا.
ما إن فتحتُ نافذة الممر حتى و صلني الصوت الذي كنتُ أنتظره.
“ما زالت حديقةً رائعة….كأن هذا القصر تسكنه الجنيات.”
في هدوء ممر الطابق الثاني، استقر صوت السيدة التي خرجت إلى الفناء كأنه ضجيجٌ خافت.
“لم آتِ إلى هنا سوى مراتٍ قليلة، لكن كل ما تقع عليه العين ما زال ساحرًا وجميلًا.”
وهكذا، من تلك النافذة نفسها التي نظرتُ منها ذات ليلةٍ أترصّد دانيال غوين، كنتُ أنظر الآن إلى الفناء الخلفي.
و السيدة، وقد احمرّ خدّاها كفتاةٍ صغيرة من البرد أو من الحماس، كانت تهمهم بنغمةٍ غنائية.
ترى، بماذا تفكّر وهي تُعرَّف من جديدٍ على قصرٍ طُردت منه في الماضي، ولكن هذه المرة على يد ابنها؟
“أظنني رأيتُ جنيةً صغيرةً هنا من قبل….”
فتصلّب وجهي بسبب كلماتها وبسبب حلمٍ قبل ليالٍ قليلة.
هل تتذكر هي أيضًا حديقة ذلك اليوم كما أتذكرها أنا؟ وإن كانت تتذكرها على نحوٍ مختلف، فكيف تراها؟
“دانيال، هل رأيتَ جنيةً في هذا القصر من قبل؟ لقد رأيتُ جنيةً في هذا الفناء قديمًا.”
“لا أدري، لا أظنني رأيتُ واحدةً بعد.”
ردّ الرجل على كلام أمه بلطفٍ لا يتغير، ثم اتجه نظره نحو الجهة التي تقع فيها غرفتي قبل أن يعود. و كنتُ أبذل جهدًا كي لا أسخر من تلك النظرة.
“أتمنى أن أراها أنا أيضًا. لا بد أنها لطيفةٌ جدًا.”
“لا بد أنها جنيةٌ صغيرةٌ خجولة. بالطبع.”
وبعد أن بدت وكأنها تتجول طويلًا في أرجاء الحديقة، أجابت السيدة بهدوء.
‘هل هذه السيدة مجنونةٌ حقًا؟’
______________________
شكلها صدق جاها خرف او انجنت من اهمال زوجها؟ لأنها صدق كأنها ماتتذكر اليانور😭
وناسه يعني السيده بتسكن معهم؟ هااااهاعاعاها فعاليات
والبطل للحين مسوي الثقيل ولا جاها
ليه أحسه يبيها تتحمس لجيته؟🌝
المهم اعشق ذا الهدوء والوضع الي مايطلع من القصر
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"