حُجب العينان البنفسجيتان خلف رموشٍ بيضاء.
وكان أوضح ما في جسد المرأة وأكثره شبهًا بالإنسان هو عيناها وحدهما، لذا بدت كتمثالٍ من الجص يقلّد أجمل إنسانٍ إلى الأبد، لكنها شاحبةٌ وباردة، وسهلة التصدّع، حجرٌ ميتٌ في نهاية المطاف.
“هكذا إذاً.”
لكنها ليست تمثالًا من الجص، ولذلك فإن هذا الجمال سيفنى يومًا ما.…إلا إذا صارت واحدةً من تلك العينات أو المحنّطات أو غنائم الصيد التي علّقها مالك القصر السابق في أرجائه، والتي أُزيلت الآن.
“هل تحبّينني وأنا جميلة؟”
“أنتِ تعلمين ذلك. أنتِ آنستي.”
“إذاً، هل أنتِ واثقةٌ أن سيّدكِ الجديد سيحبّني؟”
“لا أفهم ما تقصدين.”
“لكنكِ كنتِ واثقةً أنني سأقع في حبّه.”
“…….”
“لا يوجد أحدٌ في هذا العالم لن يحبّه. حتى هو نفسه.”
دانيال غوين، الجميل الذي يحبه الجميع.
تذكّرت إيزابيل مارليير ما قالته ذات يوم، فأنزلت المشط من يدها وبدأت تجدّل الشعر الأبيض الناصع.
لن يكون هناك من تأقلم مع هذا القصر مثل إيزابيل. لا تحبّ شيئًا، ولا تجيب عن أي شيءٍ بإجابةٍ قاطعة.
‘….كنتِ هكذا منذ البداية.’
بين من لم يكن يتوقّع جوابًا، ومن لم يشعر بالحاجة إلى الإجابة، انتهى الحوار وساد الصمت، وفي أثناء ذلك بدأت خصلات الشعر التي كانت ترسم منحنياتها الخاصة تُنسج في ضفيرةٍ واحدة.
“إيزابيل.”
نادتها إليانور مجددًا، بينما تلمس إيزابيل شعرها. و لا تزال عيناها مغمضتين، وبنبرةٍ هادئة كمن يلقي قصيدة.
“سأموت وأنا جميلة.”
ما دامت جميلة فلن تغادر هذا القصر، وفي النهاية سيكون مكانها الأخير هذه الغرفة، أو في أحسن الأحوال داخل القصر.
ستموت بين أناسٍ يقولون أنهم يحبّونها.
“ستبقين جميلةً حتى لو بلغتِ الثمانين، آنستي.”
عند سماع ذلك، ضحكت ضحكةً قصيرة صغيرة، كأنها تتفتّت.
لم يكن هناك داعٍ لمواصلة الحديث، فأنهت إيزابيل مارليير الضفيرة بشريطٍ حريري.
في طرف الشريط ذي اللون البني المصفر الفاتح، كان اسم إليانور مطرّزًا. فصاحبة هذا الاسم، التي لا عمل لها في هذه الغرفة، كانت كلما سنحت لها الفرصة تطرّز، حتى لم يخرج من بين يديها شيءٌ بلا أثر.
“جرح، لقد جرحتِ نفسكِ! ماذا لو ترك أثرًا! ألم أقل لكِ أن تُبعدي هذه الأشياء عنكِ!”
كان الكونت يكره إصاباتها إلى حدّ الهوس، ومع ذلك فإن الشيء الحاد الوحيد الذي كانت تمسكه كثيرًا هو الإبرة.
ورغم أن أطراف أصابعها وخزت مراتٍ لا تُحصى، لم تترك الإبرة قط. تصرّفتٌ وكأن ما يمكنها أن تتركه وراءها هو ذلك التطريز وحده.
ولعلّ الكونت لم يمنعها خوفًا من أن تنفلت طباعها الحساسة أصلًا فتهرب من الغرفة أو تقفز، أو لعلّه حسب أن الندوب في العنق أو المعصم أسوأ، وأن جروح الأصابع أقل لفتًا للنظر وستلتئم نظيفةً في النهاية.
ثم ابتلعت إيزابيل مارليير ريقها وسألت،
“آنستي.”
ففتحت عينيها، وتوجّهت العينان البنفسجيتان في المرآة نحو إيزابيل.
“هل تنامين بسلام ليلًا هذه الأيام؟”
“ما هذا السؤال المفاجئ؟”
“كنتِ تهذين كثيرًا أثناء النوم منذ فترة|…”
فسألت إليانور كايل وهي تدير عينيها كأنها سمعت مزحةً مسلّية. و حتى ذلك كان جميلًا.
“وماذا كنتُ أقول وأنا نائمة؟”
“لا أدري، لكنكِ بدوتِ كمن يرى حلمًا مخيفًا. كأن أحدهم ينبش الحديقة الخلفية للقصر.”
“….بدوتُ وكأنني أرين حلمًا مخيفًا؟”
راحت إليانور تفرك أظافرها، كأنها تبحث عن شقّ صغير في يدٍ مصقولة لا عيب فيها. واستمرّت تلك الحركة حتى مرّت على أظافر اليدين كلتيهما.
لكنها في النهاية لم تجد شيئًا، وبقيت تنظر إلى صورتها المنعكسة في المرآة|
“إنه مجرد حلم. فالقصر آمن إلى هذا الحد. وكل من في هذا القصر يحبّني.”
وعلى وجهها ابتسامةٌ جميلة مصقولةٌ بعناية.
تتذكّر إيزابيل الفتاة التي كانت، حين ترى حلمًا مخيفًا في طفولتها، تحاول الخروج من غرفتها، تطرق الباب طوال الليل، ثم تنام منهكةً أمامه.
وبعد أن أدركت أن لا أحد سيأتي، لم تكن تبكي بصوتٍ مسموعٍ إلا حين يحلّ الصباح ويكون هناك من يسمع.
“لقد تجاوزتُ سنّ الأحلام المخيفة.”
عند سماع ذلك، حبست أنفاسها، وشدّت قليلًا بيدها خصلات الشعر التي لا تزال تمسكها. لكنها كانت بلون الجص الذي يتفتّت، أو كالفقاعات الزائلة، فلا تُمسك. تنزلق برفقَ من بين أصابعها.
و كانت تودّ أن تصدّق أن السبب هو أن إليانور كايل أدارت جسدها بعيدًا عن المرآة.
“لكن، إيزابيل.”
مال رأس إليانور الجميل قليلًا، وكان الشريط قد رُبط بارتخاء، فانحلّ وسقط بلا قوّةٍ فوق ذيل قميص النوم الأبيض.
لفّت إليانور كايل الشريط حول طرف إصبعها وسألت.
كان ذلك الموضع بالذات لا تفارقه الندوب في تلك الفترة التي كانت تطرّز فيها طوال الليل باكية، وكأنها أرادت أن تترك اسمها بأي شكل.
“…….”
“كيف سمعتِ هذياني أثناء النوم؟”
عند هذا السؤال، رأت إيزابيل مارليير طفلةً في ذلك الوجه المبتسم ابتسامةً خفيفة.
طفلةً كانت تشعر كل ليلةٍ بأن أحدهم يتجوّل أمام غرفتها، وأحيانًا يدخلها، فيتكي بصمت طوال الليل.
ثم، بعدما أدركت أن لا أحد سيأتي، لم تكن تجهش بالبكاء إلا عند الصباح، حين يكون هناك من يسمع.
رأت الفتاة التي أدركت أخيرًا أنه مهما كان الليل عميقًا فلن يوجد في هذا القصر، ولا في هذا العالم، من يأتي ليواسيها حين تستيقظ باكية، والفتاة التي تخلّت في النهاية عن شدّ حبلٍ لا يتصل بأي مكان، حتى تَسلَخت راحة يدها.
سألتها إليانور كايل، وهي تعلم أنها لن تتلقى جوابًا، مبتسمةً كأنها سمعت نكتةً مضحكة.
“هل كنتُ أتكلم بصوتٍ عالٍ في نومي إلى درجة يُسمع من الممر؟”
“….لا، فقط حين أدخل أحيانًا للتنظيف، يبدو أنكِ لا تنامين جيدًا.”
“هكذا إذاً.”
لا يمكن لإليانور كايل ألا تعرف أن جواب إيزابيل كذب، لكن عدم استجوابها لها هو ما يبعث على القلق أكثر.
وبسبب طبعها الحساس، كانت إليانور كايل تستيقظ من نومها الخفيف عند أدنى صوتٍ لفتح باب أو خطواتٍ في الممر، فتردد تحية الليل. بل وتبدو راضيةً على نحوٍ ما.
“إذًا، تصبحين على خير.”
أدارت إيزابيل ظهرها دون جواب، وقد ضاق نَفَسها.
و بقيت إليانور وحدها في الغرفة، تنظر إلى المرآة ثم خفضت بصرها. ثم ضحكت ضحكةً مكتومة، ضحكةً صغيرة تبدأ خفيفة، لكنها سرعان ما تشتد حتى تهزّ الجزء العلوي من جسدها كله.
وهي تضحك لاهثةً فكّرت.
‘نعم، إنه يهتم بي إلى هذا الحد، لكنه لا يأتي لزيارتي.’
فعضّت شفتيها. تفكّر في الرجل الذي يهمس عبر إيزابيل بأنه يحبّها، لكنه لا يأتي لرؤيتها.
هل يظن أنني سأركض نحوه إن فعل هذا؟ أن أرتجف قلقًا وأنا أعتقد أن الوحيد الذي يمكن أن يحبني هو دانيال غوين، سيد هذا القصر، وأخاف في الوقت نفسه أن يطردني؟
ربما يفكّر دانيال غوين أن كل شيء قد انتهى الآن.
تُركت الجنازة الفوضوية خلفهم، ودخل تابوت إرنست غوين إلى باطن الأرض. ودُفنت معه خطيئة أحدهم. ما لم تُنبش، فلن يعرف أحد.
‘وأنا، حتى بعد أن نفضت عني الحمى، ما زلتُ جميلة.’
“….…”
لم أستطع كبح زاويتي فمي المرتفعتين، ولا الضحكة التي تسللت. و ربما كان ذلك بسبب الصداع من بقايا الحمى التي لم تنتهِ بعد.
لا تزال خزانة الملابس مليئةً بالثياب البيضاء وحدها، وخطواتي لا تتجاوز القصر، ومكاني للعودة والعيش هو غرفتي.
الوجوه التي ألقاها، الأسماء التي لا أعرفها من الخدم، وإيزابيل، و ويسلي، وسيد القصر. أشياءُ لن تتغير، حتى لو تغيّر السيد.
خلف البوابة الأمامية المغلقة خارج النافذة، غابت الشمس. و الحديقة المحاطة بأشجار عالية غرقت في الظلام قريبًا.
لكن لننتظر و نرى. إلى متى ستظل تتردد أمام بابي دون أن تضع يدكَ على المقبض؟ إلى متى ستنتظرني أن آتي، وأنت تقول أنكَ تحبني؟
فكم من أناسٍ كثر همسوا لي بأنهم يحبونني، لأنني جميلة.
***
وبعد يومين، كان صباحٌ متأخر يعجّ على غير العادة بالضجيج.
لم أدرك إلا بعد أن نظرت إلى العربة المتوقفة أمام القصر أن الأمتعة والخدم الذين دخلوا خلال الأيام الماضية لم يكونوا جميعًا من أجل دانيال غوين وحده.
خرج دانيال غوين ويفتح باب العربة. عندها فقط، اكتسب التحديق الشارد من النافذة غاية.
“….…”
نهضتُ متعمدةً و اقتربتُ من النافذة. و اختبأتُ خلف الستارة كي لا يروني.
راقبتُ السيدة النبيلة التي نزلت من العربة، و بدّدتُ أثر اللباس الأخضر الأنيق الذي يرتديه الرجل برمشٍ سريع.
ثم فتحتُ النافذة قليلًا. و دخل الهواء البارد من النافذة التي فُتحت بلا صوت، فاهتزّ الستار. و وصل معها الحديث.
“دانيال، يا ابني.”
و السيدة التي نزلت من العربة كانت تحتضن ابنها.
______________________
اوه اشوى حسيته جايب خطيبه ولاش طلعت امه
المهم ذا الفصل وضّح ان اليانور مب طبيعيه ومحد يلومها صدق حبسه وكتمه وتقعد طبيعيه؟ مستحيل
بعدين صدق البطل طول ذا الايام رايح جاي على غرفتها؟ واو يالهوس💀
المهم ايزابيل الصدق حسيتها حنونه بس عنها ذي تدري ان اليانور كانت تصيح وهي بزر ليه ماهدتها على الاقل طيب؟ وين هرمونات الام😔
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"