بوجهٍ شاحب كوجه جثة، وبثيابٍ هي الأرقى بين الجميع، حضرت السيدة الجنازة، فبدأ الناس يتهامسون.
“يبدو أنها أحبّته فعلًا؟”
“من يدري، على الأقل أحبت مكانته. وإن لم يكن، فما الفرق؟”
في وضعٍ كهذا، بدت هي وكأنها صاحبة الجنازة.
وفي تلك اللحظة، رأى الخدم، بل على الأقل ويسلي إينِل وإيزابيل مارليير، دموعًا تنحدر من خد دانيال غوين.
فسُمع صوت أحدهم يشفط أنفاسه بلا وعي. وهمس آخر، بصوتٍ خافت لكنه كأنه موجّهٌ للجميع، أشبه بصرخةٍ مكتومة.
“يا إلهي، السيد غوين يبكي.”
وهكذا، عاد اهتمام المعزّين ليتجه نحو دانيال غوين.
كان هدف الهمس وصاحب الجنازة الحقيقي يتبدلان بسهولة، حتى في هذا الوقت القصير.
وانحدرت دمعٌ واحدة على خد الرجل الأبيض الذي صار بؤرة الأنظار. فأدرك ويسلي إينِل في تلك اللحظة أنه سيطبع سيده الجديد في ذاكرته بتلك الدمعة.
كان دانيال غوين بلا قفازين، فرفع يده الباردة التي فقدت حرارتها ليبرد بها عينيه المحمرتين. فضيّق ويسلي عينيه باحثًا في ملامحه عن أثر إرنست غوين.
ومن حوله، استمرت الأحاديث، أكثر خفوتًا، لكنها لم تنقطع.
“….ألم تكن هناك شائعاتٌ عن سوء علاقته بوالده؟ لا أرى بينهما شبهًا يُذكر.”
“ربما كانت مجرد إشاعات، فهو يبكي الآن.”
“يقال أن الكونت كان يدلل ابنه الأصغر كثيرًا.”
كان الخدم قادرين على السمع، لكن السيدة الواقفة في المقدمة على الأرجح لم تسمع. ومع ذلك، لم يستطع أحدٌ أن يتخلص من فكرة أن الرجل الواقف إلى جوارها يسمع كل شيء.
“مع ذلك، من يجهل أنه ترك أبناء زوجته الأولى وترك أمهم ورحل إلى العاصمة؟”
ثم حلّ صمتٌ قصير. فالناس يتقنون تجاهل الأحاديث غير المريحة.
“بالمناسبة، هل سمعتم بما جلبه السيد غوين هذه المرة؟ يا للعجب، إنه.…”
وتواصل الحديث عن دانيال غوين. عن مدى براعته كتاجر. وعن الكنوز النفيسة التي أدخلها إلى هذا البلد بأمواله، وما يقوم بجمعه واقتنائه. وعن قدراته المذهلة التي لم تعتمد على مكانة أبيه الاجتماعية، وكيف حقق إنجازاتٍ عظيمة رغم غياب دعم العائلة تقريبًا.
“ولهذا ورث أهم أرضٍ خاصةٍ للراحل، أليس كذلك؟ من يمنح الابن الثاني إرثًا خاصًا إن لم يكن يحبه؟”
وفوق ذلك، قيل أن دانيال غوين لا يملك خطيبةً بعد، ولم يُظهر يومًا ملامح حب.
وأن ملامحه أخذت أجمل ما في والده ووالدته، حتى أن فتيات المجتمع عانين ألمًا في قلوبهن بسببه. و أنه لا بد أن يلتقي يومًا بمن تكافئه، ليقع الحب المتبادل.
ولهذا بدا الشاب وسيماً إلى هذا الحد.
“….…”
كانت دموع الشاب التي بدت وكأنها ستنهمر قطراتٍ أخرى، تجف شيئًا فشيئًا كلما استمر حديث الناس.
و لعل ذلك بسبب رياح الشتاء القاسية والباردة. على الأقل، بدا أن المعزّين يعتقدون ذلك.
كليك—
ثم خرج كاميرا كان واضحًا حتى وسط الضجيج.
“يا لقلة الذوق!”
السيدة التي احمرّت عيناها وكأنها بكت بجانب ابنها، استدارت فجأةً نحو أحد الصحفيين الذي ضغط على زر الكاميرا، وصرخت بصوتٍ حاد.
“كيف، كيف تجرؤ على التقاط الصور هنا!”
الكونت العابس غطّى أذني وعيني ابنه، ونظر إلى زوجة أبيه. فليس مشهدًا يليق بطفلٍ فقد جدّه.
نزعت السيدة حجابها بعنفٍ حتى بدا شعرها وكأنه قد شُدّ ومُزّق، وداست الحجاب الذي سقط أرضًا وهي تتقدم. والشخص الذي أمسك بها حين حاولت الهجوم على الصحفي ورفع ذراعها كان دانيال غوين.
“أمي!”
“يا لهم من أوغادٍ عديمي الضمير! تتجمعون كقطعان الجرذان، ولا تفعلون سوى الثرثرة بقصصٍ ضيقة وقذرة.…”
صرخت السيدة بنوبةٍ هستيرية. وكان دانيال غوين إلى جوارها، يضمها بذراعٍ واحدة، ويهمس بشيءٍ بصوتٍ منخفض محاولًا تهدئتها.
وبسبب تقدمها عدة خطواتٍ نحو الحشد أمام النعش، اختلطت السيدة بالخدم. ولم يستطع ويسلي إينِل الابتعاد عنها وسط الزحام، فسمع ما همس به سيده.
“اهدئي، أبي أيضًا لن يرغب في رؤيتكِ غاضبةً هكذا.”
لكن، هل كان ذلك همسًا يُقصد أن يُسمع، أم مجرد محاولةٍ لتهدئة أمه؟ لم يكن واحدًا أو اثنين فقط ممن خطر لهم هذا السؤال وسط الحشد.
“اتركني، اتركني! دعهم يقولون ما يشاؤون—!”
لم تهدأ السيدة في النهاية، وصرخت بين الناس بعينين نصف غائبتين، ولوّحت بذراعيها بلا تمييز، لكن نوبتها انتهت أسرع مما توقع الجميع. وقليلون فقط كانوا يعلمون أن السبب هو تلاقي نظرها مع ويسلي إينِل.
“….ابني الجديد كريمٌ إلى هذا الحد.”
كان هدوؤها المفاجئ مشهدًا غريبًا إلى حدّ الرعب.
وبينما ساد الصمت بعد كلماتها غير المفهومة، تمتمت السيدة بصوتٍ كأنها تريد للجميع أن يسمع.
وانتقل النظر الذي كان مثبتًا عليه للحظاتٍ إلى إيزابيل مارليير. فاتسعت عينا السيدة ثم خمدتا. و زال الشدّ عن وجهها الذي كان مشوهًا بالنوبة، وحلّ عليه هدوءٌ غريب.
‘يبدو أنه دعاها معتقدًا أن والده كان يكنّ لها مودة، وأنه كان ليتمنى حضورها الجنازة.’
وكأن توقف النوبة المفاجئ أرهقها، أنهت السيدة عبارتها بصعوبةٍ وهي تلهث.
“مقرف….حتى بعد الموت.”
وبعد أن قالت ذلك، وكأنها بلغت حدّها، فقدت وعيها وسقطت أرضًا. عندها فقط اندفع دانيال غوين ممسكًا بأمه على عجل.
“….يا إلهي!”
وفي النهاية، غادر الاثنان الجنازة على تلك الحال.
“من تكون؟”
*يقصدون إيزابيل
“يبدو أنها كانت خليلة الكونت الراحل.”
“هذا متوقع. لم يكن رجلًا نظيف السمعة في علاقاته النسائية.”
“لكن من المستبعد أن يكون قد أحبّ خادمة.”
صمتٌ قصير. ثم همساتٌ تتواصل بلا اكتراث إن سُمعت أم لا. و وسط الفوضى، سلّم الكونت ابنه إلى مربيته وعاد وحده.
“هم….هم! حسنًا، من أجل الراحل—.”
القسّ الذي التقط نظرة الكونت حاول ألا يُظهر ارتباكه، واستأنف مراسم الجنازة.
وقف بهدوءٍ إلى جانب إيزابيل مارليير التي فقدت الكلام، يتأمل شواهد القبور المجهولة، ويفكر إن كان من الأفضل أن يغادر الآن.
وبغياب دانيال غوين والسيدة، صار وجه إرنست غوين الراقد في التابوت ظاهرًا بوضوح.
حدّق فيه ساكنًا، ثم اكتشف جزءًا يشبه الابن والأب كأنهما نُحتا من قالبٍ واحد، ولأن التعبير على وجهه كان مسالمًا حقًا، شعر بغرابةٍ غير مألوفة.
“….…”
لسببٍ ما، تذكّر ويسلي إينِل كلمات الطبيب الذي فحص إليانور كايل.
“يبدو أن الصدمة كانت كبيرةً عليها. فالكونت الراحل كان على أي حال وصيّ الآنسة….وبمعنى ما، كان عائلتها الوحيدة، أليس كذلك؟”
نعم، ذلك الطبيب الذي شخّص حالتها بأنها تعاني حمى بسبب صدمة فقدان العائلة.
لا يعتقد ويسلي إينِل أن إليانور كايل، الممدّدة في سريرها لليوم الثاني، تعاني حقًا بسبب صدمة فقدان “العائلة”. وعلى الأقل، لا يوجد من أقام طويلًا في هذا القصر ليظن ذلك بسذاجة.
لم يكن موت إرنست غوين ليُحدث تغيرًا كبيرًا في حياتها، وكان القصر سيبقى هو ذاته، تابعًا للمالك الجديد دون أي تبدل.
ومع ذلك، حتى لو كانت تعاني فعلًا بسبب فقدان العائلة أو الوصي، فهل كان الناس سيظنون أنها مريضةٌ بالحمى لأنها فقدت عائلتها؟
أمام ذلك التابوت مباشرة، في صف العائلة، لم يكن هناك من يعرفها أو يفكر بها، ولم يكن لها مكانٌ تقف فيه. فهي ليست من العائلة ولا من الخدم.
لذلك، خطر لويسلي إينِل على نحوٍ اعتباطي أن إصابتها بالحمى ربما كانت أمرًا محمودًا. فكرةٌ لا علاقة لها برغبتها أصلًا. كما اعتاد الجميع أن يفعلوا معها دائمًا.
بعد انتهاء الجنازة والعودة إلى القصر، توجهت إيزابيل مارليير مباشرة إلى غرفة إليانور كايل.
“….آه، إيزابيل.”
لم تكن الفتاة مستلقيةً على السرير. بل كانت جالسةً بهدوءٍ أمام مرآة الزينة. و مظهرها لا يوحي على الإطلاق بأنها كانت تعاني حمى حتى صباح اليوم.
بهدوء تام، وبابتسامةٍ جميلة كأنها لم تمرض قط،
“هل كانت الجنازة على ما يرام؟”
“….كان هناك بعض الاضطراب، لكن انتهت بسلام.”
“اضطراب؟”
“لا شيء يُذكر. لم يحدث أمرٌ خاص.”
“أفهم.”
تمتمت إليانور كايل، وما تزال جالسةً أمام المرآة
. وكما جرت العادة، وقفت إيزابيل مارليير خلفها.
“أنا متعبة.”
قالت ذلك وهي لا تزال تحدّق بإمعان في انعكاس صورتها في المرآة.
وفي كل مرة، كان السؤال الذي توجهه إلى إيزابيل واحدًا لا يتغير.
“إيزابيل.”
“نعم، آنستي.”
من دون أن تحوّل نظرها عن المرآة، سألت،
“هل جميلة أنا؟”
“بالطبع.”
“إلى أي حد؟”
ترددت إيزابيل لحظة، غير واثقة مما يعنيه السؤال. إلى متى؟ وإلى أي درجة؟ لكنها سرعان ما أجابت،
“….إلى حدٍّ لا يمكن معه إلا أن تُحَبّي.”
وعندما جاءها الجواب بالقدر المناسب، أنزلت إليانور كايل عينيها.
__________________
تبي تتأكد انها بتقعد في القصر؟
الناس مرضى صدق شلون توقعوا ان ايزابيل عشيقة؟ عشان السيدة عاينتها وسكتت قالوا اووووه العشيقه؟ مب منطقي ابدا
شسمه احس تحمست زود الحين ان دانيال يجي اليانور لقاء اساطرة الجمال عندهم😭
وثنينهم فيهم شي
اليانور تكره جمالها بس معتمده عليه وهو به شي مب طبيعي ✨
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 7"