قال إرنست غوين لي، حين كان حيًا، أنه يحبني لأنني جميلة، وقال أن ذلك “أمرٌ منطقي”.
لذا لا شيء يتغير. لن يتركني.
وهكذا، في تلك الليلة، رأيتُ حلمًا. قد يسميه أحدهم استذكارًا.
كان ذلك عصرًا قبل أكثر من عشر سنوات، في ربيعٍ كثيف الأعشاب، حيث أخفيتُ جسدي بين الحشائش، وتركـت الحشرات التي كنتُ سأشمئز منها عادةً تزحف على ذراعيّ وساقيّ وتلدغني، دون حتى أن أرغب في إظهار الانزعاج.
ذلك العصر، اللحظة التي اكتشفتني فيها السيدة وهي تتجول في الفناء الخلفي حاملةً مظلةً رمادية.
“يا إلهي، يا صغيرتي.ماذا تفعلين هنا؟”
اكتشافها لي كان مصادفة. وأنا أيضًا لم أقصد ذلك، ولم أتمنّه.
وربما هي كذلك. فمنذ البداية، لم تكن قد حصلت قط على إذنٍ من زوجها لدخول الملحق.
الكونت، إرنست غوين، لم يسلّم أمر الخزنة الخضراء حتى لزوجته، سيدة بيت عائلة غوين. ولذلك لم يكن لديها أي وسيلة لمعرفة هوية الطفلة التي تقيم في الخزنة الخضراء.
“أنت جميلةٌ جدًا!”
وهكذا، ظنت السيدة أنني خادمةٌ تعمل هنا.
تلاقت أعيننا، و مرّ نظرٌ فاحص، ثم عاد الإعجاب.
“تبدين كجنيةٍ صغيرة فعلًا! قولي لي، هل تعملين هنا؟”
كانت لدى السيدة آنذاك براءةٌ من نوعٍ ما. صفةٌ يصفها الناس بأنها سذاجة ناتجةٌ عن عدم تذوق مرارة العالم بما فيه الكفاية، أو بلاهة. وأنا أراها نوعًا من التهاون.
في اللحظة التي حاولتُ فيها تحريك شفتي لأجيب بأي شيء، اقتربت إيزابيل من بعيد وهي تناديني.
“آنسة!”
ركضت إيزابيل نحوي من الجهة المقابلة للحديقة لتُمسك بي. و كان ذلك تصرفًا فظًا في حق السيدة. لكنها لم تكن تملك متسعًا للاهتمام.
إرنست غوين في ذلك الوقت كان يراني كهرّةٍ صغيرة ستموت إن لم يتفقدها كل ساعة، ولذلك كانت إيزابيل و يسلي أيضًا شديدي الحساسية تجاه حالتي.
في حديقة ذلك اليوم، كانت السيدة وحدها من لا تعرف ذلك.
أمسكتني إيزابيل وأقامتني من مكاني، فسقط نظر السيدة من وجهي ليستقر على طرف فستاني الأبيض الباهظ، الذي تلون بعصارة العشب لأنني جلستُ على الأرض بلا اكتراث.
“….آنسة؟”
في ملحقٍ لم يُسمح لها وحدها بدخوله من زوجها، رأت طفلةً ترتدي ثيابًا فاخرة تُنادى بـ”آنسة” وتُعامل على هذا الأساس، فسألت هكذا.
كنتُ آنذاك ساخطةً على كل شيء، فأجبتُ بسرعة قبل أن تمنعني إيزابيل أو تسبقني بالكلام.
“الكونت اشتَراني.”
و أضافت إيزابيل على عجل محاولةً لإنقاذ جملتي البائسة. لكن ذلك لم يكن ستارًا جيدًا أمام السيدة.
“….الكونت غوين يدعم الآنسة إليانور.”
تجعد وجه السيدة، التي التقطت تلك الجملة الخالية من أي تطريزٍ مقنع، كما يتجعد قماشٌ أُلقي على الأرض.
و بعد صمتٍ طويل، سألت، وهي تحاول الابتسام بلطف، ملاقيةً نظري.
“ما اسمكِ؟”
“إليانور، إليانور كايل.”
“….وكيف يناديكِ الكونت؟”
و أنا تلك، في أوائل مراهقتي، التي لم تكن تعرف شيئًا، أجبتُ.
“….نيل.”
“…….”
لو كان هناك من يضحك ساخرًا واصفًا ذلك بذوق شيخٍ فاسد، فعليه أن يرى تعبير السيدة آنذاك. فلو رآه، لما ضحك مرةً أخرى.
لم أفهم ذلك التعبير في حينه. لكن أثره بقي واضحًا، ولذلك كلما تذكّرته أخذتُ أفككه مرارًا. و ما زلت لا أعرف ماهيته ولا مكوّناته.
في لحظة الصمت القصير، رتبت السيدة ملامحها بسرعة، ثم همست بلطفٍ، بيدٍ ترتدي قفاز دانتيل، وهي تلمس خدي.
“إليانور، يا صغيرتي….جنية هذا القصر الصغيرة.”
تحت ظل المظلة الرمادية. وقفت ابنة فارسٍ جهوري الصوت، أنجبت ابنًا قبل الزواج ثم تزوجت إرنست غوين، الذي يكبرها باثنين وعشرين عامًا. سيدةٌ لا تملك شيئًا سوى جمالها.
امرأةٌ كانت تخشى أن يمد زوجها يده إلى طفلةٍ في أي لحظة، ومع علمها أن زوجها مجنونٌ يجمع الجمال لمجرد أنه جميل، لم تستطع منعه، ولم تستطع حتى أن تطأ ملحقه.
امرأةٌ حمقاء عاجزة.
كانت تحمل طفل الكونت، وقد دُفعت للزواج به من قِبل أبيها، ورغم ذلك لم يغفر لها الناس، وما زالت تُدان.
كانت ترى نفسها منطبقةً عليّ، وهمست لي، لا لأنها ظنّت أنني سأفهم، بل كنصيحةٍ نابعة من تجربة.
“إلى متى تظنين أن الناس سيغفرون لكِ لمجرد أنكِ جميلة؟”
نعم، امرأةٌ لم تكن تملك شيئًا، لكنها لم تكن غبية.
“….الجمال ليس صك براءةٍ أبديًا.”
كما لو أنها تريد نقش الأمر في داخلي، كررت الجملة نفسها بتعابير مختلفةٍ على التوالي، ثم استدارت مبتعدة، بينما عدتُ إلى الغرفة مجرورةً بيد إيزابيل، أحدق في ظل المظلة الرمادية.
و لم يُحل كل شيءٍ إلا بمنعها من دخول ذلك الملحق.
كان وجود السيدة بالنسبة لهواة الجمع المجانين حدًا فاصلًا، خطًا تحذيريًا يمكن التغاضي عنه إن تظاهروا بالجهل، لكنه يظل مقلقًا إن جرى تجاهله تمامًا.
….ولهذا، كانت هناك أنا، من علّقت الأمل عليها.
كلها كانت توقعات عبثية. فقد تركت لي مجرد نصيحة أو تحذير يبدو معقولًا، ثم رحلت، متظاهرةً بأنها لا تعرف بوجودي.
على أي حال، لم أعرف اسم السيدة إلا بعد أيام.
لكن الآن أعرف أسماء الزوجات السابقات. إيلين و نيلي. ماتت نيلي فجاءت إيلين.ثم بعد إيلين، جاءت فتاةٌ يمكن لأي شخصٍ أن يفهم لماذا بيعت وجيء بها، إليانور الجميلة.
الكونت العجوز الذي منحني ألقاب زوجاته غير الكاملات. الكونت المختل الذي يعتقد أنني جميلةٌ على نحوٍ كامل. هاوي الجمع المجنون، إرنست غوين.
ومن خلفه، ذاك الذي ورثه، والذي تقول إيزابيل أنه يشبه أباه تمامًا، دانيال غوين.
أنا أعلم الحقيقة التي أرادت سيدة الماضي أن تقولها لي.
“إلى متى ستظلين جميلة؟”
لستُ ساذجة إلى حد أظن أن ذلك كان تهديدًا، بل كان تساؤلًا أو استشارة.
في الماضي، الخدم الذين كانوا يهمسون لي بدعوى الحرص عليّ، وقد طُردوا جميعًا الآن، قالوا لي الشيء نفسه.
“إليانور الجميلة. ستبقين في هذا القصر إلى الأبد، دون أن تملكي شيئًا.”
نعم، لا أملك سوى جمال وجهي. الذي لا يفيد في شيء.
وخاصةً، كانت أكثر الهمسات عديمة الجدوى حين يتعلق الأمر بالصمود في هذا القصر. فما الذي يهم إن لم أملك سوى الجمال، وإن لم يكن لي غيره؟
ظنت السيدة أنني سأقلق يومًا، ولهذا همست لي بتلك الكلمات، لكن الأمر ليس كذلك. فليس لدي سببٌ واحد للقلق.
ما دمتُ جميلة، فالسيد سيحبني. ولا يمكن ألا يرغب في بقائي.
***
بينما كانت إليانور كايل طريحة المرض، أُقيم خارج القصر تشييع جنازة إرنست غوين.
وقف ويسلي إينِل في مكان الخادم الموثوق، ينظر إلى أفراد العائلة الواقفين أمام شاهد الميت.
الكونت غوين الجديد وابنه. والكونتيسة السابقة، وخلفها دانيال غوين. وأخته الكبرى التي أصبحت كونتيسةً أخرى.
ومن بينهم، التقت عيناه بنظرة دانيال غوين الذهبية التي انسحبت خلسةً إلى الخلف، كأنها تتفحص وجوه الحاضرين.
تحت ضوء بعد الظهر الساطع، بدا وجهه واضحًا. يبدو كأنه يبتسم سرًا، ثم سرعان ما ينظر إلى تابوت أبيه بنظرةٍ مثقلة.
“…….”
لأن التلصص على السيد ليس أمرًا لائقًا، خفّض ويسلي بصره. وحين استقرت عيناه على الأرض، بدأت الأحاديث من حوله تصل إليه بوضوح.
“….انظروا هناك، أليست تلك السيدة؟”
“قالوا أن عقلها غير سليم، لكن يبدو أنهم أخرجوها بعد أن زينوها جيدًا.”
ليست أحاديث ينبغي لخادمٍ أن يصغي إليها. فحوّل ويسلي إينِل نظره واهتمامه إلى إيزابيل مارليير الواقفة إلى جواره.
كانت جنازة سيدٍ خدمته طويلًا، لكنها لم تكن غارقةً في الحزن، بل منشغلةً بشيءٍ آخر غير مريح.
“….لا تُكثري التفكير في الأمر، يا سيدة مارليير.”
“لا أفكر في شيءٍ خاص.”
و الناس المنشغلون بالثرثرة فيما بينهم لم يصغوا إلى حديث الخدم.
لم يصدق قولها بأنها لا تفكر في شيء. فلا بد أنها تفكر في أشياء كثيرة.
مثل أن السيد كان قويًا على غير ما يوحي به عمره، فلم يكن موته فجأةً أمرًا مألوفًا، أو أن إليانور كايل التي بقيت وحيدةً مريضةً في القصر، و حتى لو لم تكن مريضة، لما استطاعت الحضور إلى هنا.
بدا وكأن الكونت الجديد، الواقف إلى جانب امرأة في منتصف العمر كانت يومًا كونتيسة، يهمس بشيءٍ إلى زوجة أبيه الجديدة، لكن الكلمات لم تصل. غير أن ثبات تعبير وجهها كان واضحًا.
وهو يتأمل ذلك المشهد، تمتم.
“يكفينا أن نكون أوفياء للسيد الجديد.”
“….تلك فضيلة الخدم.”
وحين لم يستمر الحوار، حلّ الصمت.
________________________
العجوز المجنون عسا يستاهل فطسته اجل قاعد يتزوج النسوان الزينات ومخليهم كذا بس؟ وماخذ اليانور حاله خاصه عشانها بزر؟ اشوا انه ماوصل لجنون لدرجة يتزوجها المسكينه بعد
اليانور ياعمري هي كانت قاعده وسط الحشرات تحسبها بتقلل جمالها يعني؟ 😔
واحس صدق دانيال قتل ابوه عشان امه او انه العجوز الزفت مسوي له شي او انه عارف ابوه بس كان يحبه عشانه وسيم
المهم ماقتله كذا عبث طبعاً هو البطل وذكي اكيد 😘
Dana
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"