في ذروة الشتاء. تتأجج المواقد في القصر، والمدافئ المشتعلة بالفحم أو الكيروسين تملأ المكان، فلا يُحَسّ بالبرد ما لم تلتصق بالنافذة تمامًا.
كان دانيال غوين، الذي يشرب الشاي معي، يبدو حادّ المزاج على نحوٍ خفي، لكنه لم يذكر لي شيئًا عمّا قد أزعجه.
و جلستُ طويلًا أمامه أرتشف الشاي بصمت.
“آه، شردتُ كثيرًا في أفكاري، أنا آسف.”
“لا بأس. لا بد أنكَ مشغول.”
في الحقيقة، ما الذي يهم إن كان هناك أكثر من شيءٍ لا يقوله لي؟
سمعتُ الرجل، الذي كان ينظر إليّ باستقامة، ثم خفض نظره قليلًا كأنه يشعر بالحرج و سأل. و هكذا بدأ الحديث.
“كيف تقضين أيامكِ هذه الأيام؟”
“لا شيء مميز، في الحقيقة.”
قلتُ ذلك ورفعتُ الكوب لأبلل حلقي. وحين أعدتُ بصري بعد لحظة، كان يضع كوبه على الطاولة المقابلة.
لم أدرك إلا الآن أنه أعسر. فقد وضع الكوب في الاتجاه ذاته الذي أضعه فيه، كأن مرآةً تعكسني.
ابتسم وكأنه يسأل إن كان في الأمر مشكلة، فابتسمتُ بدوري وكأن لا شيء.
“يبدو أنكَ مشغول.”
“….لم أكن أنوي ذلك، لكن الأمور سارت هكذا.”
“فهناك كثيرون يرغبون في لقائكَ.”
“هذا تقديرٌ مبالغٌ فيه.”
أجاب بحدّةٍ مقتضبة، ثم راقبني لحظةً قبل أن يسأل.
“إليانور. ماذا تفعلين هذه الأيام؟”
تذكّرتُ رفضه حين اقترحتُ أن أطرّز ربطة العنق لأجله، فأجبتُ.
“لا شيء خاص. الأيام دائمًا هادئة.”
“أنا فضوليٌ بشأن يومياتكِ الهادئة هذه، إليانور.”
“فقط….أتمشى في الدفيئة، وأقرأ بعض الكتب.”
وكأنه لا يريد لهذه اللحظة أن تنتهي، تتابعت الكلمات.
“هل أعجبكِ الكتاب الذي اشتريتِه في المرة الماضية؟”
“نعم. كان جيدًا.”
“سمعتُ أنكِ سهرتِ الليل تقرئينه، لم أكن أعلم أنكِ تحبين الكتب.”
أطبقتُ فمي خجلًا، أو حرجًا من أن حديثي قد وصل إليه، فتابع هو.
“بالطبع يمكنكِ شراء أي كتاب تريدينه، لكن….ألا تشعرين بالملل إن بقيتِ في الغرفة طوال الوقت؟”
“….ماذا؟ آه. لا، ليس إلى هذا الحد.”
“في المكتبة كتبٌ كثيرة.”
رفعتُ بصري عن أطعمة الشاي، فالتقت أعيننا. و ابتسم بخجل، لكن بخفة. ذلك البريق الذهبي الحلو الذي يذيب القلب كلما نظر إليّ.
“وغالبًا ما أكون في المكتبة قرابة الرابعة عصرًا.”
نظرتُ إلى فنجان الشاي الذي أحضره بنفسه، بلونٍ بنيْ كالمعدن المذاب أو العسل، قد يتصلّب في أي لحظة، والمزخرف بأزهار الأقحوان النافرة. و كان السائل بداخله ساكنًا بلا أدنى تموّج.
“….…”
لا أعلم. تلك الخادمة، وإن كانت جريئة، ليست في موضعٍ يسمح لها بأن ترفع شكوى عن وضعي إلى سيدها.
الطابق الثاني ليس قريبًا منه إلى حدّ أن يسمع كل حديثي، ولم يكن ويسلي أو إيزابيل يمران في الرواق في تلك اللحظة.
“إليانور؟”
كأنني عاجزة عن الإجابة، عضضتُ قطعة خبزٍ مدهونةٍ بالمربّى.
نسيت أن أضيف الكريمة، فكان الطعم جافًا على نحوٍ مزعج.
وأثناء صمتي، كان هو من بادر بالكلام.
“فقط….تمنيتُ أن تأتي إليانور يومًا إلى المكتبة لتبحث عني هناك.”
رفع الكوب المملوء بشايٍ بلون مشتعل ونظر إليّ.
أبتلعتُ السكون ببطء و واجهتُ نظرته.
بللتُ حلقي الجاف بالشاي. و لسببٍ ما، لم أشعر بالعطر. ربما لقوة رائحة الزبدة.
في النهاية، حين أومأت برأسي، بلغ الحوار خاتمته ولم يستمر.
وبعد أن نال النتيجة التي يريدها، تبدّل موضوع الحديث سريعًا.
“يحزنني أنكِ لا تبدين سعيدة. هل أزعجتُ جدولكِ اليومي؟”
“فقط….لم أتوقع أن نلتقي هكذا فجأة―.”
“كنتُ أشتاق إليكِ، ألم تكوني كذلك؟”
انعقد لساني، فسكتّ لحظة، ثم أجبتُ على استحياء، كمن يحاول الاعتراض.
ولعله لم يعدّ كلامي اعتراضًا أصلًا.
“….أنتَ مشغول.”
وكما هو متوقّع، تجاوز كلامي بسهولة.
“ومع ذلك، أخصص دائمًا وقتًا لإليانور.”
بما أنه يخصص لي دائمًا وقتًا حقاً، التزمتُ الصمت.
وفي لحظة، سكب الشاي في فنجاني الفارغ. وهو يفعل ذلك، تمتم وكأن الأمر لا يستحق الذكر.
“حسنًا، تخصيص الوقت من أجل إليانور ليس أمرًا استثنائيًا بالنسبة لي.”
لعلّه ظن أن صمتي اعتراضٌ على كلامه، فتجاوز حديثه بسهولةٍ وسألني.
“هل تحتاجين إلى شيء؟”
ساورني الشك في أنه لا يسأل وهو يعلم كل ما قاله الخدم عندما دخلوا الغرفة وثرثروا.
“….كل ما أحتاجه موجودٌ في هذا القصر.”
“فعلاً؟”
“نعم، فعلًا.”
وكان كلامي صحيحًا، ويبدو أن شكوكي كانت في محلها، إذ ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ ازدادت عمقًا ومشبعةً بالرضا حين سمع إجابتي.
أو ربما كان ذلك مجرد وهمٍ مني.
ثم تلتها كلماتٌ أقرب إلى همسٍ أو اعتراف.
“يسعدني أن قصري نال استحسان إليانور.”
وعند كلمته “قصري”، شعرت بنفورٍ خفي لا يمكن التعبير عنه.
قبل شهرٍ واحد فقط، كان هذا القصر ملكًا لوالده، إرنست غوين.
و دانيال غوين، من أجلي، ولأنه أرادني، عقد صفقةً مع أخيه وقتل والده، ثم حصل على هذا القصر، وحصل عليّ داخله.
“كنتُ وحيدًا جدًا.”
وهكذا حصل عليّ داخل هذا القصر.
“إليانور. كما كنتِ أنتِ.”
رغم أنه قال أنه كان يعلم كم كنتُ أعاني من وحدةٍ موجعة داخل هذا المكان.
نظرتُ إليه بصمت ثم خفضتُ بصري.
ومع ذلك، لم يكن عليه أن يهمس لكينيث غوين بأنه لا يريد سواي أنا، ولا كان ثمة سببٌ أو معنى لنقلي خارج هذا القصر.
إنه يحبني. لم أعد وحيدة.
بعد أن انتهيت من شرب الشاي، سألني إن كنتُ أرغب في التنزه معه، والمكان الذي يتمشى فيه معي كان يتغير دائمًا، لكن في ذلك اليوم تجولنا معًا في الدفيئة.
بما أن صاحب القصر يزورها كثيرًا، فهي تُدار بعنايةٍ كبيرة، ومع ذلك لا يتغير فيها شيءٌ يُذكر، لذا فالدفيئة تبدو في كل مرةٍ بالمنظر ذاته.
وفي الحقيقة، هذا هو الطبيعي. فهدف القصر والدفيئة هو الحفاظ على الحال كما هو.
كي لا تزداد الأشياء القديمة تقادمًا، وكي لا تفسد الأشياء الثمينة بعد الآن، لتزهر الأزهار ناسِيَةً الفصول، وتبقى الأشياء الجميلة جميلةً على الدوام.
“إليانور، الأرض مبتلة، فانتبهِي وأنتِ تدخلين.”
قال ذلك موضحًا أن النباتات في الدفيئة قد سُقيت بالماء في الصباح.
“نعم، يجب أن أكون حذرة.”
“فالاتساخ سيكون مزعجًا.”
هززتُ رأسي موافقة، ثم خطوتُ بعد أن جمعتُ أطراف تنورتي، التي لم تعد بيضاء لدرجةٍ تقلقني من تلطخها بخضرة العشب.
“بالمناسبة، إليانور.”
“نعم؟”
“هل ما قلتِه في المرة الماضية ما زال قائمًا؟”
“أي قول؟”
“ألم تقولي أنكِ ستعطينني ربطة عنقٍ مطرزةً بيدكِ؟”
“….آه.”
“….هلّا تطرزين لي ربطة العنق في المرة القادمة؟”
يبدو أنه ما زال يتذكر سؤالي ذاك. وأنا بدوري أتذكر أنه أجابوي حينها بأنه لا يحب ربطات العنق كثيرًا.
وحين أدرك أنني تذكرتُ أصل الوعد، ابتسم ثم سأل.
“هل يمكنني أن أقبل هديةً أخرى بدلًا من ذلك؟”
تلاقت أعيننا. وبعد لحظة صمت، أومأتُ برأسي، فابتسم بارتياح.
“ما الذي تودّ أن تتلقاه؟”
“سأفكر في الأمر.”
وهكذا واصلنا السير، نمر بزهورٍ أزهرت في غير موسمها وبطيورٍ ما زالت حبيسة الأقفاص، مع تأجيل تحديد الهدية.
ثم ناداني مجددًا بعد أن مضينا وقتًا طويلًا في التجول دون حديثٍ يُذكر.
“إليانور.”
“نعم؟”
رفعتُ رأسي متسائلة، فتلاقت أعيننا.
“إن كان هناك ما تحتاجينه، أو شيءٌ لا يعجبكِ، فأخبِريني في أي وقت.”
“لا يوجد شيءٌ من هذا القبيل.”
طال الصمت. فأوقفتُ خطواتي التي كانت تمضي بلا معنى، وحولتُ نظري الذي كان متجهًا إلى مكانٍ ما في الدفيئة، لأقف مواجهةً لدانيال غوين.
كان في نظرته شيءٌ غائر لا يبدو أنه سيخف أو يدفأ، وبعد أن بدا كأنه يختار كلماته طويلًا، سألني.
“حقًا، لا يوجد ما يضايقكِ؟”
“نعم.”
“حتى الخدم الذين يدخلون غرفتكِ ويعاملونكِ بألفةٍ مفاجئة، لا بأس بذلك؟”
تذكرت الخدم الذين كانوا يهمسون لي بلا توقفٍ عن صاحب القصر، سواءً بالأمس أو هذا الصباح، فأغمضتُ عيني وفتحتهما بضع مرات، ثم هززتُ رأسي نفيًا.
ليس من شأني أن أشير إلى تلك التصرفات والسلوكيات التي يتبعها جميع خدم القصر.
“ألا يوجد ما تشعرين حياله بالغرابة؟ كأن لا يظهر شخصٌ يفترض أن يظهر.”
“أظن أن هناك سببًا.”
“….هل أخطأتُ في حقكِ؟”
______________________
شلون تحول السؤال كذا عشانها ماعطتك بالصريح؟
من اليوم وهو مطلع نفسيته وهوسه والحين زعلان؟ جوي✨
المهم ادعم كملوا فصول على ذا الرتم اول مره يمر علي شي نفسي كذا تحمست😂
Dana
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 45"