أدركت إيزابيل سوء مزاجي، فأخرجت جميع الخدم وبقيت الغرفة لنا وحدنا.
عندها أكملت ما كنتُ قد توقفتُ عنه.
“حتى لو كنتِ ستتلقين شيئًا من أحد، فلا داعي للاكتراث.”
حين نقلتُ بصري من زاوية الغرفة إلى الأعلى جهة اليمين، رأيتُ إيزابيل. و كانت إيزابيل مارليير واقفةً في مكانها دون أي تغيرٍ في ملامحها، وكأنها لا تنوي الخروج من الغرفة.
“وإن كان المال الذي تتقاضينه غير كافٍ، فاطلبي المزيد من صاحب عملكِ.”
“….آنستي.”
“لا أفهم. ألم تقولي أنني سأقع في حبه؟”
“…….”
“إذًا، دعي الأمر يحدث فحسب.”
التزمت الصمت. و كانت عيناها هادئتين، لكن بدا وكأنها تريد أن تسألني إن كنتُ أحبه حقًا.
و لم أجد ضرورةً للإجابة عن ذلك التساؤل.
“….أنا لستُ غبية، إيزابيل. مهما يكن ما الذي رأيتِه مني حتى الآن.”
أخذتُ أتمتم، كأنني أغني، كلمات الخدم الذين كانوا يتهامسون ظانين أنني لا أسمع، خلف الأبواب، في زوايا الممرات، وتحت السلالم.
“آنسة القصر المتطلبة، عشيقة دانيال غوين الشديدة بقدر جمالها.”
حينها فقط التقت عيناي بعيني إيزابيل مارليير.
“جميلة، محبوبة، لكن لا أحد يعلم إلى متى ستبقى جميلة، مجرد إنسانةٍ لا أكثر.”
أملتُ عينيّ. وفي المرآة خلفها، رسمت عيناي شكل هلالٍ رقيق. وبنفس الابتسامة، همستُ وأنا أتابع،
“كيف لي أن أكون غبية؟”
“….آنستي.”
“لهذا، إن كان المال لا يكفيكِ، يمكنكِ الرحيل دون تردد. أليس ابنكِ يعمل في هذا القصر؟ قد يكون تغيير مكان العمل خيارًا. بما أنكِ تتولين رعايتي، فستحصلين على أجرٍ كافٍ. وحتى إن قررتِ الرحيل لأنكِ لا تستطيعين الاحتمال، فلا بأس في ذلك.”
“هل….ترغبين في أن أرحل؟”
“حتى لو رحلتِ، فلن يكون لديّ أي شعورٍ خاص حيال الأمر.”
اهتزت عينا إيزابيل اهتزازًا خفيفًا. ولأن ذلك أزعجني، أضفتُ كلمةً أخرى.
“لم يكن هناك ما يستحق التعلق أصلًا. بل بالأحرى، أنتِ لم تصنعي مثل هذا السبب.”
فصمتت إيزابيل.
“وعليكِ أن تجعلي الجميع ينتبهون لكلامهم. لا أعلم إن كان ذلك بسبب تقصيركِ في الإدارة، لكن.…”
بدت وكأنها تريد قول المزيد، إلا أنها وقفت في مكانها بنظرةٍ غير مرتبة، تلتقي بعيني المنعكستين في المرآة.
“أليس من المؤسف أن يُطردوا لمجرد أنهم ثرثروا بخفةٍ عن صاحب عملهم هكذا؟”
في النهاية، لم تستطع إيزابيل قول شيء، وتركت خلفها عبارةً واحدة تتمنى لي فيها يومًا طيبًا، ثم مرت بجانبي وغادرت الغرفة.
***
في صباحٍ لم يبحث فيه دانيال غوين عني، بقيتُ وحيدةً في الغرفة مجددًا.
اليوم أيضًا جلستُ في الغرفة طوال الصباح، لأن دانيال غوين لم يأتِ.
فتحت الدرج وأخرجتُ شريطًا أرجوانيًا من الساتان. وبحركاتٍ غير متقنة، ربطت الشريط في شعري.
لم أفكه إلا بعد أن نظرت إلى المرآة وابتسمت.
وحين هممتُ بلمس المفتاح الموضوع في الدرج، انتفضتُ فزعًا وأعدتهُ على عجلٍ مع الشريط في فوضى.
المفتاح الذي لم أفعل سوى تركه هناك بدا ساخنًا على نحوٍ غريب، فظللتُ أتحسس أطراف أصابعي المحمومة قبل أن أغلق الدرج في النهاية.
وحتى بعد عودتي إلى الفراش، بقيتُ أعبث بأطراف شعري طويلًا.
حرارةٌ مجهولة السبب ما زالت تشعل داخلي، حرارةٌ تركها ذاك الذي كان يهمس لي بالحب، ولعلها كانت بسبب الحب نفسه. لا شيء غير ذلك.
“…….”
ومع ذلك، كان قد اعتذر لي قائلًا أنه لا يستطيع البقاء معي لأنه على موعدٍ مع شخصٍ آخر.
“آنستي، ألا تودين الذهاب إلى المكتبة؟”
خاطبتني خادمةٌ غريبة بينما كنتُ أتجول بلا هدفٍ بين غرفتي وممر الطابق الثاني، ثم سارعت بتغطية فمها وقد بدت مذهولةً من نفسها.
وعندما عقدتُ حاجبي، شحب وجهها.
“آه! أنا آسفة. لقد تفوهتُ بكلامٍ في غير موضعه.”
كنتُ أعرف جيدًا كيف يُتحدث عني بينهم، لكن رد فعلها المبالغ فيه لم يكن مريحًا.
في النهاية، أطلقتُ زفرةً خفيفة وأرخيتُ ملامحي وسألت،
“لماذا تسألين هذا السؤال؟”
دارت عينا الخادمة في حيرة، لا تدري إن كان سؤالي قد بدا توبيخًا أو سخرية، أم أنه كان بريئًا فعلًا.
“لن أطردكِ، فلا تتصرفي بتكلفٍ وأجيبي.”
“آه، أنا آسفة.”
اعتذرت دون أن تخفي موقفها، ثم فتحت فمها لتكمل.
بينما راقبتها بصمت، أتساءل إن كانت جريئةً أم أن لديها ما تعتمد عليه.
“لأنكِ تبدين محبةً للكتب. سمعت أنكِ مررتِ على مكتبةٍ عندما خرجتِ واشترَيتِ بعض الكتب. والمكتبة هنا مليئةٌ بالكتب.”
“ما اشتريته كان مجرد نصوصٍ مسرحية وكتبٍ مصورة.”
ويبدو أنها ثرثارةٌ بطبعها، أو ربما كانت تنتظر رد فعلٍ معينًا، إذ واصلت الكلام.
“النصوص والكتب المصورة ممتعةٌ أيضًا، لكن الروايات تحظى بشعبيةٍ كبيرة هذه الأيام. خصوصًا بين من هم في عمرنا، فالجميع قرأ روايةً واحدة على الأقل لستيفان. هل تعرفينها يا آنسة؟”
أومأتُ برأسي بتردد، متذكّرةً تلك الرواية التي رأيتها في المكتبة، والتي يُقال أنها تحظى بشعبيةٍ كبيرة بين النساء.
لكن يبدو أن سؤالها عمّا إذا كنتُ أعرفها كان يعني هل قرأتها فعلًا، إذ أنها لم تستطع كبح حماسها وأخذت تواصل الحديث عن الكتب، فوجدتُ نفسي أستمع دون أن أقاطعها.
“أنا جاهلة، فلا أفهم كثيرًا في الأفكار أو النظريات، لكن مجرد تقليب الصفحات ورؤية عالمٍ جديد ينفتح أمامي أمر جذابٌ بما فيه الكفاية.”
“القراءة متعةٌ فعلًا. أن تختبر وجهات نظر وعوالم جديدة لم تكن لتتخيلها….”
وأنا أستمع إلى كلماتها، خطر في بالي دانيال غوين.
“حسنًا، هناك من يعدّ ذلك ميزة. فالجسد مقيّدٌ هنا، لكن الخيال لا حدود له.”
و لابد أن ذلك لم يكن ميزةً في نظره.
“مع ذلك، لا يحبها من حولي كثيرًا.”
واصلت الخادمة كلامها غير مدركةٍ لما يدور في خاطري، ثم صحكت ضحكةً خفيفة.
“طبعًا، لا مجال للمقارنة معكِ يا آنسة، لكنني أُعدّ جميلةً نوعًا ما بين عائلتي….غير أن هوايةً كهذه لا تساعد على تلبية توقعات الزواج من رجلٍ صالح، أليس كذلك؟”
فنظرتُ إلى وجهها بشعورٍ غير مريح.
“الروايات الرومانسية أو روايات المغامرة يستخف بها الناس ويعدّونها أوهامًا، لكن رغم ذلك…”
ملامحها وهي تتابع الحديث ليست تلك الملامح المنكمشة أو المتوترة التي اعتدت رؤيتها على وجوه الخدم.
“إن كنتُ أستمتع، فهذا يكفيني، أليس كذلك؟”
قابت ذلك وهي تبتسم ابتسامةً عريضة.
“….يبدو أنكِ تحبين القراءة.”
كانت عبارةً بلا معنى تقريبًا، وربما أقرب إلى العتاب، ومع ذلك أضاء وجه الخادمة.
“آه، نعم! أحبها كثيرًا. في الحقيقة، تقدّمتُ للعمل في هذا القصر لأنني أحببت كتابًا صادرًا عن دار النشر التابعة للسيد.”
بدت خجولة، وكأنها تشعر أنها أفصحت عن أمرٍ خاص أكثر من اللازم. فتأملتها قليلًا ثم أدرتُ وجهي.
“ولماذا لم تتقدمي للعمل في دار النشر نفسها؟”
“ذلك يفوق قدرتي قليلًا….ثم إنني راضيةٌ عن وضعي الحالي.”
لم أكن فضوليةً لمعرفة ما تخفيه كلماتها، فاكتفيتُ بالإيماء وكأنني أفهم.
“على أي حال، انحرف الحديث قليلًا، لكن قد يكون سؤالي وقحًا….لماذا لا تذهبين إلى المكتبة يا آنسة؟”
تلاقت أعيننا. فحوّلت بصري مبتعدةً عن عينيها الصافيتين.
“حين لا يأتي السيد لزيارتكِ، تبدين بلا عملٍ وكأنكِ تشعرين بالملل.”
ربما كان ذلك تفكيرًا في غير موضعه، ومع ذلك نطقت به بثقةٍ واضحة. و لم أجد سببًا لطردها بحجة الوقاحة، فاكتفيتُ بالإنصات.
“في المكتبة كتبٌ كثيرة، وبما أن السيد حبيبكِ، فلن يطردكِ إن ذهبتِ، بل سيسرّه الأمر. أليس في ذلك خيرٌ لكما؟ مع أن الكتب الممتعة هناك قليلة….”
تمتمت بذلك ثم فزعت، وشرعت تبرر أنها لم تتسلل خلسة، بل سبق أن كانت مسؤولةً عن تنظيف المكتبة.
لم أعلّق ولم أنفِ. ويبدو أنها اطمأنت، فواصلت حديثها الجريء بلا تردد.
“ومع ذلك، فالسيد لن يسمح لكِ بالذهاب وحدكِ إلى المكتبة….، آه!”
ما إن التقت عيوننا حتى غطّت فمها على عجل واعتذرت.
“آسفة، لقد تفوهتُ بكلامٍ غير لائق.”
“سيظن من يسمعكِ أنني محتجزةٌ في هذا القصر.”
لم تستطع إخفاء فزعها، وبقيت تغطي فمها مبتسمةً بحرج. بينما دارت عيناها بحثًا عن جوابٍ مناسب.
“بالطبع لا، السيد يحبكِ كثيرًا.”
“نعم، أعرف ذلك جيدًا. سأزور المكتبة لاحقًا إن سنحت الفرصة.”
أجبتُ بسرعةٍ متعمدة، متجنبةً رؤية تعبير وجهها بعد كلماتي. ثم تحركتُ مبتعدةً عنها، وعدتُ إلى غرفتي.
ما إن عدتُ إلى الغرفة حتى أخبرني ويسلي أن دانيال غوين يبحث عني. فابتلعت ضحكةً كانت قد تكون صرخةً أو هتافًا.
وبما أنني ابتلعتها، فلن أعرف أبدًا ماهيتها.
__________________
قاعده افكر تخيلوا انه معطيها الصمت العقابي فترة عشانها ماسمعت كلامه ولا خذت الكتاب الي اشر عليه؟
بعدين فوق يمه جا لغرفتها وطلع ولا وش؟ ليه تقول المفتاح دافي؟🤡
المهم احب افكارها كل شوي استوعب انها ذكيه اكثر واكثر
التعليقات لهذا الفصل " 44"