لكنني أعلم أن كل ذلك بلا جدوى. فالصباح لا بد أن يأتي في النهاية، وإيزابيل ستأتي لتطرق باب غرفتي كل صباح.
دخلت الغرفة و ألقت نظرةً خاطفة على الطاولة الجانبية قرب السرير.
و كنتُ قد أنهيتُ قراءة الكتب بالفعل.
“لم أكن أعلم أنكِ تحبين الكتب.”
نظرتُ إليها، ثم رمشتُ بعيني وأجبتُ.
“لم تتح لي الفرصة كثيرًا.”
لم يأتي أي رد، و استمر الصمت.
“….هل تحبين، بما أن الفرصة سنحت، أن أطلب من السيد الاشتراك في صحيفةٍ مثلًا؟”
“ليس حقًا. لا أهتم بالصحف.”
أجبتُ بلا اكتراثٍ عن سؤالها الغريب، وأنا ما زلتُ أبادلها النظر مبتسمة.
“وإن اهتممتُ يومًا، فسأقول له بنفسي.”
أنا لستُ شخصًا عاجزًا، ودانيال غوين لا يبعد سوى نزول طابقٍ واحدٍ على السلم.
استمرت الأعمال الصباحية المعتادة بشكلٍ غير ملفت، ولهذا جاء رد إيزابيل بعد وقتٍ طويل.
“….نعم.”
خرجت إيزابيل من الغرفة لتجلب حوض الغسيل، لكن عودتها استغرقت وقتًا أطول من المعتاد.
أنصتُّ وأنا أنظر إلى الباب غير المغلق، فبلغتني همساتٌ خافتة.
“…لكن الآنسة…”
“هل سنقدّم لها ذلك كما هو…”
توقفت الهمسات لحظة، ثم جاء صوت خطواتٍ قادمة من آخر الممر.
إنها خطوات ويسلي التي اعتدت سماعها منذ أكثر من عشر سنوات.
“…هذه الفتاة تصرفت من تلقاء نفسها…”
ثم عاد الحديث الخافت من جديد، ومن خلال شق الباب رأيتُ خادمًا يتبع ويسلي، يحمل بكلتا يديه صينيةً مكدسة بالرسائل.
كانت الأظرف والشرائط متعددة الألوان إلى درجة أن الرسائل بدت كأنها باقة زهور.
تساءلت لمَ أحضروا تلك الرسائل عمدًا حتى باب غرفتي ثم عادوا بها، لكنني اعتبرت الأمر مجرد خطأ أو سوء فهم، ومررتُ عليه بلا اهتمام.
ومن ذا الذي قد يرسل لي رسالةً في هذا العالم؟ لا يمكن أن يكون إيرنست غوين قد أرسل رسالةً من العالم الآخر.
لم أعرف حقيقة تلك الرسائل إلا في اليوم التالي.
لأن تغيّر موقف إيزابيل لم يؤثر على سلوكها وحده. فالخادمات اللواتي دخلن غرفتي وهن يمسكن بالمشط بدلًا من إيزابيل بدأن يهمسن لي كل يومٍ بمختلف الأحاديث، واليوم لم يكن استثناءً.
“مرّ ستة أيام منذ عودتكِ من الخارج، ومع ذلك لم تصل أي رسالةٍ إلى الآنسة؟ هذا غير معقول.”
“كل من يراكِ لا بد أن يعجز عن منع نفسه من كتابة رسالةٍ إليكِ!”
كان الجو صاخبًا، لكنني تركتهن لأرى إلى أين سيصلن، فاستمرت الأحاديث بلا نهاية.
حاولتُ أن لا أصرخ في وجوههن أو أسخر من كلامهن، فالغضب ليس أمرًا ممتعًا ولا جميل المنظر.
“قد يغنون أغاني حبٍ تحت نافذتكِ!”
“وقد يكتبون قصائد عنكِ.”
وبينما كانت الخادمتان تتناوبان الثرثرة داخل الغرفة، جاءت إيزابيل لتأخذ الحوض الذي وضعته خارج الباب، وعلّقت من شق الباب.
“رومانسيٌ جدًا. لا أدري إن كان هناك من سيجرؤ على المحاولة، لكن.”
استدارت الخادمتان اللتان كانتا تثرثران خلفي بحدةٍ وحدّقتا فيها، لكنها لم تتراجع، بل هزّت كتفيها وابتعدت عن الباب وكأنها ستكمل عملها.
وكأنهن أردن صرف نظري عن الموضع الذي اختفى منه الشخص، واصلن الحديث بحماس.
و ظل موضوع القصة واحدًا لا يتغير. كم أنا جميلة.
ومن رؤية احمرار وجوههن كلما التقت أعيننا في المرآة، بدا واضحًا أن ذلك ليس مجرد كلام مجاملةٍ فارغ.
إنها أحاديث مضحكةٌ إلى حدٍ ما. فالأفعال الحمقاء التي يُفترض أن تُرتكب بدافع الحب الموجّه نحوي، لم تحدث مرةً واحدة خلال الأيام القليلة التي مضت منذ خروجي.
“قد يأتي شخصٌ يطلب منكِ أن تجعليه صديقًا لكِ، أو على الأقل رفيقًا لشرب الشاي!”
“فمن دون ذلك لن يحتملوا الأمر.”
رمشت بعيني وأنا أتذكر حكايةً سمعتها عرضًا من قبل، عن أن المراهنة بكل شيءٍ على الحب بين الشبان النبلاء هي موضةٌ قديمة جدًا.
تخيلت وجوههم، أولئك الذين لن ألتقيهم أبدًا. هل سيبدون شبيهين بدانيال غوين وهو يهمس لي بحبه؟
أم ربما أكثر نقاءً قليلًا من ذلك.
….لم أكن أفكر أن حب دانيال غوين غير نقي، لكن الفكرة خرجت على نحوٍ غريب. فرمشتُ بعيني وطردتها.
“لو كنتُ أنا رجلًا نبيلًا رائعًا، لما استطعتُ حتى تخيّل عدم إرسال الزهور إلى الآنسة.”
“هذا بديهي.”
“وما الجدوى من كل ذلك أصلًا؟”
لم تفتح إيزابيل فمها، التي ظلت صامتة، إلا في تلك اللحظة.
“إنها أشياءٌ يمكن شراؤها أو رؤيتها حتى دون أن يمنحها أحد.”
وكان في كلامها ما يثير الريبة.
فمنذ أيام، لم تكن على طبيعتها. ثم جاءت الجملة التالية لتضع نقطةً حاسمة فوق شكوكي تجاهها.
“أقصد، خارج القصر.”
لم أجب، واكتفيت بالنظر إليها بصمت. و لم تتجنب إيزابيل نظري، ولم تحدّق بي على نحوٍ يثير الريبة، لكن ذلك لا يعني أن الشك قد تلاشى.
وبينما استمر الصمت الثقيل للحظات، دخلت خادمةٌ الغرفة وكأنها جاءت بطلبٍ ما، فكسرت الأجواء.
يبدو أنها التقطت المواجهة الخفية بيني وبين إيزابيل، إذ دخلت مسرعةً بصمت، فيما سارعت إحدى الخادمات اللواتي كنّ يسرّحن شعري إلى تغيير الموضوع على عجل.
“هذا صحيح! أي باقة زهورٍ تدخل هذا القصر ستشعر فورًا بأنها رديئةٌ وتهرب خجلًا. آه، لكن للأسف، لا تمتلك باقات الزهور وعيًا ذاتيًا.”
ويبدو أن الخادمة التي دخلت للتو أرادت المشاركة في الحديث، ففتحت فمها.
“ولهذا، فإن السيد قد تولّى الأمر بدلًا من ذلك—”
لكنها توقفت عند هذا الحد حين التقت عيناها بعيني إيزابيل، وكأنها أدركت أنها ارتكبت خطأ.
ساد صمتٌ غير طبيعي، وتحوّلت أنظار الجميع في الغرفة، بمن فيهم الخادمات الأخريات، نحوها.
وبينما كانت تتفقد ردود الأفعال، ولا سيما رد فعل إيزابيل بقلقٍ واضح، وحين رأت إيزابيل تحيد بنظرها وكأن الأمر لا يهم، تابعت كلامها أخيرًا.
“….ولهذا، قام السيد بإحراق كل الرسائل والزهور أمر بإعادتها إلى مرسليها.”
كنتُ أظن أن ضجيج المدخل في الأيام الأولى بعد خروجي كان غريبًا بعض الشيء، ويبدو أن هذا هو السبب.
وبعد أن أُعيد كل شيء، لم يعد أحدٌ يفكر في الإرسال، فحلّ الهدوء.
ويبدو أن رزم الأوراق الموضوعة على الصينية التي حملها الخادم المتردد أمام باب غرفتي لم تكن سوى رسائل موجّهةٍ إليّ.
“….…”
وعلى عكس براءتي، بدا أنهم يشعرون بأسفٍ حقيقي لأن دانيال غوين أعاد كل تلك الرسائل والزهور.
“لا بد أنها كانت أكثر حتى من رسائل الزواج التي كانت تصل إلى السيد!”
“من الواضح أن الرجال أكثر جرأة، والآنسة….الآنسة جميلةٌ حقًا، حقًا!”
حتى وأنا أبتسم دون تعليق، استمر الكلام.
شعرتُ بالارتياح لأن سيد القصر لم يسمع ما قالوه للتو. فهم لا يدركون أن كلماتهم العابرة خدشت موضعًا حساسًا لدى أحدهم بدقةٍ موجعة.
أعرف هذا النوع من الكلام الخفيف الذي يصدر عن جهل، حين يُكشَف الشوق والنقص بلا اكتراث. وأعرف جيدًا كم يمكن أن يكون مزعجًا.
أنا لستُ جاهلةً بنقصه، ولا بهوسه، ولا بذلك الشوق أو الشعور بالدونية.
ومع ذلك، هو يحبني. وكان هذا الواقع حتى الآن هو كل أعذاري.
ولا أرغب في معرفة ما قد تكون نهايته إن تصرّف شخصٌ لم يحظَ بحبه على هذا النحو.
وبما أن الخادمات لا يعرفن شيئًا، فقد واصلن الحديث بلا توقف.
“من المؤسف حقًا أنكِ لم تري ذلك بنفسكِ. كان مدخل القصر مكدسًا بالزهور المرسلة إليكِ….لا بد أن كل أزهار العاصمة قد توجّهت إلى هنا.”
قالت أن الزهور التي نُسيت فصولها كانت تملأ المدخل، حتى بدا كأنه دفيئةٌ مزينة بالسحر.
ولو كانت هناك حشراتٌ في سباتها الشتوي، لظنت أن الربيع أو الصيف قد حلّ واستيقظت.
وأنا أنظر إلى الخادمة التي راحت تسهب بحماس، لم أستطع إخفاء ضحكةٍ ساخرة أفلتت دون قصد.
وعلى عكس ما تمنّينه وهمسْنَ به لي، لم أملك القدرة على تحسين أوضاعهن، لكنني أستطيع طردهن. و وبدون سببٍ واضح، بدا لي ذلك فجأةً مضحكًا.
….أنا لستُ الشخص الذي يمكنه أن يصبح سيدة هذا القصر. ولا أملك حق التدخل في مصير الخدم.
سأبقى دائمًا حبيبته فقط. واحدة من بين “الحقائق” الكثيرة التي تملأ هذا القصر.
وخلاصة كل ما يتهامسن به واحدة.
“السيد يحب الآنسة إلى هذا الحد.”
___________________
واو تجنن يوم قالت انها تستوعب هوس دانيال تجنن
وايزابيل وش الي مغيرها غريبه؟ او انها لاحظت هوس دانيال؟
المهم كذا احس دانيال يحب اليانور وخلاها معه عشان الكمال
دامه ماله لقب بس وسامته لازم ياخذ اليانور بعد عشان يكتمل ✨
التعليقات لهذا الفصل " 43"