تجوّلت طويلًا داخل المكتبة قبل أن أختار كتابين.
وأنا أخرج من المكتبة حاملةً الكيس الذي وُضعت فيه الكتب، سألني دانيال غوين.
“لماذا لم تشترِ تلك الرواية؟”
كان يقصد الرواية التي أشار إليها بيده، تلك التي يُقال أنها مشهورةٌ بين الشابات.
“يبدو أنها ممتعةٌ ما دامت تُباع بكثرة.”
وبسبب الهواء البارد الذي اندفع فجأةً نحوي، نظّمت أنفاسي ثم أجبت.
“….فقط، شعرتُ أنها لن تكون على ذوقي.”
وخلال ذلك كان نهار الشتاء القصير يميل إلى الزوال، وكأن دانيال غوين كان قد استدعاها مسبقًا، توقفت العربة في الجهة المقابلة من الشارع.
ونحن نسير نحوها، سألني مجددًا.
“حقاً؟”
“نعم.”
لم يسأل أكثر، واكتفى بمساعدتي على الصعود إلى العربة. وهكذا عادت العربة إلى القصر.
لم أشعر أن الوقت طال، لكن بما أن أيام الشتاء قصيرة، فلن تمر سوى ساعتين تقريبًا قبل أن تغيب الشمس.
ورغم أنه لا يبدو أن لديه سببًا للبقاء إلى جانبي أكثر، إلا أنه لم يغادر.
ما إن عدنا إلى القصر حتى بقي معي طويلًا، دون أن يتجه إلى مكتبه أو مكتبته.
يبدو أن ما قاله عن عدم وجود ما يستدعيه كان صحيحًا.
جلس مقابلي إلى طاولةٍ أُعدّت على عجل، لكنها كانت وافية، وكان أول ما فعله أن أخرج منديلًا كان يحتفظ به في جيبه الداخلي.
“لحظة.”
قدّم لي فنجان الشاي ثم أوقف الخادم الذي كان يهمّ بالانصراف.
عاد الخادم بانحناءةٍ مهذبة وهو يبدو متفاجئًا قليلًا، وأمره دانيال غوين أن يضع هذا المنديل على طاولة مكتبه.
تابعت ظهره المنصرف وهو لا يزال مطأطئ الرأس.
حينها استفقتُ، و وجدت دانيال غوين ينظر إليّ.
رمشتُ بعينيّ بارتباك، ثم غيّرت الموضوع بصعوبة.
“….هل أطرّز لكَ ربطة عنقٍ في المرة القادمة؟”
“….…”
كنتُ أظنه سيُعجب بذلك، خاصةً أنه طلبها سابقًا، لكن يبدو أن الأمر ليس كذلك. فلم يأتِ الرد سريعًا.
“إن أردتَ ذلك. بدا لي أنكَ أحببتها.”
وحين لم يأتِ الجواب، اكتفى بالنظر إليّ بصمت، ثم ردّ وكأنه أدرك شيئًا، وبنبرةٍ مازحة.
“يا للأسف. في الحقيقة هذا سر، لكنني لا أحب ربطات العنق.”
هززتُ رأسي، وأنا أفكر أن نبرته بدت غريبة، كأن فيها شيئًا من الإرهاق. ولم أشعر بخيبة أملٍ كبيرة، فأنا لم أكن مصمّمةً على تقديمها كهدية.
لم يكن من المهم أن أتذكر تغيّر ألوان وخامات ربطات العنق التي كان يرتديها كلما زارني.
مقارنةً بتلك الكمية التي لا تُحصى، ما قدّمتُه أنا يبدو بائسًا إلى حد مثيرٍ للشفقة. ولن يُرضي ذائقته الجمالية على أي حال.
ورغم قوله أنه لا يحبها، ابتسم وكأنه يريد أن يمرر كلامه دون إكماله، واقترح عليّ بنبرةٍ توحي بأن اقتراحي أسعده.
“إذًا، شيءٌ آخر سيكون أفضل.”
فأجبتُ بسذاجة.
“أنا، لا أملك ما يمكن أن أقدّمه.…”
و ابتسم وهو ينظر إليّ كما ينظر شخصٌ إلى طفلٍ قدّم لوالديه دميته المفضلة على أنها هدية، ثم ردّ،
“وما الشيء الذي قد أرغب بتلقيه من إليانور؟”
صحيح، فالقصر يضم كل ما هو نفيس، لذا كان سؤالي مضحكًا بعض الشيء.
وكأنه لا يريدني أن أشعر بالحرج، تابع كلامه مباشرة.
“الأمر ليس متعلّقًا بالأشياء.”
لكنه لم يقل ما الذي يريده، وساد صمتٌ قصير، ثم بدا أنه استمتع بفكرة الهمس بسرّ لي، فتمتم لنفسه وضحك بخفة.
“لن يكون هناك من يعرف أسراري بقدر إليانور.”
وخلال الحديث، بدا أن الشاي قد نُقع تمامًا، فسكبه في الفناجين.
نظرتُ إلى لون الشاي الصافي، يتصاعد منه بخار دافئ. بلونٍ ذهبيٍ صافٍ.
لا أعرف الكثير عن الشاي، لكنه بدا فاخرًا من لونه ورائحته. فمن الأصل، لا يبدو أنه سيسمح بدخول شيء عاديٍ إلى هذا القصر.
“هل تحبين الشاي؟”
“لا أدري. لم أتعلمه بشكلٍ خاص.”
“حقاً؟ في الحقيقة، أنا أيضًا لا أحبه كثيرًا ولا أعرفه جيدًا.”
يبدو أن أوراق الشاي النادرة لم تكن شيئًا اشتراه خصيصًا. ومع ذلك، شعرتُ أنها تناسبه.
“لكنني أعرف على الأقل أن شربه بعد الخروج في البرد يدفئ الجسد.”
وعندما قال لي أن أشربه قبل أن أصاب بالزكام، ابتسمتُ دون مقاومة، ولامست شفتيّ حافة الفنجان.
وحين وضع فنجانه، سألني.
“إليانور، ما أكثر شيءٍ أعجبكِ مما فعلناه اليوم؟”
وضعتُ فنجاني بدوري، وبعد لحظة تفكير قصيرة، أجبتُ.
كان جوابًا نابعًا من استرخاء سببه دفء الشاي.
“كان كل شيءٍ ممتعًا….لكن المكتبة هي الأكثر بقاءً في ذاكرتي.”
نظراتٌ تتجه إليّ لحظة فتح الباب ثم تنصرف فورًا.
تجربةٌ غير مألوفة بالنسبة لي، فقد اعتدتُ دائمًا أن أكون موضع تجاهلٍ مُتعمّد أو مراقبةٍ مليئة بالفضول.
رفعتُ بصري الذي كان معلّقًا بماء الشاي، ومعه ارتفعت الفكرة ذاتها، فأدركتُ أنني أخطأت.
في الأصل، لم يكن يبدو مستمتعًا كثيرًا في المكتبة. فأسرعتُ أضيف.
“بالطبع، لو خرجنا معًا إلى أي مكانٍ لكان ممتعًا. الشارع والنافورة كانا رائعين حقًا.…”
كلما واصلتُ الكلام بدا كأنه تبريرٌ بائس، فصمتُّ في النهاية. و راودني القلق من أن يكون قد خاب أمله بي.
“إليانور، لماذا تتوقفين عن الكلام فجأة؟”
لم يكن سؤاله على سبيل اللوم، بل بنبرة فضولٍ صادق، ومع ذلك راقبتُ تعابيره للحظة، فالتقط ذلك و أكمل.
“….هل تقلقين من أنني قد أغضب؟”
لم أجب، لكنه واصل حديثه كأنه يعرف كل شيء.
“يبدو أنني لم أمنح إليانور شعورًا كافيًا بالأمان. إن شعرتِ أنني غضبتُ أو ضغطتُ عليكِ، فأنا آسف. خطئي أن جعلكِ تتلقين الأمر بحساسية.”
وهو يضيف ذلك، بدا وكأنه لا يريد أن يتركني أحمّله أي لوم.
“لا، ليس كذلك.”
أجبتُ على الفور، ومع ذلك شعرتُ بالارتباك.
“إذًا فهذا مطمئن.”
فابتسم بلطف، وكأنه يفهم كل شيء.
“الأمور التي تبقى في الذاكرة ليست بالضرورة هي الأكثر متعة. في المرة القادمة سيكون الأمر أمتع.”
ومع إيمائي برأسي، خطرت لي فكرةٌ غريبة؛ أن اعترافاته كلها بالحب، وتلك الجملة التي قالها الآن، لا تختلف كثيرًا في جوهرها.
“….هل يحق لي أن أتطلع لذلك؟”
“بالطبع. إن كانت إليانور ستتطلع، فذلك أمرٌ أشكرها عليه.”
لم يكن الأمر متعلقًا بصدق المشاعر. بل كان إحساسًا عابرًا بأنني لمحتُ شيئًا من هوسٍ أو غرور، أو شيئًا آخر كامِنًا تحتهما.
لكنني، كما اعتدتُ دائمًا، اكتفي بأن لا أنبش ولا أبحث، وأن أبقى ساكنة.
كما فعلتُ حين رفضتُ أولئك الذين حاولوا أخذي سرًا بعد انتهاء “الوليمة”. وكما تركتُ الحديقة التي دُفن فيها صندوقٌ مجهولٌ على حالها.
لأن التنقيب لن يغيّر شيئًا. حتى لو تبعتهم، لما خرجتُ من القصر، وحتى لو حفرتُ الفناء الخلفي، فلن يتغير صاحب هذا القصر.
“أفكر أحيانًا في هذا، لكن هل تعلمين أنكِ تبدين أكثر سعادةً حين تخرجين؟ يؤسفني أنكِ لا تكونين كذلك داخل القصر….ومع ذلك، فمتعتكِ هي فرحي.”
نعم. من غيره سيحبني هكذا، ويخرج بي، ويعاملني بهذه الطريقة دون أن أضطر إلى الهمس بطاعةٍ أو خضوع؟
إنه يحبني. كما أولئك الذين لم يستطيعوا أن يزيحوا أنظارهم عني في الشارع اليوم، وكذاك الصبي الذي احمرّت وجنتاه حين رأى ابتسامتي.
“لكن بما أن الطقس سيزداد برودة، ما رأيكِ أن نؤجل الخروج القادم إلى أن يدفأ الجو؟”
حين قال أننا سنخرج عندما يدفأ الطقس، شعرت بدوارٍ خفيف وأنا أحدّق في المنحنى الذهبي الذي انثنى برقة.
“أليس هذا مناسبًا، إليانور؟”
وهكذا، وحتى يحين موعد الخروج القادم، سأبقى هادئة، وجميلة.
“سأكون بانتظار مدى المتعة التي ستأتي.”
قلتُ ذلك وابتسمتُ متظاهرةً بعدم المعرفة.
اليوم بالكاد أكمل شهرًا منذ وطأت قدماه هذا القصر للمرة الأولى بصفته مالكه. وما زال من المبكر الحديث عن ختام الشتاء.
“بالطبع، حينها لن تشعري بخيبة أمل.”
“لم أشعر بخيبة أملٍ من قبل.”
“هذا مطمئن! إليانور لطيفةٌ حقًا.”
وهكذا استمر الوقت الدافئ الذي أقضيه مع دانيال غوين.
***
الكتابان اللذان اخترتهما من المكتبة كانا دليلًا نباتيًا ونصًا مسرحيًا.
قضيتُ تلك الليلة أقرأ حتى الصباح.
وعند انبلاج الصباح، وقعت عينا إيزابيل على الكتب الموضوعة على الطاولة الجانبية قرب السرير، ثم عادت بنظرها إليّ.
“إن كنتِ ستنامين، هل أطلب من الخدم ألا يوقظوكِ؟”
“افعلي ذلك.”
“….حتى لو استدعاكِ السيد؟”
تلاقت أعيننا. و ظللتُ أنظر إلى إيزابيل التي لم تحِد بنظرها، وكأن التحديق لن ينتهي، ثم أجبتُ.
“إن استدعاني، فأيقظيني.”
أجابت إيزابيل بأنها فهمت، وغادرت الغرفة.
وعلى أي حال، في ذلك اليوم، لم يوقظني أحد.
____________________
مره غريب دانيال ليه مسوي انه طفش منها؟
والحين عطاها حبسه مؤقته وصدق بيطلعها لا خلص الشتا؟
واليانور حسبتها صدق واقعه له بس هنا صايره كأنها تسايره وتماشيه اهم شي انه يحبها وانها جميله✨
انفدا غموض ونفسية الروايه🤏🏻
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 42"