مرّ بجانبي عاشقان يتجهان إلى مكانٍ ما وهما يبتسمان.
بدا كأن لوجهتهما وضوحًا، فقد كان يمشيان بسرعةٍ تكاد تكون ركضًا.
بينما راقبتهما، سألتُ دانيال غوين.
“إلى أين نذهب؟”
“لا أدري.”
خفّف سرعته، ثم اقترب إلى جانبي، وسار موافقًا خطاي وهمس.
“إلى المكان الذي تريد إليانور الذهاب إليه.”
ما إن صار بجانبي حتى توقّف ترددي المتباطئ. و توقّف قليلًا أمامي ثم التفت نحوي وسأل،
“هل هناك مشكلةٌ ما؟”
ترددتُ لأنني لم أستطع ترتيب ما أريد قوله، بينما انتظرني هو بصبر.
وفي النهاية، لم يكن السؤال الذي خرج من فمي منطقيًا ولا فعّالًا.
“لماذا أخرجتني من القصر؟”
اتخذ تعبيرًا لا يفهم للحظة، ثم أجاب بوضوحٍ دون أن يتركني أنتظر.
“أليس هذا ما أردتِه؟”
لكن ما نفعله الآن هو ما يريده هو.
“….…”
“آه، صحيح. في الحقيقة، أنا من أراد ذلك.”
أمورٌ غير مميزة على الإطلاق؛ مشاهدة مسرحيةٍ معًا، تبادل انطباعاتٍ تافهة، والمشي في الشوارع دون وجهة، تصرّفاتٌ عادية لعاشقين. كان هذا ما يريده، ولذلك فقدتُ الكلام.
كما لو أنني أقرأ مقطعًا أحببته من كتابٍ مرارًا، فإن هذه الكلمات، التي قد تكون لكَ مجرد لحظةٍ عابرة من الجرأة، سأظل أستحضرها مئات المرات.
شعرتُ بأن وجنتيّ قد احمرّتا، وتظاهرتُ بوقاحةٍ أن السبب هو رياح الشتاء الباردة رغم دفء الشمس، ونظرتُ إليه بثبات.
“….إليانور؟”
رأيتُ رجلًا يشبهني تمامًا، ربما بسبب الشتاء أيضًا، قد احمرّ طرف أنفه ووجنتاه.
كان يرتدي القفازات والمعطف نفسيهما اللذين ارتداهما حين وطئت قدماه القصر رسميًا للمرة الأولى، لكن تعبيره كان مختلفًا كليًا.
ما زال على هيئته الأنيقة، وجهه جميل، وينظر إليّ بعينين تحبانني.
رجل أعمالٍ جميل، ابن سيدةٍ نبيلة وأخٌ لكونت. رجلٌ يعيش بين الناس، بثروةٍ ورفاهيّة، هكذا هو.
“فقط.”
شارعٌ صاخب، عادي إلى حد القبح، مليءٌ بأناسٍ ناقصين وغير مكتملين.
وفي وسطهم، أنت وحدكَ كامل. جميلٌ إلى حد العذوبة. مميّزٌ إلى حد الإرباك.
ولهذا، أنتَ الوحيد لي.
فكّرتُ أن هذا المشهد سيكون إلى الأبد مصدر غيرتي وفرحي معًا.
“فقط؟”
“….لا شيء.”
ثم ابتسم بوجهٍ يفهم كل شيء، ولم يستفسر أكثر.
كان شارع ما بعد الظهر مزدحم، لكنه ليس فوضويًا ولا مربكًا. بل كان وقتاً مريحاً.
ظلّ الرجل يشرح لي عن الشارع طويلًا.
مثلًا، قال أن محل الزهور الذي مررنا به للتو يبيع في يومٍ واحد فقط من السنة جميع باقاته لسيدةٍ واحدة ثم يغلق أبوابه، ولا أحد يعرف من تكون متلقية تلك الباقات.
أو أن المقعد الموجود في الظل قرب الدرج مشهورٌ بأن الرجال الذين رُفضوا من قبل امرأةٍ سيئة الطبع يجلسون عليه دائمًا، لذلك يُسمّى “مقعد التنهد” أو “مكان الخاسرين”.
“يبدو أن تلك السيدة مرحةٌ جدًا.”
“أكثر مما تتخيلين. غريبة، مهووسة. سيئة الطبع.”
“….هل التقيتَ بها من قبل؟”
“نعم، مرةً واحدة. ذهبتُ أطلب منها أن تريني ما تملكه—”
سكت لحظة وكأنه تذكّر شيئًا، ثم غيّر الموضوع.
“إذا دخلنا ذلك الزقاق، سنصل إلى شارعٍ تصطف فيه قصورٌ جميلة. تلك المرأة تعيش هناك أيضًا.”
وأضاف وهو يحكي أن إحدى حجارة الأرض هناك تحمل أثر رصاصةٍ أُطلقت على باقة زهور.
“لكن في النهاية، كلها مجرد شائعات.”
وصلنا بعد ذلك إلى أمام نافورة. وبسبب البرد لم يكن الماء يتدفق، فبدا المشهد موحشًا بعض الشيء، لكن كان هناك كثيرٌ من الناس يتجولون حولها.
رفعتُ بصري وأنا أرى طبقة الجليد على سطح الماء الراكد.
كان التمثال في وسط النافورة حورية، تحمل جرة ماء. رغم أن الماء لا يجري الآن، فإن ماء هذه النافورة لن يجف أبدًا، ولذلك لن تموت.
“يبدو أنها تُسمّى نافورة العشّاق.”
الشرح الذي أُضيف من جانبه زاد حيرتي. فمهما نظرت، لا يبدو تمثالًا يناسب العشّاق. ليس ملاكًا صغيرًا يحمل سهمًا ذهبيًا.
“لا تبدو مناسبة، أليس كذلك؟”
لم أستطع نفي ذلك ولا تأكيده، و نظرتُ إليه بحرج. فضحك ضحكةً خفيفة حين رآني.
“حسنًا، هناك الكثير من القصص. يُقال أن تمثال شابٍ كان موجودًا معها في الأصل، لكنه تضرر فتمت إزالته دون إصلاح.”
توقف قليلًا، ثم مسح حافة النافورة التي كان يتكئ عليها بيده المغطاة بالقفاز، وتمتم متابعًا.
“وبما أن التمثال ينظر إلى الأعلى، فقد تكون عاشقةً للشمس أو القمر. أو ربما تحب صورتها المنعكسة في الماء.”
نظرتُ إلى النافورة التي لا تعكس شيئًا بسبب طبقة الجليد الرقيقة، وأجبتُ.
“قصصٌ ممتعة.”
“وأنتِ، ماذا تظنين يا إليانور؟”
حوّلت نظري إليه، وأدركتُ أن لا أحد يلتفت إلينا. لأن العشّاق هم أبطال عالمهم وحدهم، ولا أحد سواهم مهم.
ثم تحوّل نظره الموجّه نحوي إلى الماء الراكد في النافورة، إلى ذلك الموضع المتجمّد.
وأنا أحدّق، على غير انسجام، في الحورية القائمة في “نافورة العشّاق”، أجبتُ.
“….لا أدري، ربما كان هناك في الأصل مبنى مقابل هذه النافورة، وُضع فيه تمثالٌ نُحت على هيئة من أحبّته تلك الحورية.”
من جانبي، سُمِع مجددًا صوت ضحكةٍ خافتة يتسرّب معها الهواء.
“قصةٌ ممتعة. إذًا، ينبغي أن تُسمّى هنا نافورة الحب من طرفٍ واحد لا نافورة العشّاق.”
“….ستنخفض الإيرادات إذًا.”
أجبتُ وأنا أنظر إلى العملات المتراكمة عند قدمي الحورية.
ألن يختفي العشّاق الذين يلقون العملات وهم يقسمون على الأبدية؟
وبينما أراقب دانيال غوين وهو يضحك بخفة، شمخت أنفي فجأة، ثم انتبهتُ بدهشة. يبدو أنني مكثت طويلًا في البرد دون أن أشعر.
“إليانور. هل تشعرين بالبرد؟ هل ندخل إلى مكانٍ ما؟”
لأنه لم يقل لنعد إلى القصر، شعرتُ بفرحٍ صغير، وأجبتُ بذهول. لعل رأسي أيضًا تجمّد من شدة البرد.
“إن كان هناك مكانٌ ندخله.”
تفحّص ما حوله للحظة، ربما كان ينظر إلى مبنى أو إلى الناس، ثم أجاب وكأنه وجد ما يرضيه.
“حسنًا، سيكون الأمر خطيرًا إن أصيبت إليانور بالزكام مرةً أخرى.”
لم أرَ ما رآه، واكتفيت باتباعه. و المكان الذي أراد دخوله بدا وكأنه مقهى، لكن ما جذب بصري كان مكانًا آخر.
وكأنه لاحظ أنني لا أستطيع أن أزيح نظري عن النافذة الكبيرة الممتدة على الجدار الملاصق للشارع، تحقّق دانيال غوين مما كنتُ أنظر إليه وسأل.
“هل تريدين الذهاب إلى المكتبة؟”
ترددتُ قليلًا، ثم أومأت برأسي.
“إن كانت إليانور تريد ذلك، فعلينا الذهاب.”
ما إن فتحنا الباب ودخلنا حتى رنّ جرسٌ صافٍ.
كان المكان مختلفًا تمامًا عن المكتبة الخاصة. كتبٌ لا تنحاز إلى ذوق أحد. وصاحب متجرٍ لا سبيل لمعرفة أي كتابٍ اطلع عليه الزبون.
الناس الذين كانوا يختارون كتبهم رفعوا رؤوسهم عند صوت الجرس والحركة، و نظروا إلينا، إليّ وإلى دانيال غوين بالتناوب، ثم أعادوا أنظارهم إلى كتبهم.
“……”
لم يكن ذلك تجاهلًا متعمّدًا ولا احتقارًا، بل لأنني ببساطة أقل قيمةً من الكتب.
كان شعورًا غريبًا بعض الشيء، لكنه لم يكن سيئًا كما توقعت.
وبجواري، سأل دانيال بتعبيرٍ مبهم.
“إليانور، هل تحبين الكتب؟”
إن كنت أحبها، فلا أدري. لستُ مولعةً بالقراءة حدّ الاستمتاع الشديد.
و إن كان الأمر شغفًا مؤجَّلًا، فربما. إذ لم يكن مسموحًا لي بالكثير من الكتب.
“….لا أعرف. في القصر لم يكن لدي ما أفعله كثيرًا، وكتب المكتبة لم تكن على ذوقي، فتوقفتُ عن الذهاب سريعًا.”
“….…”
لم يرد، كأنه يصغي فحسب.
“لكن، نعم. لا أظن أنني أكرهها.”
من بين هذه الكتب الكثيرة، لا بد أن هناك كتبًا مرّت بين يديه.
ربما لم يبلغ في ثقافته الأدبية مبلغ الكتّاب، لكنه يستطيع أن يشرح لي نوع الخط أو أسلوب التنضيد المستخدم في القصص التي اختارها.
التفتّ أنظر إليه، إذ بدا وكأنه لا ينوي التحرك.
كان هذا جزءً من حياته، من العمل الذي جلب له المال وشكّل أساس هواياته، فظننت أنه سيرحّب بالأمر، لكنه بدا مترددًا.
هل لأنني لم أقل أنني أحب الكتب، بل قلت فقط إنني لا أكرهها؟ وبينما حدّقتُ فيه بصمت، بدأ يتحرك ببطء.
“نعم، القراءة أمرٌ ممتع. تختبرين من خلالها زوايا جديدة وعوالم لم تتخيليها.…”
ومع تحركه، دون أن يدفعني أو يلمّح، وجدتُ نفسي أتقدّم كأنني مندفعة، ولم أستطع التوقف عن اختلاس النظر إليه من فوق كتفي.
“وهكذا، يمكنكِ أن تحلمي حتى بأحلامٍ واهية.”
قال ذلك وتوقف، مشيرًا إلى كتابٍ بدا وكأنه مصادفة، روايةٌ تحمل عبارةً دعائية تقول أنها مشهورةٌ بين الشابات.
وحين بقيتُ أحدّق في الكتاب بصمت، سحب يده بسرعة كما لو أنه التقطه صدفة، وابتسم بلا اكتراث.
“حسنًا، هناك من يرى أن هذا هو فضلها. فالجسد مقيّد هنا، لكن الخيال بلا حدود.”
“….صحيح.”
ثم ظلّ واقفًا بهدوءٍ يراقبني بينما كنتُ أختار كتابي.
___________________
كأنه ما يبيها تقرا؟ انت الي مطلعها طيب 😘
المهم اتمنى بعد ذا الطبيعيه في الفصول الاخيره تجي دفعة نفسيه كذا ثم يرجعون طبيعيين😂
التعليقات لهذا الفصل " 41"