“هل أنتِ حبيبة السيد؟”
لم يكن في القصر خادمٌ واحدٌ يجهل أن السيد الشاب يهمس بالحب لـ”الآنسة” التي تعيش في القصر.
و كان بين الخدم الصغار السن وعديمي الخبرة من يتهامسون بأن الأمر رومانسي، لكن….حسنًا.
“….إلى حدٍّ لا يستطيع معه المرء إلا أن يحبكِ.”
تذكرت تلك الليلة التي أجابت فيها بذلك للمرأةَ التي سألتها عن مدى جمالها.
وفي الوقت نفسه، وجدت إيزابيل مارليير نفسها وقد أشفقت، بوقاحة، على المرأة نفسها الواقفة أمامها.
“….…”
و حاولت أن تُرجع هذا التغيّر في نفسها إلى التقدّم في العمر فحسب. أليس من الطبيعي أن يتغيّر الإنسان حين يكبر؟
غير أنها ابتلعت إحساسًا غامضًا بأنها لن تستطيع العمل في هذا القصر طويلًا بعد الآن.
وليس السبب مجرد ذلك الشخص المألوف والغريب في آنٍ واحد الذي كان يكلّمها قبل مدة.
ولا لأن العمر يتقدّم فحسب.
تذكرّت تلك الليلة التي حطّمت فيها إليانور كايل أثاث الغرفة كمن أصابتها نوبة.
واليوم نفسه الذي هربت فيه إيزابيل كمن تفرّ من امرأةٍ كانت تنظر إليها باستغرابٍ وتقول أنها تشعر بالقلق فجأة.
قد تكون المرأة جميلةً بالأمس، وبالأمس الذي قبله، واليوم، وغدًا أيضًا. لكن هذا لا يعني أنها ستبقى على حالها.
ستَموت وهي جميلةٌ بالتأكيد. لكن هل سيكون ذلك الموت بإرادتها الكاملة؟
فالجامعون، إن بدأ مقتناهم يتلف، لا يترددون في تحويله إلى محنّطٍ أو عيّنة، أو التخلص منه تمامًا.
فتذكّرت إيزابيل مارليير حين كانت المرأة فتاة، وحين كانت الفتاة طفلة.
ولذلك، حين تفكر في اليوم الذي ستشيخ فيه المرأة، وتختفي من القصر بأي طريقةٍ كانت، اعتراها شعورٌ بالضياع.
حينها، ستظل الجواهر تلمع، وستبقى الفساتين كما هي. وحدها إليانور كايل، تلك التي كانت يومًا ما، لموسم، أو لعمرٍ كامل، مالكةً لكل ذلك، هي التي ستختفي.
لم تقل إليانور كايل أنها لن تتلقى العلاج من طبيب القصر، لكنها في الأصل ليست مريضةً مطيعة.
جسدٌ واهن، طبعٌ شديد الحساسية. وتصرّفاتٌ عصبية أحيانًا.
حتى إن وُصفت لها الأدوية، إن جعلت بشرتها شاحبةً أو لم تعجبها، فإنها لا تتناولها.
وهي كثيرًا ما تتخطى الوجبات، ولا تتحرك بحجة أنها لن تخرج من القصر على أي حال.
وهكذا، كانت وصفة ويليام تينيسون الذي زارها بعد الظهر هي نفسها اليوم أيضًا.
***
هذا هو الطبيب الذي إلتقيتُ به كل شهرٍ طوال أكثر من عشر سنوات.
حين إلتقيتُه أول مرةٍ كان شعره قد بدأ يشيب، أما الآن فقد أصبح أبيض بالكامل. وقد كانت عيناه الحذرتان تختبئان خلف النظارات.
يبدو أن الشيخ الذي اعتاد فحصي بالسماعة فوق ثوبي الأبيض الداخلي تفاجأ بملابسي الجديدة. لكنه لم يقل شيئًا، وواصل الفحص.
“….…”
كان الطبيب المتأنّي يفحصني دائمًا بصمت.
وبعد أن انتهى من تفقد الجفون، وتجويف الفم، وقياس النبض، طرح السؤال نفسه كل مرّة.
“هل هناك موضعٌ يزعجكِ تحديدًا؟”
“هل تنامين جيدًا؟”
“أنتِ لا تتخطين الوجبات، أليس كذلك؟”
وكانت إجابتي دائمًا واحدة.
لا، نعم، نعم.
والوصفة دائمًا واحدة. حتى إن لم يأتِ النوم، الاستلقاء على السرير ومحاولة النوم.
النوم نومًا عميقًا حتى لو كان بالدواء.
الالتزام بوجباتٍ متوازنة غنيةٍ بالعناصر الغذائية وعدم تفويتها.
عدم الجلوس أو الاستلقاء بلا حركة، بل التحرك بنشاط.
تشخيصٌ لا يتغير، ولا يُتبع.
نطرتُ من النافذة المطلة على الحديقة إلى ظهر الطبيب وهو يغادر بعد انتهاء الفحص.
كان ويسلي إينيل قد فتح البوابة الكبرى لويليام تينيسون. وما إن خرج الطبيب مرتديًا معطفه الرمادي، حتى أعاد كبير الخدم إغلاق باب الخزنة الخضراء بإحكام.
وهكذا، لم يبقَ في القصر سوى صاحبه، والخدم، والمقتنيات التي يعتز بها السيد.
أخذتُ قيلولةً قصيرة ثم استيقظتُ من النوم وجلستُ شاردة، ثم خرجتُ من الغرفة.
لأنني، على الأقل اليوم، لم أرغب في الجلوس داخل الغرفة منتظرةً أحدًا بلا نهاية.
غرف المقتنيات في معظمها مغلقة، وحتى إن دخلتها فلا مكان فيها يصلح للراحة.
وصالون الطابق الأول مستبعد، إذ لا يُعرف متى قد يدخل ضيوف القصر الذين لا أعرفهم ولا يعرفونني.
أما المكتبة، فلا بد أن دانيال غوين موجودٌ فيها.
“….…”
فجأة، خطرت السيدة ببالي. فآخر مرةٍ إلتقيتُ بها كانت قبل ثلاثة أسابيع.
مهما كنتُ حبيسة الغرفة أو أمضي وقتي مع دانيال غوين، فعدم الالتقاء ونحن في قصرٍ واحد ليس أمرًا سهل الحدوث.
في النهاية، أمسكتُ بأحد الخدم المارين وسألته.
“أين السيدة؟”
تردد الخادم لحظة، ثم ضبط ملامحه وأجاب.
“ذهبت في رحلةٍ قصيرة.”
“….آه.”
“على الأرجح ستعود قريبًا.”
أومأتُ برأسي دلالةً على الفهم، فانحنى الخادم وانصرف.
و وقفتُ في الرواق قليلًا أفكر.
‘لا بد أنها ليست رحلة.’
ومع ذلك، لم أرغب في معرفة مكان السيدة أو وجهتها، لذلك لم أسأل.
يبدو أن دانيال غوين لا يزال يوليني اهتمامًا كبيرًا.
***
إلتقيتُ بدانيال غوين مجددًا بعد ثلاثة أيامٍ من معرفتي بأن السيدة قد ذهبت في “رحلة”.
في الخروج الثاني، وهو جالسٌ قبالتي في العربة، بادرني بالكلام.
“إليانور، هل هناك شيء؟ تبدين متعبة.”
“….ربما لأنني لم أنم جيدًا الليلة الماضية.”
“هل حدث شيءٌ ما؟”
لم أستطع أن أجيبه بأن السبب هو ترقبي للخروج، فاكتفيتُ برمش عينيّ المتعبتين.
كان بصري متجهًا نحو المنديل الموجود في جيب معطفه. إنه المنديل الذي أعطيته له قبل انطلاق العربة.
لا أستطيع أن أنسى التعبير الذي ارتسم على وجهه حين رأى قطعة القماش في يدي.
“ذلك، ….ليس أمرًا مهمًا، لكن.”
“يا إلهي، إليانور.”
نظر إليّ وإلى المنديل بالتناوب، وكأنه لا يصدق، ثم همس بإعجاب.
“يبدو أنكِ تدربتِ كثيرًا. لا جزءَ واحدٍ فيه مائلٌ أو ناقص….”
كان ذلك لأنني ظننتُ أن عليّ أن أفعل ذلك كي أنال رضاه.
أن يكون مثاليًا، بلا أي اعوجاجٍ أو خلل.
وخاصةً إن كان سيحمله معه ويُريه للآخرين.
لقد تعبت عيناي من كثرة إصلاح الخيوط المنفلتة والعقد الخاطئة هنا وهناك بلا توقف.
ولعله انتبه إلى موضع نظري، إذ اتسعت عيناه.
“آه، يا إلهي. إذًا كان الأمر بسبب المنديل.”
و تابع همسه بوجهٍ متورد.
“يبدو أنني أرهقتكِ دون داعٍ.”
“لا، ليس كذلك. ….فنحن عاشقان، أليس كذلك؟”
لم أستطع أن أجزم بأن وجهي لم يحمرّ وأنا أقول ذلك.
وبينما شعرتُ بالحرج، لاحظتُ أن أذنَي الرجل الذي كان يحدق بي قد احمرّتا، وفي تلك اللحظة توقفت العربة.
وبينما هممتُ بالنزول على عجل، أمسك بي وسأل.
“لماذا كل هذا الاستعجال؟”
“….لأنكَ مشغولٌ دائمًا؟”
فابتسم ابتسامةً توحي بأنه لا حيلة له.
“يا إلهي، يبدو أنكِ تآمرتِ مع ويسلي دون أن أشعر؟”
رغم أنه لم يستخدم الكلمات نفسها، تذكرت حديثنا في ممر الطابق الثالث من القصر.
“أعني، إليانور شريكتي في الجريمة.”
“شريكتكَ.…؟”
“أي أن إليانور وأنا في صفٍ واحد.”
ثم تابع كلامه مازحًا وهو يغمز بأنفه.
“اليوم أفرغتُ اليوم كله من أجلكِ! لا داعي للجري ومحاولة الهرب من ويسلي كما في المرة الماضية.”
“….مع ذلك، كان الأمر ممتعًا بطريقته.”
“إذًا عليّ أن أجعل الأمر أكثر متعةً من دون ويسلي.”
ثم فتح باب العربة بنفسه، ومدّ يده. فأمسكتُ بيده ونزلتُ من العربة.
لا أدري إن كان السبب هو تلامس أيدينا، لكن وجنتيّ احمرّتا. مع أننا تبادلنا في القصر العناق والقبل مرارًا.
حان الوقت الذي يذوب فيه الصقيع الذي تجمّد صباحًا تحت شمس الظهيرة.
وكان الشارع يعجّ بالناس. أشخاصٌ يرتدون معاطف شتويةٍ سميكة، يتجولون وأنوفهم ووجوههم محمرةٌ من البرد.
“هذا أكثر الأماكن ازدحامًا في الجوار، ولذلك بُني المسرح هنا.”
قال ذلك وهو يتقدم أمامي. لكن خطواته كانت بطيئة، كأنه بلا وجهةٍ محددة.
سرت خلفه وهو يرمق ما حوله بنظراتٍ لا تحمل معنى. و ظللت أحدق في ظهره طويلًا، ثم التقت عيناي فجأةً بعيني طفلٍ مرّ بجانبي.
و لأنه لم يصرف نظره عني لثوانٍ، ابتسمتُ له.
“….…”
يبدو أنني تجولت خارج المنزل طوال اليوم، إذ اشتعلت وجنتاي بحرارةٍ لا يمكن السيطرة عليها.
ولا بد أن أذنيّ المخبأتين تحت واقيات الفرو لم تكونا أفضل حالًا.
تردد الصبي قليلًا، لكن ما إن اتجه نظر دانيال غوين نحوه حتى احمرّ و فرّ هاربًا.
“يا إلهي، إليانور. هل أوقعتِ شخصًا آخر في الحب خلال هذا الوقت القصير؟”
“…. الأمر ليس كذلك.”
“لا أدري إن كان عليّ أن أُعجب بجمالكِ المذهل، أم أشفق على نفسي، أم أشعر بالفخر لكوني حبيبكِ.”
“….لا تسخر مني.”
“لستُ أسخر. فقط تذكرتُ نفسي قبل بضع سنوات.”
قال ذلك وكأنه كان قد التقى بي في طفولته. لكنني لا أذكر شيئًا من هذا القبيل، فلم أجد ما أجيبه به.
رغم أنه أطلق كلماتٍ ذات مغزى، ظل سلوكه هادئًا وكأن الأمر لا يعني شيئًا على الإطلاق، فلم أستطع أن أسأله، واكتفيتُ بمتابعة السير.
____________________
خساره حسبت الفصل بيخلص مع طلعتهم كامله
المهم اليانور دامها تبي تقعد حلوه طول الوقت اجل ليه تفوت وجبات غريبه حسبتها مهووسه في جمالها
بس ايزابيل يمه خلتني استوعب صدق تخيلوا يصير سي عشان تقعد حلوه طول الوقت💀
تصنيف الروايه مرتفع فما ظني نهايتها كذا وتصنيفها عالي الا اذا الناس انجنوا😘
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 40"