هززتُ رأسي لأطرد صوت إيزابيل الذي سمعته ذات يوم، ونظرات الخدم الغريبة.
ففكرتُ بفكرةٍ عبثية. هذه ليست مكافأةً كما يظنون. لم يكن سوى سوء فهم متطفّلٍ ووقح من جانبهم.
تذكّرتُ الحكاية التي رواها لي عن طفولته.
إرنست غوين، الذي حبس نفسه في هذا الملحق الذي أقيم فيه، لا يعود إلى القصر. والسيدة التي كانت تنتظر إرنست غوين بلا نهاية. وكينيث غوين، الغارق في حزن فقدان زوجته، ومع ذلك منشغلٌ بإدارة شؤون العمل ورعاية ابنه الصغير. وأخته غير الشقيقة التي غادرت المنزل منذ زمن.
وفي خضمّ ذلك كلّه، كان دانيال غوين يفرح بتفحّص المقتنيات التي تُنقل إلى القصر كما لو كانت مكافآت.
“حقًا، يبدو كأنكَ لم تُسلب شيئًا في حياتكَ قط.”
تلك الكلمات جعلت عينيه تهتزّان.
“في كل مرةٍ يحدث هذا، أشعر وكأنني أمامكِ أصبح أكثر إنسانٍ مكتملٍ في هذا العالم.”
جملةٌ تحمل في طيّاتها معنى أنه ليس في الحقيقة ذلك الشخص الذي تصفه.
“كنتُ وحيدًا جدًا.”
وهكذا، أجهدتُ نفسي لأصل إلى خلاصةٍ مفادها أن هذه هي طريقته في التعبير عن الحب.
كان الطقس باردًا. فدفعتُ الصندوق تحت السرير وغططتُ في النوم.
***
وقفت إيزابيل مارليير أمام باب غرفة إليانور كايل.
كان موقع إيزابيل في الغالب إلى جانب آنسة القصر، إليانور، بوصفها خادمةً في هذا القصر.
على مدى أكثر من عشر سنوات، كانت إليانور جميلةً بلا انقطاع. وبالنظر إلى ما يُبذل من عنايةٍ ووقت، كان لا بدّ أن يكون الأمر كذلك.
سبب وجودها الوحيد هو الجمال. والمهمّة الموكلة إليها هي أن تكون جميلة، لا شيء سواها.
وهكذا، تمضي أيامها على افتراض الجمال.
حتى أميرةٌ من مملكةٍ قديمة اندثرت منذ زمن بعيد، ربما لم تعش بهذه الصورة.
كانت إليانور تستيقظ متأخرةً في الصباح، قرابة العاشرة تقريبًا. وهكذا كان الحال دائمًا طوال تلك السنوات.
طرَق-
إن لم يأتِ ردّ بعد الطَرق، يجب أن تُنادى مرّةً واحدة.
رغم وجود حبلٍ لاستدعاء الخدم داخل الغرفة، فإنه لم يُسحب منذ زمن، لذا ينبغي الدخول بتقديرٍ للموقف.
والحقيقة أن الأمر لا يحتاج إلى فطنةٍ كبيرة.
“آنسة؟”
حتى إن لم يأتِ ردّ، فإن طبيعتها الحسّاسة تجعلها تستيقظ عند سماع الطرق أو مناداتها، لذا لا بأس بالدخول.
“…….”
وضعت إزابيل جانبًا حوض الغسل المملوء بماءٍ فاتر مضبوط الحرارة بعناية، ثم فتحت الباب.
و كما هو متوقّع، كانت إليانور مستيقظة، لا مستلقية تمامًا ولا جالسة.
حرّكت ذراعها البيضاء لتزيح الغطاء السميك عن جسدها. ودخلت قدماها الصغيرتان البيضاوان في خفّين مصنوعين من فرو أرنب ناعم. اختارهما سيّد القصر بعنايةٍ خوفًا من أن تبرد قدماها.
“صباح الخير، آنستي.”
“نعم.”
وفق ترتيبٍ ثابت، وكما كان دائمًا، تحرّكتا.
غسلت إليانور كايل وجهها بزيت البنزوين والماء الفاتر، ثم جفّفته بمنشفةٍ ناعمة بلا أدنى تجعّد.
بعدها، تُخرج إيزابيل حوض الغسل المنقوش بطفل ملاك يحمل قوسًا وسهمًا إلى خارج الغرفة.
و سيقوم الخدم العاملون في الطابق الثاني، الذين لا يُسمح لهم بدخول هذه الغرفة، بإزالته.
أُغلق الباب وعادت إزابيل إلى مكانها، فكانت المرأة قد علّقت المنشفة المبلّلة على ظهر كرسيٍ في زاوية الغرفة، وتضع الكريم على يديها النحيلتين ووجهها.
اتّجهت نحوها عيناها البنفسجيتان، وهما تنفّذان العمل الموكول إليها بلا انفعالٍ يُذكر.
فتلاقت عيناهما، لكن إيزابيل مارليير، التي لم تسأل ولم تُجب، اتّجهت إلى زاوية الغرفة، و جمعت المنشفة الملقاة بإهمال، فانفصلت النظرات.
وهكذا، كان الصباح هادئًا.
جلست إليانور أمام مرآة التسريح، تنبعث منها رائحةٌ خفيفة لزيت البنزوين والكريم، وعيناها نصف مغمضتين كأنها نعسانه.
وإيزابيل، كعادتها كل يوم، كانت تدهن شعرها الأبيض الناعم بالزيت العطري ثم تمشّطه بمشطٍ دقيق الأسنان.
“…….”
هذه المرأة الجميلة التي كانت تُبقى مغمضة العينين بلا حركة، لعلها تتحمّل صداعًا نصفيًا مزمنًا.
انساب الشعر في اليدين كما كان بالأمس وقبله، ناعمًا ومتناسقًا دائمًا. ولهذا السبب، كثيرًا ما يخالج إيزابيل شعورٌ بأنها تعتني بتمثالٍ لا يتغيّر.
لكن هذا التأمّل لم يدم طويلًا.
“بالمناسبة، إيزابيل.”
تحرّكت شفتان ورديتان لامعتان بعدما وُضع عليهما مستحضرٌ مصنوعٌ من الشمع والزيت.
“من المسؤول عن صالة الاستقبال الخاصة بي؟”
“هل هناك مشكلةٌ ما؟”
سبق تردّدٌ بسيط تحرّك الشفاه من جديد.
“النبتة الموضوعة هناك كانت في حالةٍ سيئة.”
“سيئة؟ كيف؟”
“امتلأت بحشرات المنّ، وذبلت حتى ماتت.…لا أعلم ماذا كانوا يفعلون بدلًا من إزالتها―.”
لكن الكلمات التالية جاءت مختلفةً قليلًا عمّا توقّعت.
“إذا لم يكن منظرها جميلًا، فلا سبب لبقائها هناك.”
وحين أدركت إيزابيل مارليير أن تلك العبارة غير المبتذلة هي في الحقيقة عمر إنسانٍ كامل، نسيت حتى أن تجيب و أطبقت فمها.
“…….”
وأحيانًا، لا….في الحقيقة كثيرًا ما ترى إيزابيل امرأةً تحطّم أشياء الغرفة بنوباتٍ اندفاعية.
ومع ذلك، لا تمرّ سوى بضع ساعاتٍ حتى تمتلئ هذه الغرفة من جديدٍ بأشياء لا تختلف كثيرًا عمّا سبق، بل ربما بأشياء أفضل.
و خشية أن تُصاب بأذى، صُقلت زوايا جميع أثاث الغرفة لتكون مستديرة.
ارتفعت يدٌ شاحبة ناعمة إلى منضدة زينةٍ خشبية داكنة ذات حوافٍ مستديرة. و انزلقت أطراف الأصابع فوق سطح المنضدة حيث تصطف أنواعٌ عدّة من المراهم.
عبثت إيزابيل قليلًا بالشعر الذي لا تشوبه عقدةٌ واحدة، ثم وضعت المشط على المنضدة.
فنهضت المرأة، وقد أدركت أن عليها تبديل ملابسها، بيان اُستأنف الحديث.
“اليوم سيزورنا السيد تينيسون.”
ذُكر اسم ويليام تينيسون، الذي يزور القصر مرةً كل شهر.
“….هل مرّ الوقت إلى هذا الحد؟”
كانت الزيارة السابقة قبل تغيّر مالك القصر. فتبادر إلى الذهن الطبيب البيطري ألفريد الذي لم يعد له عمل.
لكن ما الحيلة؟ فالمالك الجديد للقصر لا يقتني كائناتٍ حيّة.
“قال أنه سيأتي في فترة بعد الظهر.”
في الصباح سيحضر المرمّم الذي اعتاد مالك القصر التعامل معه. وسيكون الخدم أكثر انشغالًا من المعتاد بتنظيف الغبار عن التماثيل والإطارات في الغرف الموكلة إليهم.
ولإدارة هؤلاء الخدم، سيكون كلّ من ويسلي إينيل وإيزابيل مارليير مشغولين كذلك.
“بعد الظهر إذاً.”
ثم سألت المرأة، وهي ما تزال تنظر إلى المرآة.
“….ألا بدّ من لقائه؟”
سيهتم ويليام تينيسون بصحتها، لكن الوصفة تكون في الغالب متشابهة. ومع ذلك، هو فحصٌ يشبه طقسًا دوريًا لا يغيب عنه شهرًا واحدًا، يُجرى في يوم العناية بالمقتنيات.
كلتاهما تعلمان ذلك، لكن إيزابيل مارليير أجابت بهدوء،
“تحدّثي إلى السيّد بشأن الأمر.”
تلاقت أعينهما في المرآة. و ابتسمت إيزابيل بسلاسة، بينما بقيت نظرة إليانور كايل معلّقةً في عينيها المنعكستين لبرهة.
“…….”
كانت إليانور كايل أول من صرفت نظرها. فانقطع الحديث، ولم تحاولا كسر الصمت.
ساعدت إيزابيل مارليير المرأة على تبديل ملابسها. ثوبٌ منزلي من البوبلين بلونٍ أخضر داكن ناعم، لم يمضِ على تفصيله وقتٌ طويل.
و ربطت الخصر بشريط، ثم رتّبت الثنيات لتنسدل بلطفٍ وبشكلٍ جميل.
“هل هناك ما يزعجكِ؟”
سألت المرأة ذات الملامح المتيبّسة، لكنها اكتفت بهزّ رأسها بصمت، ففُهم أن لا شيء يُذكر.
ثم أُخرجت علبة المجوهرات. و لم تحتوي على أقراط، لأن المرأة تكره ترك الجروح ولم تثقب أذنيها، لكنها كانت مليئةً بالقلائد والأساور والبروشات وزينة الشعر.
أجلستها مجددًا على الكرسي، و جدّلت شعرها الناعم و ربطته بشريطٍ بلون الثوب.
ثم علّقت حول عنقها الظاهر عقدًا من لآلئ بيضاء صغيرة.
“انتهيتِ؟”
“….نعم.”
استقامت إيزابيل مارليير و أجرت اللمسات الأخيرة على ملابس المرأة.
بعد اكتمال الزينة، بدت المرأة جميلة، وكذلك الفستان والحليّ التي ترتديها، موجودةٌ في الضوء بجمالها الخاص.
“إذا انتهيتِ، فاخرجي.”
نعم، اليوم مزدحمٌ حقًا. إنه يوم تنظيف جميع مقتنيات القصر، وإصلاح ما تعطّل منها، وصيانتها منعًا لحدوث مشكلاتٍ لاحقًا.
وهو أيضًا يوم زيارة الطبيب الذي يعتني بصحة إليانور كايل.
“سأخرج إذاً.”
“حسنًا.”
“…….”
“هل لديكِ ما تريدين قوله أيضًا؟”
“اليوم أيضًا….أنتِ جميلة حقًا.”
إلتقت عينيها بالعيون البنفسجية.
لمعت عينا إليانور كايل ببريقٍ مختلف، بينما ابتسمت ابتسامةً توحي بالمبالغة وهي تجيب،
“غريبٌ أنكِ تقولين كلامًا لم تعتاديه. ولهذا يحبّني الجميع.”
فتذكّرت سؤال أحد الخدم الذي استقال مؤخرًا.
___________________
اما ايزابيل ماتعودت تقول انت جميله؟ افا ياذا العلم
علاقة ايزابيل و اليانور اغرب علاقه في العمل كل وحده مدري وش اسم علاقتها بالثانيه
وايزابيل شكلها كل ما كبرت كل مارحمت اليانور
المهم ارنست حمار مخلي الدكتور يجي يشوف اليانور في نفس يوم فحص اغراضه؟ تراك راضح يالشايب العايب
التعليقات لهذا الفصل " 39"