حتى في الصباح، كنتُ أراه يغادر القصر كما لو أنه ذاهبٌ ليفعل أمرًا ينتظره بشغف.
ثم دار بعينيه بتردّد قبل أن يجيب.
“كان هناك شيءٌ أردتُ امتلاكه، فذهبتُ لرؤيته، لكنه كان مختلفًا عمّا توقّعت. والمرأة السيئة الطبع التي تملكه أبدت انزعاجًا شديدًا عندما خاب أملي.”
“…….”
“لذلك كان يومًا مُرهقًا.”
“….وبمَ اختلف عمّا توقّعت؟”
أجاب بلا اكتراث.
“كونه مزيّفًا كان يمكن التغاضي عنه إلى حدّ ما، لكنّه لم يكن حتى تقليدًا صالحًا.”
“…….”
لم يكن سوى مصادفةٍ أن يخطر ببالي ذلك الشيء المزيّف في الدفيئة، ذاك الذي كنتُ قد طبعتُ عليه قبلة.
و دون أن يدرك ما يجول داخلي، تمتم بكسل.
“أظنّني سأمكث هنا طوال اليوم.”
“….وهل هذا يرضيكَ؟”
“ولِمَ لا يرضيني؟ أنتِ هنا.”
رغم أنه قالها بنبرةٍ تشبه المزاح، إلا أن ثقلها جعلني أحبس أنفاسي وألتقي بعينيه.
وقد كان وجهه القريب من وجهي يذوب في ابتسامة.
“يا إلهي، إليانور. وجهكِ محمرٌّ جدًا.”
أشحتُ بنظري نحو أقصى الحديقة. لكن مهما حاولتُ الفرار، فالمكان كلّه قصره. وسرعان ما أُسرتُ مجددًا داخل عينيه العسليّتين.
“….تجاهل هذا من فضلكَ.”
لعلّ الضوء المنسكب عليّ كان ساطعًا فأغمضتُ عيني، أو ربما كان هناك ما لم يَرُق له. على أيّ حال، فتح عينيه ببطء، وقطّب أنفه قليلًا، ثم ابتسم.
وبنبرةٍ متساهلة، أخرج من حضنه رزمة أوراق.
“حسنًا. ما رأيكِ أن نلعب لعبة ورق؟”
“لا أعرف الطريقة….هل ستعلّمني؟”
“ليست لعبة رهان، فلا بأس.”
وأنا أراقبه وهو يوزّع الأوراق على البساط، خطر لي سؤالٌ فسألته.
“هل أحضرتَ الأوراق عمدًا لتراهنني؟”
وإلا، فمن الذي يحمل أوراق اللعب معه؟
ولو كنتُ أعرف كيف ألعب، فماذا كان سيفرض عليّ كشرط رهان؟
بدا الأمر عبثيًا حقاً.
ثم رفع دانيال غوين رأسه قليلًا، وكأنه هو أيضًا مستغرب، وسأل.
“لماذا تنظرين إليّ هكذا؟ حتى لو ربحتُ، فلن أضع شرطًا يضرّ إليانور.”
“كيف تحوّل الحديث إلى هذا أصلًا.…”
“أليس كذلك؟”
و لا أدري كيف انساق الموقف إلى حكاياته القديمة. فتركتُه يلفّ خصلات شعري بأصابعه، وأصغيتُ لحديثه.
“إنها قصةٌ قديمة.”
قال ذلك وهو يخفض نظره غارقًا في الذكريات.
كانت أصابعه التي تسلّلت عبر شعري تدغدغ خدّي.
وبإلحاحه، جلستُ بقربه شبه متكئةٍ عليه، أكتم أنفاسي.
“ذات مرة، سرقتُ مزهريةً ثمينة من مخزن والدي وأخفيتُها داخل صندوق. كما تعلمين، كان والدي يرسل إلى المقرّ الرئيسي كل ما لا يريد إبقاءه في هذا القصر.”
أغمضتُ عيني ببطء، متذكّرة الأوقات التي كان فيها إرنست غوين يأمر بإبعاد الأشياء من القصر بحجّة أنها لا تليق به.
“الآن وقد فكّرتُ بالأمر، لم تكن جميلةً ولا ثمينة إلى هذا الحد—.”
وعند قوله “جميلة”، التقت عيناه بعينيّ، فابتسمنا معًا.
“هذا ما قاله أبي أيضًا. قال أنني بلا ذوق. لكنها كانت كنزي الصغير.”
لم أحاول أن أفهم أيّ زمنٍ يستحضره، ولا لماذا يتصرّف وكأنه يستعيد أيامًا كان فيها يسعى ليُحَبّ.
“على كل حال، كنتُ طفلًا آنذاك.”
لم أعلّق، واكتفيتُ برمش عيني. بينما خفتت ملامحه قليلًا، وتمتم بصوتٍ بدا أخفض من قبل.
“الأشياء الثمينة يجب أن تُخفى داخل الصناديق. هكذا، حتى لو لم تكن تليق بي، لكي لا يكتشفها أحد.”
كان ذلك مفاجئًا. فدانيال غوين يملك الكثير، وفوق ذلك هو جميل، لذا يُحَبّ ويُشاد به.
يحبّ نفسه، بأساسٍ محكمٍ يقف عليه. وتحت قدميه أرضٌ لا تنهار.
“لكنّكَ تملك دائمًا ما يليق بكَ. يكفي أن ننظر إلى هذا القصر.”
“….هل ترين الأمر هكذا يا إليانور؟”
“تبدو و كأنكَ لم تفقد شيئًا قط.”
لم يجب. بل نظر إليّ بصمت، بعينين تحملان تعبيرًا يصعب وصفه.
وبعد لحظة من ذلك التردّد، ابتسم كصبي.
“آه، يا إلهي، إليانور. كان ينبغي لكِ أن تفهمي هذا الشعور الذي في داخلي.”
بخدّين محمرّين، همس لي.
“في كل مرةٍ يحدث هذا، أشعر وكأنني أمامكِ أصبح أكثر إنسانٍ مكتمل في هذا العالم.”
ثم، وكأن الجمود لم يكن موجودًا أصلًا، أو كأنه أمرٌ لا مفرّ منه، ابتسم ابتسامةً خفيفة وسأل بصوتٍ مشرق.
“ألا يوجد شيءٌ ترغبين بامتلاكه؟”
لم أفهم السياق الذي خرج منه هذا السؤال.
أهو تعبيرٌ عن المودّة، أم تجميلٌ للحظة، أم استعراضٌ للثروة، أم ثمنٌ للإغواء، أم تعويضٌ عن خطأ، أم مكافأةٌ تُمنح كالثناء؟
أم هو ثمنٌ للجمال، أو قربانٌ يُقدَّم له؟
أيّها يكون؟
أخفيتُ هذا التساؤل وأجبتُ،
“كل ما يقدّمه دانيال لي هو مصدر سعادتي.”
“أيّ شيء؟”
“نعم، أيّ شيء.”
لم يخطر ببالي في تلك اللحظة ما أرغب بامتلاكه تحديدًا، فتابع هو الحديث بدلًا عني.
“منذ فترةٍ رأيتُ ألماسةً زرقاء، قالوا أن زُرقتها لا توجد إلا في مكانٍ ما في الجنوب.”
أصغيتُ إليه شاردة. ومع كل كلمةٍ يلفظها بهدوء، كان يعبث بيدنا المتشابكتين.
“وأنا أنظر إليها، فكّرتُ بكِ. لأن الأزرق يليق بإليانور.”
“حقًا.…؟”
أومأتُ برأسي بعد أن سمعتُ هذا القول مرارًا. ولم يعد غريبًا أن يكون نصف خزانة ملابسي من درجات الأزرق.
“هل تحبين المجوهرات؟”
لم أدرِ بأي معنى يسأل، فأطبقتُ فمي. فأنا أعلم أصلًا كم كان متحسّرًا لأنه لم يتناول العشاء معي.
و ظلّ نظره منتظرًا يدور حول شفتيّ، فأجبتُ أخيرًا.
“….يمكنني تناولها، لكنني لا أحبّها كثيرًا.”
كنتُ آمل أن تكون الإجابة صائبة، لكنه لم يصحّحها أو ينفِها، بل اكتفى بابتسامةٍ خفيفة.
“هكذا إذاً. في الحقيقة، حتى أنا في صغري كنتُ آكل الهليون، لكنني لم أكن أحبّه.”
وأضاف مازحًا، كأنه يبوح بسر.
“لكنني آكله الآن جيدًا.”
انتقلت يده من أصابعي إلى ظاهر كفّي، ثم إلى راحتي، وأخيرًا أمسك بمعصمي.
لم تكن القبضة قوية، لكنها كانت مزعجةً بالقدر الذي يعيق الحركة.
“إذًا، كيف تحبين ارتداء المجوهرات أكثر؟”
“ماذا؟”
حرّك اليد التي تمسك بمعصمي، وراح يلمس يدي، وبشكلٍأدق أصابعي ومعصمي، يمرّ بخفّةٍ على المواضع التي توضع فيها الحُليّ، شارحًا بلطفٍ كما يُشرح لطفل.
“خاتمٌ مثلًا. أو سوار.”
كادت أصابعه ترتفع طبيعيًا نحو صدري، لكنه انتفض متفاجئًا وتراجع.
وعلى خلاف يده، ظلّ صوته هادئًا وكأن شيئًا لم يحدث.
“أو بروش، أو عقد. أو.…”
هذه المرة، كانت اليد الأخرى هي التي تحرّكت. رأيتُها تقترب من خدّي، فتحدّثتُ.
“….لا أريد الأقراط.”
“لماذا؟”
“لأنها تترك أثرًا.”
ما إن انتهيتُ من الكلام حتى لامس إصبعه شحمة أذني بدلًا من خدّي. فتماسكتُ، وأبقيتُ وضعي مستقيمًا بصعوبة.
“…….”
بعد أن داعبها مرّاتٍ قليلة، سحب يده، والتقت أعيننا.
كانت نظرته ثقيلة. وبنبرةٍ خفيفة لا تتناسب مع سلوكه، سأل.
“صحيح. لم تثقبي أذنيكِ، أليس كذلك؟”
الآن فقط، ومع انقضاء التوتّر، زفرتُ بهدوء. وتمتم هو بنفس الهدوء.
“أجل. لا خير في جرحٍ بلا داعٍ.”
“….نعم.”
“إذًا، إليانور. سنستبعد الأقراط.”
تلاقت أعيننا، وفقدتُ الردّ الذي كنتُ على وشك التفوّه به من شدّة المفاجأة. فقد ظننتُ أنه سيقترب أكثر، لكنه لم يفعل.
و ابتسم الرجل وكأنه مستمتع، ورفع يدينا المتشابكتين، وأمال رأسه قليلًا، وسأل بمزاح،
“ستستقبلين الهدية بسعادة، أليس كذلك؟”
وفي اليوم التالي. وصلت إلى غرفة نومي علبة هدايا جديدة، تضمّ زينةً للشعر وحليًّا أخرى.
شرائط ساتان تملأ الصندوق، عقد لؤلؤ، عقيقٌ يوجع العين بحمرته، وكهرمانٌ يشبه عيون شخصٍ ما.
نظرتُ إلى اللازورد والكريستال المتلألئ قليلًا، ثم أغلقتُ الصندوق.
“…….”
المرأة الجميلة المنعكسة في المرآة كانت نظرتها غائرةً على غير عادتها. فشددتُ شفتيّ الموشكتين على الانخفاض.
وأنا أضبط ملامحي، فكّرتُ. لماذا، منذ أن همس لي بالحب، صار يتصرّف كأنه يحاول التحكّم بي عبر الأشياء؟ لماذا يريد حين يُغدق عليّ الهدايا؟
المجوهرات التي ملأت الصندوق، مفتاح الدفيئة، ملابس المنزل والخروج، وحتى صندوق الحليّ هذا اليوم.
ثم تداعت في ذهني غايات الهدايا المختلفة.
إرضاء طفلٍ ملحّ بإعطائه ما يريد، أو تعبيرٌ عن مودة، أو استعراض ثراء، أو التفافٌ على موقف، أو تعويضٌ واعتذار، أو مكافأةٌ وثمن.
___________________
نايس يعجبني انها شاكه فيه
الصدق لو انه يحبها ذاك الزود ليه ماتخطبها؟ عندك في البيت طول الوقت اخطبها وتزوجها طيب🤨
المهم ابي اشوف رده اذا شافها شاكه وناسه جنونهم🤏🏻
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 38"