تذكّرتُ أنه لا تزال لا خطيبة له، فابتسمتُ ابتسامةً خفيفة، وفي الوقت نفسه خطر لي خاطرٌ عابر.
الآن، لا بدّ أن خبر وفاة والده المأساوي قد اختفى من ألسنة الناس، لذا، ألن يكونوا بانتظار “خبرٍ سار”؟
“كانت الرائحة قويةً لدرجة أوجعت رأسي. ومع ذلك لا يمكنني أن أطلب منها التخلّص من باقة الزهور التي قدّمتها هدية….”
“لهذا لم يكن لقاء العشاء مُرضيًا تمامًا على ما يبدو.”
“كان كذلك لأن إليانور لم تكن هناك.”
ابتسم دانيال غوين وهو ينظر إليّ بعدما فقدتُ الكلام وأطبقتُ فمي.
و حاولتُ أن أحرّك شفتيّ لأقول شيئًا، لكنني لم أستطع النطق.
“…….”
“تحدّثتُ كثيرًا ظنًا مني أنكِ قد تغارين، لكن يبدو أنه كان تصرّفًا لا داعي له.”
لا أظن أنّ ما شعرتُ به كان غيرة، لكن من المحرج أيضًا أن أنكر أنني لم أفكّر بالأمر إطلاقًا.
“الذين تناولتُ العشاء معهم كانا زوجين مسنّين. السيدة تحبّ الزنابق، لذلك قدّمتُ لها باقةً منها. هل زال سوء الفهم قليلًا؟”
“لم أكن قد أسأتُ الفهم أصلًا….”
“أجل، هذه مجرد أُمنيتي.”
لا أظنّني سأعتاد على كلماته هذه. لكان أسهل عليّ لو أغرقني بالثناء و مديح الجمال المبتذل، عندها كنتُ سأبقى هادئة.
“لقد تأخر الوقت.”
“….صحيح.”
ظننتُ أنه سيودّعني متمنّيًا لي ليلةً هادئة ثم يبتعد، لكن الرجل ظلّ مستندًا إلى إطار الباب المفتوح، يحدّق إليّ، ثم سأل وهو يثبت نظره عليّ.
“لماذا لم تنامي؟ الوقت متأخر.”
“لم أكن أفعل شيئًا مميّزًا.”
“الجواب نفسه كما في المرة السابقة. هل هذا من قوانين غرفة نوم إليانور؟”
قال ذلك مازحًا، ودخل الغرفة بخطواتٍ طبيعية، فتنحّيتُ جانبًا.
وقف أمامي داخل الغرفة، و أمسك يدي بكل هدوء، ففقدتُ القدرة على الكلام من فرط طمأنينته.
“أمم….”
كنتُ مرتبكةً قليلًا. فقد كنتُ أعرف ذاك الحضور الذي ظلّ يتردّد في الممر أيامًا دون أن يجرؤ حتى على لمس المقبض.
في المرة الماضية لم يدخل إلا بعد أن سمع مني أنّ الأمر لا بأس به. فهل تغيّر ذلك الآن؟
وبينما كنتُ غارقةً في هذا الارتباك، ناداني.
“إليانور؟”
و حين رأيتُ تعبيره المعتاد، تساءلتُ إن كنتُ أنا من تبالغ في ردّ فعلها. وهو سيّد هذا القصر بعد كل شيء، فربما لا حرج في الأمر.
وبينما أفقتُ أخيرًا من أفكاري، لاحظتُ قطعة القماش في يده، وقد بدا عليه مزاجٌ أفضل من المعتاد، فازددتُ حيرة.
“آه، ذاك.…”
اقتربتُ منه بارتباكٍ متجدّد، لكنني لم أستطع انتزاع ما يمسكه، فاكتفيتُ بحركاتٍ عابثة في الهواء.
و نظر إليّ مستمتعًا بحالي، ثم سأل بوجهٍ مشرق.
“هل هذا من تطريزكِ؟”
لم أستطع الإجابة، وخفضتُ رأسي. فالغرزة على تلك القطعة كانت متواضعةً إلى حدّ يبعث على الخجل.
“كنتِ تنوين إهداءه لي؟”
تردّدتُ، ثم أومأتُ برأسي.
في الحقيقة، ما زلتُ لا أعرف إن كان هذا التطريز هديةً أم اعتذارًا أم تعبيرًا عن مودة.
“يا إلهي.”
رفعتُ رأسي على صوت تمتمته الخافتة. و كان يتتبّع بأصابعه اسمه المطرّز ببدائيةٍ على طرف المنديل.
“أنتِ من طرزته بنفسكِ، أليس كذلك؟”
“….كيف عرفتَ؟”
“هذا واضح، لأنه مائل. هنا.”
قال ذلك وهو يشير إلى موضع الغرزة المعوجّة، ثم ابتسم من جديد. فشعرتُ بحرارةٍ تتصاعد في وجهي، وتابعتُ الكلام.
“هذه أول مرةٍ أطرّز فيها اسم شخصٍ آخر، لذلك—. أعطني إيّاه.”
“وهل تنوين الاحتفاظ بشيءٍ مطرّزٍ باسمي؟”
“هذا ليس….”
انتظر إجابتي، لكنني لسببٍ ما لم أعرف أين أضع نفسي، وانتهى بي الأمر إلى الصمت.
“آه.”
خرجت تنهيدةٌ خافتة، واحمرتا وجنتاه كوجنتي صبي.
و لم أملك الجرأة على سؤاله عن سبب هذا التعبير، فأطبقتُ فمي.
لا أدري لماذا، لكن وجهه أشرق كأن ضوءًا أُشعل فجأة. لا بدّ أنّ ملامحي كانت ساذجةً آنذاك، والعزاء الصغير أنّه لم يكن أفضل حالًا مني.
“….ستتدرّبين إلى أن تطرّزي اسمي دون أي خطأ، أليس كذلك؟”
نظرتُ إلى عينيه اللتين تشبهان معدنًا منصهرًا، وأومأتُ برأسي ببلادة.
اللون العسلي لونٌ ملتبس. وداخل تلك النظرة تعطّلتُ تمامًا.
نظرة دانيال غوين حطّمتني، ثم انسحبت بسهولةٍ شديدة. وراحتا عيناه الجانحتان تجوبان أرجاء الغرفة.
“إليانور لديها وقتٌ كثير. سأنتظر أن أتسلّمها قريبًا. دون أي غرزةٍ مائلة.”
ظلّ يعبث بالمنديل المسكين صامتًا لبرهة، ثم تمتم فجأة.
“يبدو أنّ علينا تفصيل ملابس للخروج قريبًا أيضًا.”
“….ملابس للخروج؟”
“الملابس التي أعطيتكِ إياها ليست مما يُرتدى في الخروج اليومي. وبقية الملابس ليست مفصّلةً على مقاسكِ أصلًا، ولا يمكن الخروج بملابس المنزل.”
أومأتُ برأسي. عندها فقط تابع حديثه.
“ثم إن لديّ أشياء كثيرة أودّ فعلها مع إليانور في الخارج أيضًا.”
“….…”
“لذلك، علينا الإسراع في تفصيل ملابس الخروج.”
طفَى إلى ذهني كابوس الطفولة، يوم كنتُ ألحّ على إيزابيل ببراءةٍ لتصنع لي كعكة ميلاد.
وكأنّه عازمٌ على طمس ذلك الكابوس، راح يُغدق عليّ الهدايا رغم أن اليوم ليس ميلادي، بنظرةٍ حلوة ككعكةٍ جاءت في غير أوانها، وبصوتٍ يكاد يذوب رغم أن الشتاء في أوجه.
“….نعم، حسنًا.”
كنتُ أدركُ أنا أكثر من أيّ أحدٍ أنّ صوتي كان ينهار. و هو، بابتسامةٍ منهارةٍ مثلها، عاد يسألني.
“إليانور، ما اللون الذي تحبينه؟”
كان السؤال مفاجئًا بعض الشيء، لكن تجربة تفصيل ملابس المنزل جعلت لونًا يخطر ببالي، فأجبتُ ببطء.
“أظن….الأخضر.”
و تأمّلني لحظةً بصمت، ثم ابتسم وتكلّم.
“الأخضر؟”
“….نعم، الأخضر.”
“لكن الأزرق يليق بإليانور أكثر بكثير.”
“إذًا، أحبّ الأزرق أيضًا.”
“حسنًا. سأضع ذلك في الحسبان.”
عندها فقط وضع المنديل الذي كان يمسكه، و ودّعني بقبلةٍ متمنيًا لي ليلةً هانئة.
“لقد تأخر الوقت، اذهبي للنوم. أتمنى لكِ أحلامًا جميلةً الليلة.”
وأمضيتُ وقتًا طويلًا أتقلّب، أتحسّس أثر شفتيه العالق على خدّي، وصورته الواضحة التي ظلّت ماثلةً في زاوية الغرفة.
ولسوء الحظ، لم تتحقق أمنيته بالأحلام الجميلة، لأن مشهد انتظاري له وأنا أطرّز في الغرفة حتى غلبني النعاس ظلّ يتكرّر في رأسي.
تساءلتُ إن كانت هذه الأيام ستستمرّ هكذا إلى أن أقدّم له الهدية.
وخطر لي فجأة: هل شعرتُ بالوحدة اليوم؟
وحين أغمضتُ عينيّ لأقطع الفكرة، باغتني النوم بسهولة.
وقد كنتُ أفكّر بلا اكتراث. نعم، ما دام يمنحني كل هذا، فربما من الطبيعي أن أقضي نهاري كلّه أفكّر فيه.
***
ظهيرة وادعة. في دفيئةٍ نسيت الفصول، بأزهارٍ برّية وعشبٌ مُعتنى به، وفوقهما بساط نزهةٍ أحمر مقلّم، ممدودٍ بلا ترتيب.
و ضوء الشتاء المتسلّل عبر زجاج الدفيئة انسكب كأنه إضاءةٌ مسلّطة على الرجل الجالس فوقه.
كان دانيال غوين يجلس براحة، يقلّب الأوراق في يده.
و أخرج قلمه ليوقّع الصفحة الأخيرة من رزمة مستندات بخطٍّ أنيق، وأحيانًا قطّب جبينه ليكتب جملةً لا أستطيع رؤيتها من مكاني.
“….…”
حدّقتُ في ذلك المشهد الكامل. و نسيتُ الكتاب الذي كنتُ أمسكه منذ زمن.
فمن الأساس، لم أكن هادئةً بما يكفي لأقلّب الصفحات ببرودٍ وهو إلى جواري.
اليد التي كانت تمسك بالكتاب ارتجفت كما ارتجف قلبي، فكيف لي أن أركّز على القراءة؟
فجأة، داعب أنفي شعورٌ بالحكّة، و سعلتُ سعالًا خفيفًا، فتوجّه نظره إليّ فورًا.
“إليانور؟”
حاولتُ الردّ، لكن عطسةٌ أخرى أفلتت منّي. بينما امتلأت عيناه بالقلق.
“هل الدفيئة باردةٌ قليلًا؟ هل أطلب إحضار بطانية؟”
“آه، لا. لا أشعر بالبرد.”
“إذًا، هل تشعرين بتوعّك؟”
“ليس ذلك أيضًا.”
“كيف لا؟ إليانور ضعيفة الجسد. أم….هل يمكن أن يكون بسبب الزهور الجديدة في الدفيئة؟ ربما تناثر اللقاح.”
“كانت مجرد حكّة، لا شيء خطير.”
“إليانور.”
لأوقفه عن هذا القلق المفرط الذي يلازمه كل يوم، فتحتُ فمي، لكنه سبقني بنبرةٍ جادّة.
“أخطر ما يكون دائمًا هو ما دخل حديثًا ولا نعرف مصدره.”
و لم أجد ما أعارض به، فأغلقتُ فمي.
ثم أنزل الأوراق من يده إلى الأرض، و مال بجسده نحوي أكثر.
“….هل حدث لكَ شيءٌ ما؟”
فسألتُ، بينما كنتُ أشعر بثقل جسده يقترب.
_______________________
ياي يالمهتم ياناس🤏🏻
طلع صدق كان يبيها تغار بس هاعا ما مشت وناسه كان تبيه يمدح جمالها ولا ذا الكلام الفاضي😂
المهم وش شعورك وانت تشوف اليانور الحلوه ذي واقعه لك؟ اكتملت النرجسيه كذا ابيهم يجيبون ورعان نرجسيين بعد✨
ايه صح مبروك اليانور كذا منتب منحبسه🥰
Dana
التعليقات لهذا الفصل " 37"