توقفت الخطوات الحذرة أمام الباب. ومع الإحساس بوجودٍ لا يبتعد، تحدّث بصوتٍ يكاد لا يتجاوز الهمس.
“بما أنكِ قلتِ أنك ستحاولين، فهلّا تقفين في صفي حتى لو وبّخوني؟”
ومن ذا الذي يجرؤ في هذا القصر على توبيخه؟
ومع ذلك، وبينما كان يهمس، فُتح الباب بحذر. عند الصوت، التفتَ فوق كتفه.
و لم أستطع رؤية من دخل، لأن جسده حجب الرؤية. لكنني كنت متيقّنةً من تصلّب ملامح دانيال غوين، إذ بدا جانب وجهه واضحًا بضوء الباب.
سرعان ما أرخى تعبيره وفتح فمه بمزاح،
“يا للأسف، إليانور. يبدو أن خروجنا عن المألوف انتهى.”
ثم وصل صوت ويسلي من خلف كتفه.
“….لم يكن هناك داعٍ لأن تهرب مع الآنسة إليانور.”
“أحيانًا، تُقدَّم المتعة على العقلانية.”
عاد نظره الذي كان إلى الأمام نحوي. فابتسمتُ كأنني أعرف ما سيقوله، ابتسامةً مطيعة، لائقة. وكلماته لم تخالف توقّعي.
“لكن….لنؤجّل ما تبقّى من التعريف إلى وقتٍ لاحق.”
وهل بقي أصلًا ما يمكن تعريفه؟
كان ضيق أنفاسي وحماسي المتقد يهدآن بهدوء، كحقلٍ سكنت عنه الرياح.
هكذا عدتُ إلى حياتي اليومية المعتادة. ومشيتُ وحدي في الممر عائدةً إلى غرفتي.
كان من حسن الحظ أن جولة القصر لم تطل. فقد كنتُ له متعةً عابرة في خضمّ انشغاله.
و فكّرتُ بإيجابية. فاللقاءات النادرة أكثر إثارة. وكثرة اللقاء تُورث الملل.
وها هو يوليني كل هذا الاهتمام. و يبدّد من أجلي أشياء ثمينة، حتى وقته المزدحم.
نظرتُ إلى يدي الفارغتين اللتين تلاقتا به لحظة، ولا يزال يخالطني وهم بقاء دفء جسده فيهما.
لعلّني توقّعتُ أكثر مما ينبغي؛ فالمزاج الذي خمد وأنا أعدّل ملابسي المنزلية لا يبدو أنه ينوي النهوض قريبًا.
“…….”
لا أحد في هذا العالم يضاهي جمالي في إرضاء ذائقته سواي. أنا، التي رآها ذات ليلةٍ جميلة، لا أزال جميلة.
لذلك فأنا الوحيدة له. هو الذي يحبّني.
ومع أن ذلك مؤكَّد، فإن كل دفءٍ يبدو كأنه وهم. على نحوٍ غريب.
وفي طريقي عائدةً وحدي إلى الغرفة، التقت عيناي بأحد الخدم في الممر.
هؤلاء الخدم القلائل الذين طال مقامهم في هذا القصر تردّدوا لحظة، ثم حيّوني.
“مرحبًا، آنسة.”
“….نعم.”
حين ترددتُ ثم أجبتُ أخيرًا، بدا الارتياح على وجوههم، فسرّعوا خطاهم وابتعدوا.
كان ذلك مُربكًا. إذ لم يكن أمرًا معتادًا. فعلى خلاف الخدم الجدد الذين يُبدون نحوي ودًّا ممزوجًا بالإعجاب أو التوق، كان الخدم القدامى دائمًا يتجاهلونني.
لكن اليوم مختلف. يبدو أنّ الوقت الذي قضيته مع دانيال غوين قد ترك انطباعًا قويًا لدى الخدم، أو لعلّه جعلهم يستشرفون تغيّرًا ما.
توقّفتُ في الممر. فقد كان شعورًا غريبًا، ومربكًا في آنٍ واحد. لم يتغيّر شيء، فلماذا تغيّر موقفهم؟
و تذكّرتُ ما كان الخدم الجدد يسألون عنه الخدم القدامى، وما كانوا يتهامسون به فيما بينهم.
“هل الآنسة هي حبيبة السيّد؟”
إيزابيل أو الخدم الذين عملوا طويلًا في القصر كانوا يلتزمون الصمت أو يتهرّبون من الإجابة. لكن دانيال غوين أخذني، أنا حبيبته داخل القصر، إلى خارجه، وأظهرني للناس.
لم يتغيّر سوى ذلك، لكن بالنسبة لهم، أولئك الحساسين تجاه موازين السلطة داخل القصر، كان الأمر مختلفًا.
وبالنسبة لهم، هم الذين يلازمون السيّد طوال يومه، كان مختلفًا أيضًا.
لا بدّ أنهم فكّروا بأنني قد أصبح سيّدة القصر، أو أحصل على حقوقٍ تقارب ذلك.
فتساءلتُ إن كان هناك ما يمكن أن يتغيّر أكثر من هذا.
وحاولتُ ألا أفكّر في الاحتمال الذي لم يعودوا قادرين على تجاهله، ولا في التغيّر الذي قد يجرّه، وأنا أتابع السير.
وفي طريقي عائدةً إلى الغرفة، صادفتُ عددًا آخر من الخدم، و جميعهم حيّوني بدورهم.
“مرحبًا، آنسة.”
هذه المرّة ابتسمتُ وأنا أجيب، وحين رأيتُ تعابير بعضهم تذوب في شيءٍ من الذهول، واصلتُ طريقي بهدوء.
عدتُ إلى الغرفة وجلستُ في مكاني المعتاد. أحدّق شاردةً في زاوية الغرفة، ثم خفضتُ بصري.
و ما وقعت عليه عيناي يدان فارغتان. يدان عاريتان، لا عبءٌ فيهما ولا ندبة.
“في المرة القادمة، هل ستُهديني شيئًا مطرّزًا؟”
ما زلتُ أؤمن بأن إمساكي بالإبرة لم يكن فعلًا من أجله وحده. لعلّه كان مجرّد نشاطٍ منتج لتمضية أمسيةٍ مملّة أقضيها وحدي.
لكن الغريب أنّ الموضع الذي دخلته الحرارة وغادرته يبدو أشدّ فراغًا.
في تلك الليلة، لم يأتِ دانيال غوين. لا بدّ أنّه كان مشغولًا، فهو ليس رجلًا يستطيع اقتطاع الوقت بسهولة.
وعاد دانيال غوين ليبحث عني بعد يومين.
“إليانور.”
في ساعةٍ متأخرة من الليل.
وما إن سمعتُ صوته من خلف الباب حتى نهضتُ من الكرسي وفتحته. وقد كان يقف عند العتبة مبتسمًا.
“ما الأمر؟”
“لم أركِ لا أمس ولا اليوم، فجِئتُ لأطمئن.”
لم أجد ما أردّ به، فاكتفيتُ بابتسامةٍ صامتة، و بادلني بابتسامةٍ مماثلة وهو يتأمّلني.
بدا كأنه يعبث قليلًا باليد التي أمسكها، ثم اقترب أكثر.
“هل تناولتِ العشاء؟”
“نعم. وأنتَ، هل تناولتَ طعامكَ؟”
يبدو أنّه أمضى يومًا حافلًا؛ فمع أنّ ساعاتٍ مضت على حلول الليل القصير، إلا أنّه لا يزال بملابس الخروج. و قد كانت هناك برودةٌ خفيفة ما تزال عالقةً بمعطفه، ما يدلّ على أنه عاد لتوّه.
“تناولتُه في الخارج. لو انتهيتُ أبكر قليلًا، لكنتُ تناولتُ العشاء معكِ يا إليانور، مؤسفٌ حقًا.”
حين أدرتُ وجهي عن نظرته التي توشك أن تذيبني، ضحك بخفوتٍ وأكمل.
“في المرة القادمة، لنتناول الطعام معًا حتمًا. ففي الحقيقة، لم يكن عشاء اليوم مُرضيًا تمامًا.”
“….يبدو أنّ المطعم لم يكن جيّدًا.”
“ليس هذا ما أعنيه—.”
وبينما كنتُ أتساءل مع من تناول عشاءه، رمشتُ بعيني حينها لامس أنفي عطرٌ غريب.
ظننتُ أنني لم أُظهر شيئًا، لكن يبدو أنني ارتعشتُ لا شعوريًا، إذ بادر بالكلام فورًا.
“آه، يبدو أن الرائحة قويّة، فبقي الأثر.”
نفض معطفه بيده باعتذار، لكن العطر لم يتبدّد، وبقي فضولي معلّقًا بمصدره.
إنه عطر الزنابق. هل هو عطر؟ أم باقة زهور؟ الرائحة قويّةٌ إلى حدّ يستبعد أن تكون مزهريّةً على طاولة مطعم.
“كانت تحبّ الزنابق.”
هل انتقل إليه العطر لأنه التقى امرأةً تهوى الزنابق و تتعطّر بها؟
أم لأنه هو من قدّم للطرف الآخر باقةً من زنابق؟
لكنه لم يضف شيئًا بعد ذلك.
___________________
شف يبيها تغار؟
حلوه حركتهم يوم انحاشوا سوا و ليتهم طولوا شوي بس عادي افكار اليانور النرجسية تجنننننن
اما ويسلي الله يعينه كأنه طاح في بزران يخدمهم😭
المهم اذا كان جاي متعمد يبيها تغار اتوقع نجح ذي الحركة تدمير لنرجسية اليانور
التعليقات لهذا الفصل " 36"