“ليست أشبه بما يكون داخل القصر أو في الدفيئة! و ليست أزهارًا رائعة، لكن….”
كان الأمر غريبًا. لم ألتقِ بذلك الطفل سوى مرةٍ واحدة فحسب، ولم يمنحني يومًا هديةً فاخرة أو جميلة، ولم يهمس لي بحبٍ صادق ودقيق، ومع ذلك.
“لكنني لم أركِ تبتسمين من قبل. قالوا أن ابتسامتكِ ستجعلكِ أجمل….الجميع يقول ذلك….”
كان غريبًا حقًا أن يخطر ببالي هو تحديدًا.
لا أزهار الأقحوان التي شكلت مستعمرةً تحت التمثال الذي قبّلته، ولا دانيال غوين الذي كان يهمس بالحب أمامي بعينين حالمتين، بل ذلك الطفل.
“أحضري ذلك الشريط إلى هنا.”
توجّهت الصناديق الأخرى إلى الخزانة أو غرفة الملابس أو علبة المجوهرات، أما شريط الساتان فاستقر في يدي. و تحسست التطريز الخشن المتداخل مع الملمس الناعم.
نعم، مع أن كل ما في ذلك الصندوق كامل بلا أدنى عيب. كنتُ أتأمل هذا الشريط وأستحضره في ذهني، بينما فكرتُ في ذائقته.
بعينين بلون النحاس، لرجلٍ ينتقي الأشياء الممتازة دون حاجةٍ إلى تمعن أو عناءٍ اختيار، جامعٌ لا يحتاج إلى نصيحة أحد.
ويبدو أن أحدهم كان له رأيٌ آخر.
“آنستي.”
فتحت إيزابيل فمها بينما كانت تفتح الصناديق واحدًا تلو الآخر.
كان ذلك أمرًا نادرًا، ولأنها ليست ممن يتفوهون بكلامٍ لا داعي له، أنصتُّ بصمت.
“….هل حدث معكِ شيءٌ بالأمس؟”
“ما معنى هذا؟”
ترددت إيزابيل طويلًا وتلكأت، ثم فتحت فمها أخيرًا.
“سمعتُ أن السيد دخل هذه الغرفة.”
لم تُكمل الجملة، لكنني قرأت المعنى الخفي فيها.
و على أي حال، كان من الأفضل لها ألا تخبرني بهذا الكلام.
فاشتدت قبضتي على حافة الصندوق. و كدتُ أرميه، لكنني تذكرت من قدّم الهدية فتراجعت.
“ما الذي تحاولين قوله؟”
“….يبدو أنني قلتُ كلامًا في غير موضعه.”
“الكلام الذي لا داعي له لا يجب أن يخرج من الفم.”
أجبتُ ببرود وأنهيتُ الحديث. ثم نظرتُ إلى جبل الصناديق الذي لا يزال يحتل جزءًا من الغرفة، وإلى الخدم الذين أحضرتهم إيزابيل وهم يفكونها وينظمونها واحدًا تلو الآخر.
و التقت عيناي بعين خادمةٍ كانت تراقبني أنا وإيزابيل بوقاحة.
“…….”
فحدقتُ فيها من الأعلى ورمشتُ عدة مرات.
لو أمرتُ بطردها لفعل ويسلي إينيل ذلك فورًا، حتى دون تدخّل إيزابيل مارليير.
“اخرجن.”
“آنستي.”
“قلتُ اخرجن.”
وبينما كنتُ أحدق في الخادمة التي لم تخرج رغم ذلك، تقدمت إيزابيل بينما التزمتُ الصمت.
“الآنسة ستسامحكن.”
“سيدتي….”
“لذا لا تثِرن مزيدًا من الفوضى، واخرجن.”
ثم خرجن الخادمات من الغرفة وكأنهن يفررن.
ولتحرير ثوب المنزل الذي كان يشد خصري بخنق، تحسستُ الأزرار المثبتة في ظهري ثم انتهيتُ بتمزيقها.
وقد لسعني أثر الخيط الأحمر الذي بقي على أصابعي.
“…….”
ألقيت السبحة المصنوعة من عرق اللؤلؤ فوق طاولة الزينة. و ظل الزر الذي كان يدور في مكانه يتقلب قليلًا ثم هدأ. و حدقتُ فيه، ثم صرفت بصري.
“إيزابيل.”
في الغرفة التي عمّها السكون أخيرًا، وضعت يدي على جبيني النابض وناديت إيزابيل التي لم تغادر بعد، فتوجه نظرها نحوي.
“لا أريد أن يدخل أحدٌ إلى غرفتي مرة أخرى.”
“نعم، آنستي.”
نظرتُ إلى إيزابيل المنعكسة في المرآة، واقفةً في مكانها دون حراك.
ى ظللتُ أحدق فيها وهي لم تغادر بعد إنهاء عملها كعادتها، ثم سألتها.
“لا أعرف إن كان قد طرأ تغييرٌ على مشاعركِ، لكن لا تتصرفي بتكلّف. ولا تفعلي أشياء لم تكوني تفعلينها من قبل.”
مثل إدخال أولئك الخدم إلى غرفتي حرفيًا، أو عدم طردهم من الأساس.
“…….”
إيزابيل، التي لم تجب، كانت تواجهني على نحوٍ لا يختلف كثيرًا عن المعتاد. و واصلتُ النظر إليها باستغراب، ثم خطر لي خاطرٌ فسألت.
“هل تفكرين أنتِ أيضًا مثل أولئك الذين يحيونني أحيانًا في الممر؟”
ظلّت إيزابيل مارليير صامتةً بلا رد. فضحكتُ بخفة لسخافة سؤالي.
“لماذا لا تجيبين؟ ليس من المعقول أنكِ، مثلهم، تظنين أنني سأصبح سيدة هذا القصر.”
لم أكن في موضعٍ يسمح لي بأن أطلب من صاحب القصر تعيين خدمٍ خاصين بي أو زيادتهم، ولا كانت لدي نيةٌ لذلك أصلًا، كما أنني لستُ شخصًا يملك حق التدخل في شؤون القصر أو قوائم الطعام أو معاملة الخدم.
وإيزابيل، التي لا تحمل أوهامًا فارغةً مثل بقية الخدم، لا يمكن أن تجهل هذا الأمر. ومع ذلك، ورغم أنني سألت بخفة، لم يأتِني أي جواب.
“لا تتصرفي بغرابة.”
في النهاية، قلتُ ذلك فقط ولذتُ بالصمت.
“….آنستي.”
فتحت إيزابيل فمها لتتكلم. و ارتسم على وجهها ملامح معقدة، كمن يشعر بالشفقة أو الارتباك أو الذنب، أو كمن اتخذ قرارًا ما.
وحين بدأتُ أظن أن نظرتها تبدو غريبةً على نحوٍ ما، فتحت فمها من جديد.
“….السيد يحب الآنسة.”
“أعرف ذلك.”
بعد هذا الرد، كان من الواضح أنني لستُ بحاجةٍ إلى سماع ما ستقوله إيزابيل لاحقًا، لذا أغمضتُ عيني.
“…….”
كان ذلك إشارةً إلى إنهاء الحديث، كما أن تعابير وجهها المعقدة لم تمنحني أي شعورٍ مريح، فلم أرغب في رؤيتها بعد الآن.
وبحكم أنها قضت وقتًا طويلًا معي، فهمَت قصدي، ففتحت الباب وخرجت.
“….سأخرجُ الآن.”
بعد خروجها، فتحتُ عيني من جديد.
نظرتُ إلى الصناديق المفتوحة جزئيًا والمبعثرة في الغرفة. و التي أُخرجت بعض الملابس منها، وجميعها ذات تصاميم تضيق على الخصر.
ثم استندتُ بجسدي إلى طاولة الزينة، محاولةً تهدئة الصداع النصفي الذي اندفع مع موجة الانفعال.
إنهم جميعًا أناسٌ لا يؤمنون إلا بالحب المرئي، حمقى يقولون أنه يحبني، ثم يشككون في ما إذا كان يحبني حقًا.
ولهذا، لم أتزعزع.
***
رأى ويسلي إينيل إيزابيل مارليير وهي تنزل من درج الطابق الثاني، وكأنها خرجت من غرفة إليانور كايل للتو.
“السيدة مارليير؟”
بدت وكأنها لم تسمع، فلم تجب. و كان وجهها شاحبًا على نحوٍ ما، ويبدو عليه الخوف أيضًا.
فناداها على عجل وهي تتجه مسرعةً إلى مكانٍ ما.
“سيدتي؟ إلى أين تذهبين؟”
و توقفت إيزابيل مارليير، ذات التصرفات المريبة، بعد أن أدارت رأسها ورأته.
“آه، السيد إينيل.”
“إلى أين تذهبين على هذا النحو المستعجل؟”
“تذكرتُ أنني تركتُ شيئًا خلفي. هل خرج السيد؟”
“نعم، سيعود متأخرًا. وماذا عن الآنسة؟”
ويبدو أن سبب تصرف إيزابيل المريب هي إليانور كايل.
“الآنسة….لا تزال جميلة، أليس كذلك. كما كانت دائمًا.”
“هل حدث شيء؟”
لم تجب، وكان وجهها شاحبًا.
وبينما نظر إلى ذلك الوجه الذي شحب حتى البياض، خطرت بباله التماثيل التي تملأ الطابق الثالث من القصر.
و تذكر فتاةً في سن أصغر، كانت تذهب إلى غرفةٍ لا تضم سوى عدد قليل من التماثيل، وتجعل من جميع تلك المنحوتات أصدقاء لها أثناء اللعب.
كانت تلك القطع من الجبس أو الرخام حبيبة إليانور كايل، أو أصدقاءها، أو عائلتها.
“يقال أنها حطمت تمثالًا مرةً أخرى.”
“…….”
“كنتُ أعلم أنها كانت تتخذها دمى وتلعب بها، لكن لماذا جُرحت مشاعرها هذه المرة؟”
“الآنسة لم تفعل ذلك بنيةٍ سيئة―.”
“وما المشكلة حتى لو كانت بنيةٍ سيئة؟”
و تذكر أيضًا الطفلة التي كانت، حين تعجز عن كبح غضبها، تحطم تلك الأشياء، ومع ذلك كان يُغفر لها عن أفعالها من قبل إرنست غوين لأنها، رغم كل شيء، كانت جميلة.
إنها أفكارٌ متجاوزة بدأت منذ الجنازة.
و صمته والممر الخالي من الناس منحا إيزابيل مارليير الشجاعة لتبدأ بالكلام.
“….يبدو أننا تقدمنا في العمر. و ربما لهذا السبب.”
“…….”
“أليس الأمر غريبًا؟ هذا القصر أيضًا، وآنسَتي أيضًا. كل شيءٍ لا يزال جميلًا كما هو.”
لم يكن لديه ما يقوله. ففي الحقيقة، هو لا يزال لا يعرف إليانور كايل جيدًا.
“في النهاية، لو لم أكن جميلاً أو ثرياً، لتركني النبلاء ورحلوا عني في لحظة.”
ومع ذلك، لم يستطع أن ينطق بفهمه لها الذي كان قد بناه مستندًا إلى كلمات دانيال غوين.
“لكن لا أدري ما الذي يبدو غريبًا إلى هذا الحد، وما الذي يبدو خاطئًا جدًا….لا أعرف.”
تذكر ويسلي إينيل. شخصًا يسعى دائمًا إلى أن يكون جميلًا على نحوٍ كامل، وأن يبدو كذلك، لكن فقدانًا أو شعورًا بالهزيمة قد التصق بروحه.
شخصًا يعيش وهو يخفي قاعًا مثيرًا للشفقة.
نظر إلى ظهر إيزابيل مارليير وهي تغادر بعد أن هدأت، ثم صرف بصره.
و تذكر القصر الذي أحبه حقًا ذات يوم.
قصرًا أنيقًا حد الابتذال أو فخمًا برصانة، ممتلئًا بأشياء إما تعيش قسرًا أو ماتت بطبيعتها.
قصرٌ جميلٌ على نحوٍ يبعث على القشعريرة، يسكب فيه جامعٌ مهووس جمالًا أعمى من الجواهر ويقدمه قربانًا.
_____________________
فيه جامع مجنون اكثر من ارنست غوين؟
كل الي في القصه غريبيين طلعوا لي احد عاش فيه واجد وصاحي؟ محد حتى ايزابيل انجنت😭
و وناسه اليانور كان بتنطل الهديه بس تذكرت انها من دانيال وخلتها؟ ياخوفي ذا الدانيال يسوي شي هاعا
التعليقات لهذا الفصل " 33"